مقالات

فلسفة الأخلاق في الإسلام


السيد جعفر مرتضى ..
1- إن الإسلام يمتاز بالشمولية وبالعمق, وبأنه كل مترابط لا يتجزأ.. وهذا يعني: أن التعرف على رأيه في أية قضية كانت يتطلب جهداً خاصاً وكبيراً, ومزيداً من البحث والدراسة والتمحيص, ولا سيما إذا لاحظنا أن كلام الله سبحانه, وكلام النبي (ص), وكلام الأئمة عليهم السلام دقيق وعميق, يحتاج إلى المزيد من الدقية في فهم معانيه ومراميه, حتى أن تغير كلمة واحدة في جملة صغيرة لربما يغير المعنى تغييراً أساسياً له آثاره على الصعيد العلمي بشكل واسع.
ولأجل ذلك.. ولأجل عوامل اخرى, لا مجال لبحثها الآن, نقول: إنه ليس منطقياً - إذا أردنا معرفة الإسلام في قضية ما - أن نكتفي بمراجعة بسيطة وعابرة وساذجة لآية أو لحديث أو أكثر ثم إصدار الأحكام وإعطاء النظريات والضوابط على أنها هي كل رأي الإسلام في ذلك.
فمثلاً: العفو عن الآخرين, وإن كان لا ريب في رجحانه على وجه العموم.. ولكن إذا أردنا تحري التفاصيل والجزئيات فيه, فإننا نحتاج إلى مزيد من البحث, والمزيد من الدقة في الآيات والروايات لنستخلص ممن, وعمن يكون العفو, وما هي غايته؟ وما هي إثاره على العافي, من جهة, وعلى المعفو عنه من جهة أخرى؟ وما هي آثار العفو على صعيد الواقع العام؟ وما هي شرائطه وحدوده ؟ وما هو مدى ربطه بأخلاق وخصائص الإنسان ؟ وكيف ؟ وهكذا...
ولأجل كل ما تقدم: فإننا سوف نكتفي في هذه العجالة بعرض سريع لما أمكن فهمه فيما يرتبط بالأخلاق في الإسلام.. مع تأكيدنا على مسيس الحاجة للتوفر على دراسة هذا الموضوع بشكل أعمق, وبصورة أتم وأوفى..
2- إن الإنسان في مسيرته الحياتية, وفي كل حركاته, وأفعاله, ومواقفه يحتاج إلى دافع ومحرك, وإلى هدف وغاية.. ولا بد من التعرف على كلا الأمرين من وجهة نظر الإسلام أولاً..
فأما بالنسبة للهدف والغاية.. فإننا نبادر إلى القول: إن هدف الإسلام هو إيصال الإنسان كفرد, وكأمة إلى السعادة التامة والشاملة, والحقيقية, بكل ما لهذه الكلمات من مدلول ومعنى..
وهذه السعادة لا تنتهي بانتهاء حياة الإنسان في هذه الدنيا, وإنما تتجاوزها, لتكون دائمة وخالدة وأبدية, ليست الدنيا إلا مرحلة تهيؤ وإعداد لها, حيث ينتقل الإنسان منها إلى مرحلة أخرى, أكبر وأوسع تتجسد فيها إنسانية الإنسان, ليعيش واقعه وأصالته, بحيوية وواقعية وعمق..
(يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً, فملاقيه).
نعم.. هذا هو الهدف, وهذه هي الغاية بنظر الإسلام. وإدراك ذلك وإدراك كثير من خصوصياته إنما هو من معطيات العقل النظري ليس إلا..
وواضح: أن للهدف والغاية من الفعل دوراً أساسياً في كون الفعل أخلاقياً أولا. فالعمل المعبر عن الشجاعة قد يكون لإذلال الآخرين, والتعدي عليهم, وقد يكون لإحقاق الحق, والدفع عن المستضعفين. كما أن بذل المال مثلاً, حين يقصد بها الرياء والسمعة, أو إذلال الآخرين واستبعادهم أو ليشوه حقيقة, أو ليقتل إنساناً, أو شعباً - ولذلك الكثير من الشواهد التاريخية - أنه حين يكون كذلك, فإنه يكون عملاً منافياً للأخلاق ومضاداً لها.
وأما إن كان لعاطفة جاشت بسبب رؤية عجز وحاجة وضعف الآخرين, وليس وراء ذلك أي شي آخر, فهو من قبيل عواطف الأم تجاه ولدها حسبما قدمناه. أما إذا كان لله سبحانه وفي سبيله, ولمحض رضاه, فإنه يكون عملاً أخلاقياً, يستحق فاعله الأجر الجميل والثواب الجزيل.. قال تعالى وهو يمدح أمير المؤمنين, والزهراء, والحسنيين عليهم السلام على إطعامهم اليتيم, والمسكين والأسير, في حين أنهم عليهم السلام كانوا بأمس الحاجة إلى ذلك الطعام حيث أنهم كانوا يصومون تلك الأيام, ولا يجدون إلا الماء ليفطروا عليه - قال تعالى:{ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً, ويتيماً وأسيراً, إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرًا, فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً, وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً}.
