علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد مصباح يزدي
عن الكاتب :
فيلسوف إسلامي شيعي، عضو مجلس خبراء القيادةrn مؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي

واجباتنا في هذا العصر

 

 

هذه الأمور هي التي تسمی في ثقافتنا بأصول الدين: معرفة‌ الله الواحد و هي «التوحيد»، معرفة‌ المعاد، أن الحياة الآخرة‌ هي الحياة‌ الحقيقية للإنسان والحياة‌ الأبدية، وأن الدنيا إنما هي دار مجاز ودار ابتلاء‌ ودار امتحان، مثله بالنسبة‌ الی الحياة‌ كأيام الامتحان بالنسبة‌ الی المحصلين. أيام الامتحان، أيام خاصة تمضي و تفنی، إنما هي نتيجة الامتحان تظهر بعد أيام لعدة‌ سنين؛ فهذه الدنيا أيام امتحان، ليس لها شأن أصيل. وبعد هذا يجب أن نزكي نياتنا وإذا شئتم فقولوا أن نرقّي هممنا، فيكون لنا همة‌ عالية في أن لا نقتنع و لا نكتفي إلا برضا الله تعالی، لا يرضينا أي شيء من المال والثروة‌ وسائر الأمور، لا نعتني بها اهتماماً. يجب علينا أن نولي همتنا بالنسبة‌ الی رضي الله تعالی والسعادة‌ الأبدية التي تحصل في ظل رضوان الله تعالی.

وهذا ينتهي الی أن نكون دائماً علی أهبة‌ للتزكية وتضحية أنفسنا في سبيل الحق، وأن نكون جاهزين للاستشهاد،  للشهادة و للجهاد. لأن الحياة‌ أمر يمضي ـ‌ شئنا أم أبينا‌ـ يمضي بعد أيام. فالأحسن أن تكون حياتنا فداءاً لحياة أمتنا وسعادة‌ أمتنا ولإعلاء كلمة‌ الله تعالی. هذه هي النتيجة الطبيعية لهذه المعرفة‌ وإيماننا بأن الحياة‌ الحقيقية هي الحياة الآخرة وأن نكون دائماً جاهزين لتلقي هذه الحياة.

و كيف كان، فالذي أؤكد عليه عند سادتنا الأعزاء الأكابر والأساتذة الكرام أن واجبنا في هذا العصر خصوصاً واجب كبير، وجوبه مضاعف ومؤكد، وذلك بأن نقوم بعد تقوية إيماننا وتزكية‌ نياتنا، أن نقوم بإرشاد الآخرين. وهذه - في الحقيقة- هي الخلافة عن الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ولكن ورثوا العلم، العلوم المأثورة‌ عن الأنبياء‌ هي التي تدور حول هذه المعارف: معرفة الله ومعرفة‌ الحياة الآخرة‌ ومعرفة ما يُسعد الإنسان في هذه الحياة وفي الحياة الأبدية، هو العمل بأحكام الإسلام وإحياء‌ كلمة الله وإعلاء كلمة‌ الله. فيجب علينا أن نعرف حساسية‌ موقعنا في هذا العصر؛ وحسب ظني، لم يكن لأحد من الناس منذ بدء طلوع التاريخ الی يومنا هذا، حساسية‌ لحياة الإنسان المؤمن مثل حياة‌ المؤمنين في هذا العصر. ويجب علينا أن نشكر الله تعالی أن هدانا للإيمان، وأن هدانا لطريق الحق، والأحسن لشعبنا ولأمتنا، وكلّ ذلك بفضل الإسلام ومعرفة‌ معارفه وحقائقه. فأداءاً لشكر هذه النعمة العظيمة يجب أن نسعی وراء‌ فهم الإسلام فهماً أحسن وأعمق وأوسع، ثم نقوم بتعريف هذه المعارف للآخرين وتوسعتها وتعميقها؛ وبموازاته يجب علينا أن نسعی وراء تزكية نفوسنا وتزكية تلامذتنا وكل الناس الذين يعيشون حولنا. فإذا قمنا بهذا الواجب، ففي الحقيقة أدّينا ما كان علينا لأجل خلافتنا عن الأنبياء‌ والأوصياء صلوات الله عليهم اجمعين.‌ قال رسول الله (ص) «رحم الله خلفائي» قال ذلك ثلاث مرات؛ فقال الأصحاب له: يا رسول الله ألسنا نحن خلفاؤك؟ قال لا؛ أنتم أصحابي؛ أنتم علی خير؛ ولكن خلفائي يجيؤون في آخر الزمان، يعرفون الخطوط علی الأوراق، فيؤمنون بها ويقومون بتعريفها للآخرين وتزكية‌ النفوس علی حسب هذه العلوم التي يتلقونها من الكتب؛ فهم خلفائي، يأمرون الناس بالمعروف وينهونهم عن المنكر.

فيجب علينا أن نُقدّر أنفسنا، أن نعرف قدر نعمة‌ الله علينا وأن نغتنم هذه الفرصة السعيدة‌ التي وقعت في أيدينا، القيام لأجل الإسلام، القيام لأجل إعلاء‌ كلمة‌ الله، «وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا١.

ويجب علينا أن لا نغتر بما في أيدي الكفار وأعداء الإسلام من بعض الزخارف الدنيوية، قال الله تعالی: « وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا" ٢، «إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ»٣. فهذه الأمور وسائل للامتحان، «وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً»٤. فالنعم التي تحت أيدينا وسائل للامتحان وكذلك بعض البلايا التي نُبتلی بها، وغالباً من جرّاء أعمالنا، أنفسنا؛ هي الوسائل الأخری للامتحان. قال الله تعالي: «وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ»٥، «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ»٦، «إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»٧. فربما قصرنا نحن أيضاً في بعض واجباتنا فيجب علينا أن نجبر ذلك بأن نقوم بواجباتنا علی ما أوجب الله علينا وبيّنه في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية‌ ـ‌صلوات‌ الله علی نبينا وعلی أوصيائه الكرام.

نستغفر الله تعالی من تقصيراتنا، اذا كان قد صدرت منا تقصيرات فيما مضی، ونسأل الله تعالی أن يوفقنا لما يحب ويرضی وأن نتدارك ما فات منا، وأن لا نتوكل الا علی الله، وأن نفوض أمورنا الی الله تعالی، فان الله بصير بالعباد ومن يتوكل علی الله، فهو حسبه؛ ان الله بالغ أمره.

وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضی والسلام عليكم ورحمة‌ الله وبركاته .

 

١ التوبه: 39.

٢ طه: 131.

٣ التوبه: 54.

٤ الأنبياء: 35.

٥ الشوری: 30.

٦ الروم: 41.

٧ يونس: 44.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد