السلام على الإمام الحسن

علمٌ وفكر

العدل

 

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ويُراد به : الاعتقاد بأن الله سبحانه لا يظلم أحداً ، ولا يفعل ما يستقبحه العقل السليم. وليس هذا في الحقيقة أصلاً مستقلاً ، بل هو مندرج في نعوت الحقِّ ووجوب وجوده المستلزم لجامعيته لصفات الجمال والكمال ، فهو شأن من شؤون التوحيد ، ولكنَّ الأشاعرة لما خالفوا العدلية ، وهم المعتزلة والإمامية ، فأنكروا الحسن والقبح العقليين ، وقالوا : ليس الحسن إلا ما حسَّنه الشرع ، وليس القبح إلّا ما قبحه الشرع ، وأنَّه تعالى لو خلَّد المطيع في جهنم ، والعاصي في الجنة ، لم يكن قبيحًا ، لأنه يتصرف في ملكه ( لا يُسئَلُ عمّا يَفعَلُ وَهُم يَسئَلُون). (1) 
حتى أنَّهم أثبتوا وجوب معرفة الصانع ، ووجوب النظر في المعجزة لمعرفة النبي من طريق السمع والشرع لا من طريق العقل، لأنه ساقط عن منصة الحكم ، فوقعوا في الاستحالة والدور الواضح. 
أمّا العدلية فقالوا : إنّ الحاكم في تلك النظريات هو العقل مستقلاً ، ولا سبيل لحكم الشرع فيها إلّا تأكيداً وإرشاداً ، والعقل يستقل بحسن بعض الأَفعال وقبح البعض الآخر ، ويحكم بأنَّ القبيح محال على الله تعالى لانَّه حكيم ، وفعل القبيح مناف للحكمة ، وتعذيب المطيع ظلم ، والظلم قبيح ، وهو لا يقع منه تعالى. 


وبهذا أثبتوا لله صفة العدل ، وأفردوها بالذكر دون سائر الصفات إشارة إلى خلاف الأَشاعرة ، مع أنَّ الأشاعرة في الحقيقة لا ينكرون كونه تعالى عادلاً ، غايته : أنَّ العدل عندهم هو ما يفعله ، وكلّ ما يفعله فهو حسن ، نعم أنكروا ما أثبته المعتزلة والإمامية من حكومة العقل ، وإدراكه للحسن والقبح على الحق جل شأنه ، زاعمين أنَّه ليس للعقل وظيفة الحكم بأنَّ هذا حسن من الله وهذا قبيح منه. 
والعدلية بقاعدة الحسن والقُبح العقليين ـ المُبَرهَن عليها عندهم ـ أثبتوا جملة من القواعد الكلامية : كقاعدة اللُّطف ، ووجوب شكر المنعم ، ووجوب النظر في المعجزة. وعليها بنوا أيضاً مسألة الجبر والاختيار ، وهي من معضلات المسائل التي أخذت دوراً مهماً في الخلاف ، حيث قال الأَشاعرة بالجبر أو بما يُؤدي إليه ، وقال المعتزلة : بأنَّ الإنسان حر مختار له حرية الإرادة والمشيئة في أفعاله. 
غايته : أنَّ ملكة الاختيار وصفته كنفس وجوده من الله سبحانه ، فهو خَلَقَ العبد وأوجده مختاراً ، فكلي صفة الاختيار من الله ، والاختيار الجزئي في الوقائع الشخصية للعبد ومن العبد ، والله جل شأنه لم يجبره على فعل ولا ترك ، بل العبد اختار ما شاء منهما مستقلاً ، ولذا يصح عند العقل والعقلاء ملامته وعقوبته على فعل الشر ، ومدحه ومثوبته على فعل الخير ، وإلّا لبطل الثواب والعقاب ، ولم تكن فائدة في بعثة الأَنبياء وإنزال الكتب والوعد والوعيد. 
ولا مجال هنا لأكثر من هذا ، وقد بسطنا بعض الكلام في هذه المباحث في آخر الجزء الأَول من كتاب ( الدين والاسلام  ((2) وقد أوضحناها  بوجه يسهل تناوله وتعقّله للأواسط ، فضلاً عن الأَفاضل ، وإنّما الغرض هنا : أن من عقائد الإمامية واُصولهم أن الله عادل ، وأنَّ الانسان حر مختار. 

ــــــــــــ
1-  الأنبياء ٢١ : ٢٣.
2-  يقع الكتاب في جزءين ، ضمَّن مؤلَّفه رحمه الله تعالى الجزء الأول منه ثلاثة فصول تمهَّد لها خمسة سوانح يتعرض فيها إلى الأخطار المحيطة بالإسلام ، ومكائد الغربيين له ، وتأثر البعض من المسلمين بالآراء والمعتقدات الغربية. ثم ينفذ من ذلك إلى تبيان دور العلم والعمل في رقي الأديان وثبات أصولهما ، مع شرح موجز لماهية الشرف والسعادة ، ودور الأخلاق في رقي الشعوب ، ونبذ من أقوال الحكماء ومؤلَّفاتهم ، والإشارة من خلالها إلى القصور الذي يحيط البعض في كيفية الدعوة إلى الإسلام وتبيان عقائده وأفكاره ، وغير ذلك.  والمؤلِّف رحمه الله تعالى يتعرَّض في الفصل الأولَّ منه إلى مسالة إثبات الصانع جلَّ اسمه بشكل علمي رصين ، حين يتعرَّض في فصله الثاني إلى إثبات وحدة الصانع تبارك وتعالى ، ونفي الشريك عنه ، ثم يتناول بالشرح في الفصل الثالث منه ماهية العدل وكيفية القيام به ، بشكل مفصل ومسهب.  وأمَّا الجزء الثاني من الكتاب فقد تعرض المؤلِّف رحمه الله تعالى فيه إلى إيضاح كلي للنبوِّة ووجوبها والحاجة إليه ، منطلقاً من خلال ذلك إلى كثير من الجوانب الأُخرى المتعلِّقة بها وصولاً إلى تبيان الإعجاز القرآني الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وما يتعلَّق به.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مواقيت الصلاة