وقال تعالى في موطن آخر: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون}.
وقال تعالى: {والذين آمنوا وهاجروا في سبيل الله, والذين آمنوا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً}.
والآيات والروايات التي تدخل في هذا المجال كثيرة جداً لا مجال لإحصائها.
وبالنسبة للأمر الثاني, وهو الدافع والمحرك, فإننا نقول: إن من الطبيعي أن تكون أطروحة الإسلام في مجال الدفع, وتنظيم الحركة نحو ذلك الهدف منسجمة مع نظرته تلك, ومع حجم المسؤولية التي يتحتم عليه الاضطلاع بها في هذا المجال.. الأمر الذي يعني: أنه يقيم علاقات الإنسان بالدنيا, وبكل ما يحيط به, وحتى بنفسه تقييماً صحيحاً, يعطيها حجمها الطبيعي, الذي ينسجم مع حجم الدور الذي يؤهله الله للقيام به, في مسيرته نحو هدفه الأسمى في حياته الخالدة والدائمة والباقية.
وواضح: أن الإنسان تارة ينساق نحو إيجاد فعل من نوع ما في الخارج, بدافع العاطفة, كما في اندفاع الأم لإرضاع طفلها, وأخرى ينساق إلى ذلك استجابة لأمور طبيعية, أو غريزية كداعي غريزة الجنس, أو دافع الجوع, أو العطش, أو نحو ذلك, فيأكل ويشرب ويمارس الجنس ... الخ وقد يكون العقل هو الذي يدرك المصلحة في عمل ما فيصدر الأمر للإرادة للتحرك نحو إيجاد ذلك الفعل, حتى ولو كان ذلك على خلاف المشاعر العاطفية, والمتطلبات الغريزية فعلاً.. فنجد الأم تقدم على إجراء عمليات جراحية لولدها ولو ببتر أحد أعضائه لتنجيه مما هو أقصى وأدهى, رغم أن ذلك لا ينسجم مع انفعالاتها العاطفية, وميولها ورغباتها الطبيعية.. وكذلك فيما يرتبط بالإقدام على شرب الدواء المر من أجل الحصول على الشفاء.
وذلك لأن العقل قد أوضح لها: أن الأقرب إلى حفظ ولدها وسعادته وكماله هو هذا الفعل بالذات, والشواهد على ذلك كثيرة.
وعلى هذا الأساس.. فإن العقل لابد وأن يكون هو المهيمن على جميع القرارات والتصرفات التي يكون الدافع إليها هو الرغبات والعواطف والنزعات الغريزية والطبيعية, فهو المبدأ, وإليه المنتهى, وهو صاحب القرار النهائي, الذي يصدر تعليماته للإرادة سلباً أو إيجاباً وعليه أن يستفيد من هذا الرصيد العاطفي, والطبيعي الغريزي - كالحب والجمال, والشجاعة والجنس, وغير ذلك - في مجال تنفيذ أحكامه وتطبيق قراراته التي تقوم على إساس إدراكه للواقع الموضوعي وترجيحاته فيما بين المصالح والمفاسد التي يواجهها ويوجهها بمساعدة العقل النظري نحو الهدف الأقصى, وهو المولى جل وعلا: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه}..
وأما إذا كان لا بد من إطلاق العنان لتلك الرغبات والغرائز, والعواطف والميول, واعتبار الأعمال والمواقف التي تنشأ عنها - بمفردها - من الأخلاق.. فإن معنى ذلك هو أن يصير عقاب المجرمين قصاصاً حتى يزيد بن معاوية، والحجاج بن يوسف، عملاً غير أخلاقي.
بخلاف ما لو كانت الهيمنة، وكلمة الفصل هي للعقل، فإن عدم قصاص المجرم يكون عملاً منافياً للأخلاق، ومضاداً لها.. حتى إننا نجد جميع العقلاء لا يرضون عن موقف كهذا، ويقبحونه، ويقفون ضده..
وإذن.. فقد يقتل الإنسان المئات أو حتى الألف والآلاف من الأشخاص في ساعة واحدة, كما فعل رسول الله (ص) في بني قريظة ويكون عمله أخلاقياً.. ثم هو في نفس الوقت يذوب حناناً وعطفاً على من قتلهم بالذات, حتى ليعاتبه الله على شدة حزنه على أعدائه الذين أخرجوه, وحاربوه, ويبغون له الغوائل : فيقول: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}, ويقول: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم, إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا}..
كذلك بالنسبة لمواقف الحسين عليه السلام, وتقديمه أصحابه, وأولاده وأهل بيته ونفسه ضحايا في سبيل إعزاز الدين , وإعلاء كلمة الله سبحانه..

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد