سياحة ثقافية

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ أحمد بن سعيد الوائلي
عن الكاتب :
ولد الشيخ أحمد بن الشيخ حسون بن سعيد الوائلي عام 1927 في مدينة النجف الأشرف، أظهر الوائلي نبوغاً في صغره ودرس في الحوزة العلمية متتلمذاً على يد ثلة من العلماء والمراجع المحققين وقد كان ينهل من علومهم ومعارفهم محققاً تفوقاً لافتاً في كل صنف من صنفي دراسته الحوزوية والأكاديمية العليا التي تابعها حتى حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة القاهرة تميز شعر الوائلي بفخامة الألفاظ وبريق الكلمات فقد كان يُعنى بأناقة قصائده لذلك وهو يعتبر شاعراً محترفاً من الرعيل الأول المتقدم من شعراء العراق، جمعت بعض قصائده التي تنوعت في مضامينها في ديوانه المسمى باسم "ديوان الوائلي" وهي قصائد في المدح والرثاء والسياسة وفي أهل البيت ورثاء بعض الأئمة. وافاه الأجل في الرابع عشر من يوليو سنة 2003م.

النجف الأشرف مدينة التنوّع الحضاري


الدكتور أحمد الوائلي ..

يقول أحد الشعراء:
قد يزينُ الخميلَ بضعُ ورودٍ
كيف لو كان كلّه من أقاحِ
من مصاديق هذا المضمون مدينة النجف الأشرف، فإنّ أبعادها الحضارية متنوّعة ومع تنوّعها تتّصف بالتميّز، والحصيلة هنا أمران:
الأوّل: التنوّع الحضاري الناتج من اختلاف الأجناس والأعراق التي سكنتها قبل الإسلام وبعده. ولعلّ البعض تلفت نظره عبارة قبل الإسلام، في حين أنّ الصورة الذهنية عن النجف أنّها وُلدت بولادة عهد الشيخ الطوسي قدّس سرّه، إلّا وجود ضئيل لا يُسمّى بمجتمع.
والحقيقة أنّ هذا التصوّر ليس بصحيح؛ فإنّ المتتبّع لتاريخ هذه المنطقة يتأكد له وجودها في عهود تسبق البعثة النبوية بزمنٍ طويل، فهي عندما مرّ بها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، كانت مدينة، وكانت مسكونة بكثافة، وكانت يُزلزَل بها، فنزل إبراهيم عليه السلام ضيفاً على أهلها، فلم يُزلزل بهم، وعندما تأكدوا من ذلك قالوا إنّ هذا من بركة ضيفنا وأصرّوا عليه بالبقاء، فأبى عليهم إلّا أن يشتري منهم الأرض، فتشرّفوا بالقبول. فاشتراها منهم بمائة نعجة فسُمّيت «بانقيا» من أجل ذلك، لأنّ «نقيا» بلغتهم «نعجة»، و«با» تساوي «مائة». هذا مفاد الروايات، وقد ورد مضمونه أيضاً في جملة مصادر، منها (معجم البلدان) للحموي.

والآثار التاريخية في جوانب مدينة النجف تتوزّع في مختلف جهاتها، فهناك آثار لسجون الأسرى وللمعسكرات التي يعود تاريخها إلى أيام الإسكندر المقدوني، وإلى إيام بختنصر، مثل «عريسات»، «وضيزن آباد».
وفي (فتوح البلدان) للبلاذري وفي غيره من المصادر أنّ تاريخ بعض هذه الآثار يرجع إلى ثلاثة آلاف وثمانمائة سنة قبل الميلاد - خصوصاً في سجونها ومقابرها - مثل «الطارات»، وهي آثار تلال عالية في بحر النجف، اتخذت أطرافها أشكالاً هندسية بفعل عوامل التعرية الطبيعية، وتُعدّ من المعالم السياحية في النجف الأشرف.
ويقول اليعقوبي في (البلدان): «والنجف كان ساحل بحر الملح، وكان في قديم الدهر يبلغ الحيرة..»، وقد أَفضتُ بذلك في كتابنا (الخلفية الحضارية للنجف قبل الإسلام)، والذي ما يزال مخطوطاً، ولا أريد التوسّع في ذلك، وإنّما مجرد لفت النظر إلى الأقوام التي سكنت هناك وتركت بصماتها على التاريخ والحضارة والمدنية، فهي أقدم ممّا يتصوّره البعض.
أمّا التميّز الذي أشرتُ إليه، فهو حصيلة قهرية لامتزاج هذه الروافد المتنوّعة وتلاقح أفكارها، ما شكّل مؤشّراً غنياً يراه المتتبّع بوضوح في أنماط السلوك عند الفرد النجفي، خصوصاً بعد تعميق المدرسة العلمية وانتهائها إلى الثراء الملحوظ في الأبعاد الفكرية بعد عصر الشيخ الطوسي.
الثاني: لعلّ من أبرز الروافد التي انصبّت في أبعاد النجف، حضارياً وقبل الإسلام، هو الرافد المسيحي، ويظهر من المأثورات أنّه يبتدئ من عهد جذره الأوّل وهو السيّد المسيح عليه السلام، وأمّه السيّدة مريم العذراء عليها السلام، فقد ورد في (كامل الزيارات)، عند تفسير قوله تعالى فيهما: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَة ذاتِ قَرار وَمَعِين﴾ (المؤمنون:50)، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال: «الرّبْوَةُ نَجَفُ الكُوفَةِ، والمَعِينُ الفُرات».

