السلام على الإمام الحسن

مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
السيد عباس نور الدين
عن الكاتب :
كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران: الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه.

بين حكومة الأمير وحكومة المهدي... أكبر الدروس المستفادة

السيد عباس نور الدين

تُعد تجربة حكم أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) فرصة عظيمة سمحت بوصول أقدر حاكم يمكن أن تعرفه البشرية، إلى سلطة كانت تتمتع بكل مقومات تغيير العالم وإنهاء مآسيه إلى الأبد. ومع ذلك لم ينجح الأمر، ولم يتمكن أمير المؤمنين (عليه السلام) من تحقيق هذا الهدف الذي ما زلنا ننتظر ظهور من يحققه منذ أكثر من ألف عام؛ لا لأنّ الإمام عليًّا (عليه السلام) كان يفتقد أي درجة من القدرة لذلك، بل لأنّ ظروف الحكم والحكومة والقيادة ستتغير لمصلحة الإمام المهدي في نهاية المطاف، فيخرج إلى الناس واثقًا من النتيجة، ويحقق ما كان جده الأمير عازمًا عاملًا عليه.
مهما قيل عن أي تميّز بين الإمامين في مقامات القرب وحقيقة النور، فلا يقول أحد بوجود أي اختلاف بينهما من حيث القدرات والكفاءات اللازمة لتغيير العالم. ومن المستبعد كثيرًا أن يكون تأخير ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) كل هذه المدة المديدة لأجل أن يصبح قادرًا على هذه المهمة عبر الاستفادة من تجارب التاريخ، وإن كان هذا الإمام العظيم يستفيد كل لحظة من حياته للارتقاء والعروج في مقامات القرب الإلهي.
وحيث إنّ خطة الحكم وبرنامجه موجودة عند الإمامين ـ بواسطة الإلهام الإلهي والعلم اللدني والوراثة النبوية، فهما غير قاصرين أبدًا عن معرفة كل ما هو مطلوب لنجاح المشروع وتطبيق الخطة الإلهية وقيادة المجتمع ومواجهة كل أنواع العقبات والموانع الداخلية والخارجية؛ يُضاف إلى ذلك ما يتمتع به كل إمام من قدرة فائقة على الإحاطة والتدبير، حيث يمكنهما الاستفادة المثلى من كل الطاقات الفاعلة ولو كانت موجودة في أقصى الأرض، بل الاستفادة من كل الطاقات الكامنة المستعدة عبر تفعيلها، ولو كانت في باطن الأرض!
ولأجل ذلك، تُعتبر تجربة أمير المؤمنين (عليه السلام) أفضل مفسّر وكاشف لأسباب الغيبة وإطالة أمدها، وبالتالي أفضل مبيّن لكل ما يلزم من شروط لتحقق الظهور.  ذلك لأنّ الإمام المهدي هو آخر أمل للبشرية، ولأنّ وعد الله لا بد أن يتحقق في وراثة الصالحين للأرض (أي تحقق النهاية السعيدة لهذه الحياة)، ولأنّ الله لا يخلف الميعاد، فلا يجوز ولا يُعقل أن لا يحقق ظهوره ما كان ينبغي أن يتحقق. وعليه، يكون السبب الأول لكل هذا التأخير والتأجيل هو عدم اجتماع الشروط اللازمة لذلك. فإن أردنا أن نتعرّف إلى هذه الشروط، وجب علينا أن نجعل من تجربة حكومة جده الأمير قضية للاستنباط والاعتبار.
إن خرج الإمام المهدي (عجل الله فرجه) قبل أوانه وقبل اكتمال شروط الظهور، فلن يحقق الهدف المنشود. وقد أخفقت تجربة حكومة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ـ رغم قسوة هذه العبارة ـ لسببٍ واحد وهو أنّه (عليه السلام) لم يمهّد لها بحسب ما يرى ووفق شروط التربية الإلهية والإسلامية، بل فُرضت عليه بشروط وظروف غير مناسبة. لقد استلم هذا الإمام جيشًا كان بعيدًا جدًّا عن فهم أهداف حكومة الإسلام وقيم الدين، الذي ثبت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أركانه، وهي أركان حكومة العدل الكلي العالمي الأبدي. وكان أكثر أفراد هذا الجيش قد نشأوا على الاعتقاد بأنّ الحاكم الإسلامي هو ذاك المسؤول الذي يوفّر لجنده وأعوانه ورعيته ما يلزمهم من الإمكانات المادية والمعيشية، بواسطة الغزو والفتوحات وعبر تقسيم الغنائم والزكوات؛ كل ذلك بمعزل عن أي نظام أو مبادئ أخلاقية ثابتة؛ وإنّما هو كالملك الذي يحق له أن يفعل بمملكته ما يحلو له، شرط أن لا يفتقر رعيته ويجوع شعبه! وما دام يطمعهم بالثراء والغناء. ولم تكن الأغلبية الساحقة من هذا الجيش ـ الذي يشكل عماد القوة التنفيذية للأمة ـ تعلم أي شيء عن أمير المؤمنين، سوى أنّه لم يكن شريكًا لمن سبقه في الاستئثار ببيت مال المسلمين وتفضيل عشيرته ومحاباتهم. أي أنّ الثورة التي قتلت الحاكم السابق وجاءت بالإمام علي (عليه السلام) إنّما جاءت به لنظافة كفّه ـ كما يُقال ـ لا أكثر. فكانوا أبعد ما يكون عن فهم مقام الإمام عند الله وعند رسوله، وإدراك مقامه بالنسبة للدين والعلم والخصائص المعنوية والنفسية.
