السلام على الإمام الحسن

مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
إيمان شمس الدين
عن الكاتب :
باحثة في الفكر الديني والسياسي وكاتبة في جريدة القبس الكويتية

كورونا وحاضرية الدين والعلم والمقدس (1)

إيمان شمس الدين

أولاً: كيف يمكن ربط القوة بالعدالة بطريقة طردية وليست عكسية؟
يحيلنا هذا التساؤل لموضوع الغاية، فالغاية من العمل تحدد مساره وأهدافه، وتخلق الدوافع باتجاه التطبيق، فحينما تكون الغاية من امتلاك القوة هو التسلط والهيمنة والفرعنة، فإن العلاقة تكون عكسية والآليات المستخدمة لامتلاك القوة والأدوات خارج نطاق الإنسانية والقانون والمبادئ الأخلاقية والمعايير القيمية.
بالتالي تكون النتيجة عدم العدالة والاستبداد. لأن القوة أصبحت بذاتها هدفًا وغاية مطلوبة بذاتها لتحقيق الهيمنة، هذه الغاية داخل إنسانية، بمعنى أن الإنسان قد لا يبدي خارجيًّا أي سلوك يدل على أنه شخصية سلبية، لكن غايته لامتلاك القوة تكون أهدافها سلبية لا تحقق أي عدالة.


فالنية داخلية لا يمكن الاطلاع عليها، لكن ما يوضح هذه النية لاحقًا هو السلوك والآليات المستخدمة من قبل هذا الإنسان، فمجرد أن تكون نيته سلطوية فرعونية سيتضح بالأعم الأغلب ذلك من الأدوات والمناهج التي توسلها ليحقق نيته.
وهنا يأتي دور النخبة الحية، وهي تلك النخب التي تمتلك ضميرًا حيًّا حساسًا لكل انحراف، منضبطة بمنظومة معايير أخلاقية وقيمية محورها السماء وفاعليتها عقلية منطقية، هذه النخبة الحية وظيفتها كجهاز كشف مبكر، أي كرادار يلتقط الصورة مبكرًا قبل وصول الشخص لهدفه، فتستطيع إفشال وتعطيل حركته نحو هدفه لمنعه من تقويض العدل وإشاعة الظلم.
لذلك لابد للعدالة من قوة لكنها قوة أداتية وليست غائية، أي هي تطلب كأداة وليست كغاية، وعندما تصبح القوة أداة والغاية تحقيق العدالة من خلال هذه الأداة والوسائل والأدوات والمناهج، لا تخرج عن ميزان العدل والعدالة، فإن العلاقة هنا تصبح طردية، كلما تمكنا وأصبحنا أقوياء كلما تمكنا من تحقيق العدالة، بميزان عادل.
وامتلاك القوة خاضع لمعطيات الزمان والمكان في تحديد مصاديقها ونماذجها وأدواتها، لكن هناك ميزان ثابت يحكمها، هو أنها قوة بالعرض وليست بالذات، أي هي بالوكالة وليست بالأصالة، فإن حققنا شروط الأصيل علينا كوكيل، تحققت استمراريتها وتوطدت في الأرض العدالة وضربت بجذورها أرض الإنسانية جمعاء.


وبمجرد تبدل نيتنا كوكلاء لامتلاك القوة لتصبح بذاتها مطلوبة، فإن ديمومتها مشكوكة وغير محققة، وسنصل بعد ذلك لانسداد تطبيقي تنقلب بعدها الموازين ضد استبدادنا بهذه القوة، لتعيد للسنن الإلهية مسارها التاريخي نحو تحقيق العدالة. فتنهار القوة، أمام مقاومة النخب الحية الحساسة، التي ستعيد رسم معالم القوة وغاياتها، وتوجه مسارها نحو العدل الاجتماعي لا الطغيان.
فنحن دومًا في صراع بين علاقتين فيما يخص القوة والعدالة:
علاقة عكسية بحيث كلما ازدادت القوة غابت العدالة، وتحقق الاستبداد والطغيان، وهذه معالمها:
– النية بعيدة عن قيم السماء، لأن منظومته الاجتماعية وعناصرها ثلاثية وفق توصيف الشهيد محمد باقر الصدر[1]، إذ لا وجود للبعد المعنوي المتمثل بالله، في ضبط كل أبعاد علاقته مع الطبيعة ومع الإنسان، فيكون هو كإنسان محدود، المحور في التقنين والتشخيص والهيمنة (مثل أعلى منخفض).
– الأدوات والمناهج خارج قانون العدل والصلاح.
– القوة غاية وليست وسيلة، بحيث يعتبر نفسه رغم فقرها وضعفها هي الأصيل وليست الوكيل.
علاقة طردية بحيث كلما تحققت القوة تحققت العدالة وهذه أبرز معالمها:
– النية منضبطة وفق معايير السماء، حيث تكون منظومته الاجتماعية وعناصرها رباعية وفق تصنيف الشهيد محمد باقر الصدر، حيث الله هو العلاقة المعنوية الضابطة لكل العلاقات، ( مثل أعلى مرتفع).
– الأدوات والمناهج تكون في دائرة الضبط الإلهي في صلاحها.
– القوة وسيلة لتحقيق العدالة، وليست غاية بذاتها، ويدرك محقق هذه القوة أنه الوكيل وليس الأصيل.
فنحن هنا أمام علاقة تربط القوة بالعدالة، لكن كيفية الربط تعتمد على الغاية من امتلاك القوة أي الدافع (النية) الذي ولّد هذه الغاية، وجعلها إما هدفًا بذاتها أو وسيلة، ووفق هذه الدافعية والجعل الذاتي يتم رسم معالم طريق العدالة، فإما طريق مقطوع مانع لتحقيقها، وإما طريق معبد لازدهارها.