ومعنى ذلك أنّ الإيواء – وهو الإقامة - ثابت هناك ولو لمدّة قليلة، ويؤيّد هذا المعنى ما رواه المجلسي في (بحار الأنوار) عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «الغَرِيُّ هُو قطعةٌ مِنَ الجَبلِ الّذي كَلَّمَ اللهُ عليهِ مُوسى تَكليماً، وقَدَّسَ عليهِ عِيسى تَقدِيساً، واتَّخَذَ عليه إِبراهيمَ خَليلاً..».
ومن هنا كانت المنطقة بعد ذلك تكاد تكون في أغلب سكّانها مسيحية، حيث تستوعب المثلّث المعروف «الحيرة، النجف، والكوفة».
وبناءً على ما ورد في تفسير الآية المتقدّمة، فإنّ المسيحية بدأت من النجف وانتشرت إلى الشام؛ فإنّ المنطقة كانت متّصلة بقرى عامرة من الحِيرة حتى الشام، كما نصّ على ذلك المسعودي في (مروج الذهب) في فصل فَتح الحِيرة، ويؤيّد ذلك وجود «الأكراح» وهي بيوت رجال الدين المسيحيين في النجف، وإلى جانبها أدْيرة للمسيحيين وكنائس، وأشهرها «دير مار عبدا»، و«دير حنّا»، وفي هذه الأكراح عيون وينابيع وآبار محفورة.
والحقيقة أنّ حديث الأكراح والأديرة والكنائس والتلال التي كانت للمسيحيين على ظهر النجف مطوّل وواسع، يدلّ على كثافة السكان المسيحيين هناك وغلَبتهم على المنطقة، كما يعكس أنماطاً من ممارستهم وسلوكهم، ويعطي صورة كاملة عن ملامح حياتهم.
وبالجملة، فإنّ المنطقة كان يغلب عليها الطابع المسيحي بما له من آثار، وإلى جانبه روافد أخرى، في طليعتها الفرس، والسريانيون، والبابليون، والعرب، وأجناس أخرى نصّت عليها كُتب التاريخ والجغرافيا، وعدّت من تلك الشرائح اليونانيين والقساطرة.