وبسبب الأوضاع التي حصلت جرّاء هذه الثورة وانقسام الناس حول نتائجها ودخولهم في فتنٍ عشواء ـ وهي أمور لم يكن للإمام عليه السلام أي دخالة فيها ـ اضطرّ أمير المؤمنين إلى مواجهة كل هذه التبعات والنتائج مركزًا كل جهده وأولوياته على الحفاظ على القرآن والإسلام ووحدة الأمة قبل أي شيء آخر، عسى أن تأتي الفرصة المناسبة لإقامة الدين وتطبيق تعاليمه في الإدارة والحكم.
وهكذا وجد أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه يخوض حروبًا ضارية وفتنًا عمياء شديدة الكَلَب يموج غيهبها، فتزل فيها أقدامٌ يُفترض أنّها ثبتت فيما مضى في أصعب المواقف.
أجل، لقد كانت هذه التجربة فرصة مهمة للعمل الدؤوب على تغيير النفوس وإظهار العلم والمعرفة والقدرات المعنوية العظيمة لهذا الحاكم العادل، لكنّ فساد النفوس كان أشد من أن تؤثّر بها هذه التجربة الفريدة. وهذا ما ظهر في فشل معظم الذين ولّاهم أمير المؤمنين عليه السلام على الأمور. أي فشلهم في التماشي معه ومتابعته في تطبيق قيم الدين ومبادئه في الحكم.
فإذا كان هناك من سببٍ جوهري وراء إخفاق هذه التجربة، فإنّه يعود إلى الإخفاق النفسي والأخلاقي للكادر الأول عمومًا لا كلًا. فإدارة وقيادة الأمة وفق مشروع الإسلام تتطلب مواصفات أخلاقية عالية في الصف الأول، الأمر الذي ما كانت تلك التجربة قادرة على تحقيقه، بسبب شدة المرض الذي تفاقم على مدى خمس وعشرين سنة سابقة، وامتزج بجهلٍ عجيب بمقام الأمير ومنزلته وما يمثله من قيمٍ ومعانٍ.
ما أفشل هذه التجربة، لم تكن تلك الحروب التي فُرضت عليها واستهلكت طاقات المسلمين في معتركها؛ ذلك لأنّه يُفترض بالحروب أن تكون فرصة مناسبة لإعداد الكادر وتربية النفوس. كما أنّ الحروب المتلاحقة، بدءًا من حرب الجمل وانتهاءً بحرب النهروان، قد شكلت فرصة مهمة لظهور بعض صفات أمير المؤمنين وخصائصه، التي كانت تذكّر، من نسي أو غفل، بصفات النبي الأكرم(ص)، وتجسّد لمن جاء بعد النبي الخاتم بعض ما كانوا يسمعونه عنه من الصحابة وما شهدوه في حياة النبي.
كل صفات العظمة الجاذبة المحيية للنفوس في شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت تتألق وتتجلى في هذه المواجهات؛ فكان النموذج الأرقى للإنسان الأخلاقي الكامل يظهر للجميع، أصدقاء وأعداء. لكنّ المرض العام الذي تغلغل في نفوس الأكثرية وفي الصف الأول كان أسوأ وأشد من أن يشفيه ذلك الشهود.
إنّ عرض وبيان نهاية تجربة أمير المؤمنين (عليه السلام) انطلاقًا من غلبة معاوية لهو أبعد ما يكون عن الحقيقة؛ كما أنّ تفسير ختام هذه التجربة بقيام ابن ملجم بقتل الإمام يُعد انحرافًا عن فهم حقيقة ما جرى. فشهادة الإمام لم تكن نهاية لمشروعه ودوره، بل هي جزءٌ أساسي منه.  ولأنّ نجاح تجربة الإمام ـ أي تحقق أهداف الإسلام في تغيير العالم وإصلاح الأرض ـ كان يعتمد على نجاح الكادر في التجربة الأخلاقية للقيادة والإدارة، فقد كانت شهادة الإمام وسيلة للتربية الأخلاقية لهذا الكادر. ومع هذا كلّه، ورغم الفاجعة التي تمثلت في قتل الإمام، وما حملته هذه المصيبة الكبرى من قدرة عجيبة على تغيير النفوس وإصلاحها، لم تتأثر تلك النفوس المريضة بالشكل الذي يحملها على التوبة والإنابة والاستفادة من ولده الإمام الحسن المجتبى، الذي كان يحمل كل صفات وخصائص الحاكم القادر العادل؛ وتكرر الأمر مع الأئمة اللاحقين. فكان على تجربة الأمير بكل دروسها وبكل مظاهرها، وكان على فاجعة شهادة الإمام بكل ما فيها من تأثير، أن تصبح مربية لجيلٍ سوف يأتي يومًا، ويكون جيل الإمام المهدي الذي ينصره ولا يخذله في تجربة الحكم والقيادة.
إنّ تجربة أمير المؤمنين (عليه السلام)، في حياته وفي شهادته، هي المدرسة الوحيدة التي يمكن أن تتشكل وتُبنى منها النخبة الصالحة لنصرة المهدي المنتظر وإنجاح مشروعه.  وما لم تتحول تجربة أمير المؤمنين إلى مدرسة، أي ما لم تبدأ الأجيال المنتظرة الباحثة عن كل شروط التمهيد ومستلزماته بالنظر إلى تجربة أمير المؤمنين كمدرسة للإعداد الذاتي، فلن يكتمل نصاب التمهيد، وستبقى البشرية منتظرة ولو لآلاف السنين.
وإنّ أعظم دروس تلك التجربة هو ما يتجلى في فهم الأتباع لمقام الإمام ودوره والسعي للسير على خطاه واتّباعه، بدءًا من الالتزام التام بالشروط الأخلاقية في العمل والتي كان العدل على رأسها والزهد في الدنيا وسيلتها.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مواقيت الصلاة