العلم والدين والمقدس
العلم هو مصداق من مصاديق القوة، فنحن في صراع أدمغة وصراع غايات، بين تسخير العلم واكتشاف الطبيعة كوسيلة لخدمة الانسان، وبين الهيمنة على الطبيعة وجعل العلم غاية للهيمنة على البشرية وإخضاعها لموازين القوى القوية علميًّا، لأن العلم بات ينتج الأدوية والأجهزة والتكنولوجيا والتقنيات بكافة أشكالها ومن ضمنها الحربية والعسكرية، والأسلحة، لذلك الصراع اليوم قائم على قوة العلم وغايات امتلاك هذه القوة، وكيفية تقديم نموذج حضاري لا يتعارض فيه الدين مع العلم، ليس فقط على مستوى التنظير بل على مستوى التطبيق، وبعيدًا عن الأساطير والخرافات والأوهام.

فعلى سبيل المثال يجسد سوبرمان التخلي عن مسؤولية التفكير، وفي جانبه البطولي، يظهر هذا التخلي من خلال شخصية سوبرمان الأحادية، وبالطريقة التي يختزل فيها العدالة إلى محض شأن للقوة، وبادعائه، من دون تعليم أو خبرة، بالمعرفة الخالصة حول كل شيء[2].
وفي ذات الوقت تمثل بعض الرموز وخاصة الدينية مصدر إلهام وقوة للمؤمنين بها، وهو ما لا ينكره شخص حول أهمية الرمز الديني في بث الفاعلية والانفعال العاطفي خاصة في نفوس الناس وأثره الاجتماعي، وإضفاء جو من الطمأنينة الخاصة فرديًّا والعامة اجتماعيًّا، تحقق الاستقرار الفردي والاجتماعي خاصة في الأزمات الفردية والاجتماعية وعلى مستوى الدولة، ولكن فهم هذه الرموز وطريقة توظيفها ووظيفتها وحدود هذه الوظيفة بقي جدلًا معرفيًّا عبر التاريخ.
فالانفعالات الدينية تظهر عندما يرتبط الأفراد انفعاليًّا بالرموز الدينية في سياق مجتمع ديني.. فالدين يتضمن أشياء مقدسة عديدة مفعمة بدلالة انفعالية، فالرمز يمتلك بذاته عظمة عميقة، كونه صلة رمزية وروحية للاتصال بالسماء.
لكن تحويل هذه الرموز إلى مراكز قوى خارج إطارها المعنوي الديني، وإدخالها في نظام الأسباب والمسببات، ومبدأ السببية الذي أوجده الله في الكون، كجهة وحيدة مهيمنة تغني الإنسان عن الأخذ بالأسباب الطبيعية كقوة خارقة، هو تشيئ مادي سطحي، منشأه الكسل العلمي من جهة، والتخلي عن المسؤوليات العظمي في مواجهة التحديات الكبيرة التي يواجهها الإنسان في عالم الدينا.
فلا يمكننا الاستغناء عن الرموز الدينية لدورها الفاعل والحقيقي على مستوى الفرد والمجتمع، وهو دور معنوي بامتياز، يربط الإنسان بالله، ويبث في روحه الطمأنينة والتسليم، من خلال ما يمثله الرمز من صورة ومنهج وطريقة يلجأ لها الإنسان للاعتبار والاتباع ويستمد منه القوة والثبات، ويعطيه البصيرة في كيفية السير في هذه الدنيا، وكيفية توظيفها باتجاه القوة العادلة.