بيئة علمية حاضنة لعقيدة التوحيد

مهّدت هذه الشرائح - بما لها من سمات حضارية - أرضية صالحة للفكر الإسلامي، حيث كانت الشرائح السكانية مؤهّلة فكرياً للاستفادة من عطاء الإسلام، واجتمع لهذه المنطقة المناخ الثقافي الرائع مع المناخ الجغرافي الممتاز، حيث كانت تسمّى بـ«خدّ العذراء» لنقائها، وكانوا يعتبرونها مصحّة يهربون إليها أيام الطاعون لصفاء هوائها وطِيب مناخها.
كل ذلك أهّل المنطقة لكي تكون بيئة علمية متميزة. ولعلّ من العوامل التي حملت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، على نقل العاصمة إلى الكوفة [الكوفة إحدى مدن محافظة النجف حالياً] هو هذا العامل، فإنّ سيرة الإمام العلمية تحتاج إلى وسطٍ يستوعب معطياتها، فما كاد يحلّ هناك حتى بدأ التفاعل بين تعاليمه والموروث في المنطقة؛ فكان من ذلك مزيج رائع تجسّد في تلاميذه. واستمرّت الحركة في تفاوتٍ من حيث القوّة والضعف حتّى القرن الرابع، وهجرة الشيخ الطوسي إلى النجف في القرن الخامس الهجري.
كانت هجرة الشيخ الطوسي من بعد حدوث الفتنة في بغداد وإحراق كرسيّه وكُتبه، وهو ما ألجأه للمجيء إلى النجف الأشرف، وأعتقد أنّ جملة من تلاميذه تبعوه، وأُضيف إليهم مَن كان بالمنطقة من الذين انتظموا في دروس الشيخ الطوسي، وقد بلغ عدد التابعين منهم والمجتهدين على قول، ثلاثمائة شخص، ومن غيرهم جمٌّ غفير. وكان طلّاب العلم الذين يدرسون هناك من ذلك اليوم حتى وقتنا الحاضر من جنسيات مختلفة وحضارات متنوّعة، تمازجت فأنتجت خلاصة رائعة من الفكر والعمق والوسط الفاضل في مختلف أبعاد العلوم.
ولعلّ النجف وموقعها على حافة الجزيرة العربية، وتفاعلها المستمر مع العلوم العربية لغةً وفقهاً وأدباً وتفسيراً، ميّز الوسط العلمي الذي ينهل منها بتَضَلُّعٍ ليس بالقليل في هذه المبادئ المذكورة، بالإضافة إلى المادّتَين الأساسيتَين - الفقه والأصول - وما يُعتبر مقدّمة لهما من بلاغة ومنطق، وما هو مهمّ من حكمة وفلسفة.
لقد تنوّعت جداول المعرفة هنا، وتطارحت الأفكار، وكدّت القرائح، وكدحت حتى كوّنت مزاجاً اجتهادياً تفتقر إليه جملة من مدارسنا مع فضلها ومكانتها العلمية، ولكن هذه الانتمائية إلى النجف والظفر بالانتساب إليها، هي صفة يحرص عليها فقهاؤنا كما هو معلوم.


الوادي المقدّس بأمير المؤمنين عليه السلام
العامل الأوّل في كل ما بالنجف من مزايا وما لها من مكانة هو أنّها مثوى المعلّم الثاني، إمام المتّقين وباب مدينة علم النبيّ، أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فقد غرس حقل المعرفة في المنطقة، ثمّ تعاهده ونمّاه طيلة حياته الكريمة، وتعاهدته بعد ذلك قدسيّته وبركاته، التي لها أثرٌ واضحٌ على ذهنية وسلوك الوسط الديني الذي يعيش في النجف، بل ومزاجه وذوقه، حتى أصبحت سمة تعرّف المنتمي لهذه المنطقة.
وقدِّر لهذا المثوى المقدّس أن يكون في وادٍ مقدّس. قال المفسّرون أنّه هو المقصود بقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾، كما ورد عن أهل البيت عليهم السلام.
 ومن هنا كان أئمّة أهل البيت عليهم السلام، يرشدون إلى السُّكنى في هذه المنطقة، فقد قال الإمام الصادق، سادس أئمّة أهل البيت عليهم السلام، لبعض أصحابه الذي قال له: لقد ضربتُ على جميع ما عندي فجعلته ورقاً - أي ذهباً وفضة - وقرّرت أن أسكن في المكان الفلاني، وأخذ يعدّد الأمكنة، فقال له عليه السلام كما في (فرحة الغريّ) للسيّد ابن طاوس: «لا تَفعلْ، ولكنْ عليكَ بِالكُوفةِ، فإنَّ البَركةَ منها على اثنَي عشرَ مِيلاً مِن جَوانِبها الأربع، وإنَّ إلى جانِبِها قَبراً مَا زارَهُ مَهمُومٌ إِلاّ وَفَرَّجَ اللهُ هَمَّه».


وورد أنّ النجف من البقاع التي ضجّت إلى الله تعالى، فهيّأها لمَن يعبدُه عليها ببركة هذا المرقد الطاهر. ومن أجل ذلك كلّه كانت مهوى القلوب والأفئدة، فقد كتب النراقي صاحب (جامع السعادات)، إلى معاصره السيّد مهدي بحر العلوم قدّس سرّه:
ألَا قُلْ لِسُكّانِ أَرضِ الغَرِيّ
هَنيئاً لَكُم فِي الجِنانِ الخُلودُ
أَفِيضُوا عَلَينا مِنَ المَاءِ فَيضاً
فَإنّا عطاشَى وأنتُم وُرُودُ
فأجابه السيّد بحر العلوم:
أَلَا قُلْ لِمَولىً يَرَى مِنْ بَعيدِ
دِيارَ الحَبِيبِ بِعَيْنِ الشُّهودِ
لكَ الفَضْلُ مِنْ غائِبٍ شاهِدٍ
على شاهِدٍ غَائِبٍ بِالصُّدُودِ
فَنَحنُ - على القُرْبِ - نَشْكُو الظّمَا
وفُزْتُمْ - على بُعْدِكُم - بِالوُرودِ