فلا يمكن للرمز الديني أن يتدخل أو يأخذ دور العلم الطبيعي، إلا في حدود التوجيه العام الذي يدعم مسار العلم، ولا يمكن للعلم الطبيعي أن يتدخل في الدين ودوره ودور رموزه وأيقوناته إلا في حدود ضيقة، هي حدود يكمل فيها كل منهما الآخر، ويدعم كل منهما مسيرة الآخر، فالمنبع لكليهما واحد، ولكن المنهج مختلف كاختلاف الحكم لاختلاف الموضوع، مع توافق الجوهر بينهما.
وبغية التحليل الأكثر دقة للأهمية الانفعالية للعلاقات بين الرموز والفئات الاجتماعية، فإن هناك مصطلحين هامين في هذا الحقل هما التقديس (consecration) والاستلهام (insignation).
ونقصد بالمصطلح الأول العملية التي بمقتضاها يشرع مجتمع ديني و / أو نخبة شيئًا، شخصًا، رمزًا، شعيرة الخ بوصفه علامة دينية تربط المجتمع وتساعد على تحديد هويته، ويؤدي القادة الدينيون الرسميين واللارسيمين دورًا مهمًّا في التقديس، فإن الرموز بمجرد تقديسها تنشئ قوتها الخاصة، وهو ما قد يحقق في النهاية توازنًا مع قوة القادة أو يفوقها – القادة الذين تصبح قوتهم آنذاك مشروعة بواسطة الإشارة إلى تلك الرموز.
والرموز المقدسة إنما تساعد على تحديد النظام الانفعالي للجماعة الدينية، والعمل بوصفها نقاطًا لبؤرة انفعالية، وتوصل معايير الانفعال الخاصة بالمجتمع، وتحديد هوية الجماعة.
أما الاستلهام عملية يتحرك بمقتضاها أي مجتمع ملهم برمز ديني؛ أي هو العملية التي بمقتضاها يعاد تقديم الرموز واقتراحها[3].
وعملية ترميز المقدسات سواء كانت أماكن أو شخصيات، عملية يتولاها غالبًا قيادات دينية، هذه القيادات تستمد قوتها ونفوذها من المجتمع ومدى تفاعله معها، ليشكل تفاعل المجتمع معها قوة يمكن استخدامها بطريقة مزدهرة أو متقهقرة في فهم الدين والمقدسات.
وقد يكون بعض القادة الدينيين يخضعون في توجههم ومعقتداتهم للعوام، كون العوام هي السلطة التي يستمد منها هؤلاء مركز القوة، لتمكينهم من فرض رؤاهم وقراءتهم للدين والمقدسات. ولذلك تتسم أطروحاتهم بالشعبوية بشكل عام، وتتداخل في كثير من الأحيان مع تخصصات العلوم الطبيعية من خلال مبدأ السوبرمان. وهو مبدأ مخيال شعبي لمعنى القوة، وفاعليتها الخارجية دون الحاجة لإبراز جهد عقلي وجسدي في سبيل الكشف عن الواقع ومواجهة الإشكاليات التي يواجهها المجتمع والدولة، سواء مشكلات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو صحية.


رغم أن دور المقدسات والرموز الدينية دور فاعل جدًّا ومهم في بعث الانفعال الديني والإنساني، وفي تشكيل مفهوم الصبر الاستراتيجي والثبات والاستقرار الفردي والاجتماعي وفي الأزمات الكبرى والصغري، الفردية والاجتماعية، على مستوى دولي أو إقليمي أو عالمي.
إلا أنها لا يمكن أن تأخذ دورا شموليا يغني عن الأدوار والوظائف الأخرى، ولا أنها كالعصاة السحرية والسوبرمان في فرض الحلول الخيالية أو حلول بالقوة.

هي غالبًا تبعث الروح والانفعال العاطفي وتوظف الضوابط القيمية والأخلاقية، وتخلق روح المسؤولية الفردية والاجتماعية في مواجهة الأزمات، وتوائم بين الحلول المادية والمعنوية التي تحقق التوازن العادل للفرد والمجتمع والدولة والعالم.
فهي أحد أطراف العلاج والحل في بعده المعنوي الاستراتيجي الفعال، الذي يفعل البعد الرابع في عناصر المجتمع وهو العلاقة المعنوية الضابطة للعناصر الأخرى، دون أن تعطل دور العقل والعلم في مواجهة التحديات كافة على مستوى الفرد والمجتمع والدولة والعالم.
ـــــــــــــ
[1] لمزيد من التفصيل انظر/ي: المدرسة القرآنية، عناصر المجتمع
[2] نظام التفاهة / د. آلان دونو / دار سؤال للنشر / ط ١ ٢٠٢٠/ ص ١١٦
[3] سيسيولوجيا الانفعال الديني، أولي ريس وليندا وودهد، ترجمة ربيع وهبة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط ١، ٢٠١٨ بتصرف

مواقيت الصلاة