وفي الوقت الذي هي فيه مهوى الأفئدة في الحياة، فهي مهوى الأرواح بعد الممات؛ وذلك لما ورد في فضل واديها وادي السلام. رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام قولُه: «..مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الأَرْضِ إِلَّا قِيلَ لِرُوحِه الْحَقِي بِوَادِي السَّلَامِ، وإِنَّهَا لَبُقْعَةٌ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ».
وفي ذلك يقول الرواة: اشترى أمير المؤمنين عليه السلام، ما بين الخَوَرْنَق إلى الحيرة وإلى الكوفة من الدهاقين بأربعين ألف درهم، فقيل له: يا أمير المؤمنين تشتري هذا - بهذا المال - وليس ينبتُ قَطّ؟!

فقال: «سَمعتُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم، يقول: كُوفان كُوفان! يُرَدُّ أوَّلُها على آخِرِها، يَمشِي على ظَهرِها سَبعونَ ألفاً يَدخلُونَ الجَنّةَ بِغَيرِ حِسابٍ، فَاشْتَهَيتُ أَنْ يُحْشَروا مِن مِلكِي».
ولهذا الوادي - وادي السلام - دورٌ هامّ في مكانة النجف موضوعياً وذاتياً، فمن حيث الذات يعيش في نفوس المؤمنين أمنية غالية أن يكون هو المثوى لها، لِما له من مكانةٍ رسمتها الروايات. ولله تعالى في خلقه شؤون، فهو تبارك وتعالى له اختيارات في البقاع والأشخاص وفي الأوقات: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
وأمّا من حيث الموضوعية، فقد ضمّ هذا الوادي رفات مجموعة كبيرة من الأولياء، والعلماء، والملوك، والوزراء، والعظماء من مختلف بقاع الدنيا.


وأنت ترى فيما مرّ من هذه اللمحات العابرة كيف جمعت هذه المدينة من الفضائل ما يكفي أحدها لرفع المكانة:
* فهي في البُعد التاريخي خلفية حضارية ضخمة تتجذّر في أعماق التاريخ، وتضيء فيها أرقام لامعة من العظماء، ويكفيها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فهو أمّةٌ في فرد، وهو غطاءٌ يظلّلها بمجدٍ لا حدود له.
* وهي في البُعد العلمي المدرسة الغنية بالعطاء، والمتميّزة والمستوعبة لأبعاد المعرفة.
* وهي في أبعاد القداسة مأوى أرواح المؤمنين وساحة حشْرهم يوم يُحشرون.
* وهي في بُعد التراث حصن اللغة العربية وخميلها العامر بإضمامات الأدب المشرق، والفكر الناضج، والتطلّع الصاعد. وهي وهي إلخ...
* وهي بعد ذلك كلّه جزء من الوطن الغالي الذي نضمّ عليه جوانحَنا، ونتمنّى له أن لا يتدنّى أصيلُه عن مجده المشرق، ولا يخبو وهجُه بالمشاعر، ولا تنال من مجده عوادي الأيام، ولا يصبح مجرّد ذكرى في وعينا، بل وجهاً نُغاديه ونراوحه، وحميّةً في نفوسنا، وألَقاً في عيوننا. ومدينةُ النجف الأشرف ستبقى وَمَضات القرائح التي تخلبُ الألبابَ بأمواجها الزاهية:
فداءَ رمالِك لا تَقطعي
حديثَكِ لِلعينِ والمَسمعِ
صِلِيني به بالمَسا والصّباحِ
وفي يَقَظاتي وفي مَهجَعي
فإنّي بِإيقاعِه والرُّؤى
أُهوِّمُ في عالَمٍ مُمتعِ
وهَل تَيَّمَ القَلبَ مثلُ الدِّيارِ
هوىً يُوقِظُ الجَمرَ بالأضْلُعِ
فلَو عِشتُ أَشربُ مِن نَبعِهِ
بِأَلفِ فَمٍ فِيَّ لَمْ أشبعِ

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد