السلام على الإمام الحسن

علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ عبدالهادي الفضلي
عن الكاتب :
الشيخ الدكتور عبدالهادي الفضلي، من مواليد العام 1935م بقرية (صبخة العرب) إحدى القرى القريبة من البصرة بالعراق، جمع بين الدراسة التقليدية الحوزوية والدراسة الأكاديمية، فنال البكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية ثم درجة الدكتوراه في اللغة العربية في النحو والصرف والعروض بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، له العديد من المؤلفات والمساهمات على الصعيدين الحوزوي والأكاديمي.rnتوفي في العام 2013 بعد صراع طويل مع المرض.

التكلم (2)

 

الدكتور عبد الهادي الفضلي
خلق القرآن
ترتبط هذه المسألة بالمسألة التي قبلها ارتباطاً وثيقاً وعريقاً ، فمن قال بأزلية كلام اللّه تعالى قال هنا بقدم القرآن وإنه غير مخلوق ، ومن قال بحدوث كلام اللّه تعالى قال بحدوث القرآن وخلقه .
والأقوال في المسألة مع خلاصات أدلتها هي :
1 ـ الحنابلة ( السلفية )
قالوا : القرآن هو هذه الألفاظ المقروءة بالألسنة والمحفوظة في الصدور و المكتوبة في الصحف والمطبوعة على الورق  والمسجلة على الأشرطة .
فالذي نقرأه هو كلام اللّه تعالى الأزلي القديم القائم بذاته تعالى ، إلا أن قراءتنا تكون له بأصواتنا .
وقراءتنا له بأصواتنا لا تخرجه عن كونه كلام اللّه الذي تكلم به بحروفه ومعانيه ، ليست الألفاظ دون المعاني ، ولا المعاني دون الألفاظ 13 .
ودليلهم على هذا :
إجماع السلف على أن القرآن الكريم أزلي غير مخلوق ، وأنه هو هذا الذي بين أظهرنا نبصره ونسمعه ونقرأه ونكتبه .
وقالوا : « ونحن لا نزيد من أنفسنا شيئاً ، ولا نتدارك بعقولنا أمراً لم يتعرض له السلف .
قال السلف : ما بين الدفتين كلام اللّه .
قلنا : هو كذلك .
واستشهدوا بقوله تعالى :﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ... ﴾ .
إذ من المعلوم أنه لم يسمع إلا هذا الذي نقرأه 14 .
وتعقبهم الفخر الرازي بالرد ، فقال : « أطبق العقلاء على أن الذي قالوه جحد للضروريات ، ثم الذي يدل على بطلانه وجهان :
الوجه الأول أنه إما أن يقال إنه تكلم بهذه الحروف دفعة واحدة أو على التعاقب .
فإن كان الأول لم يحصل منها هذه الكلمات التي نسمعها ، لأن التي نسمعها حروف متعاقبة ، فحينئذ لا يكون هذا القرآن المسموع قديماً .
وإن كان الثاني فالأول لما انقضى كان محدثاً لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه ، والثاني لما حصل بعد عدمه كان حادثاً .
والوجه الثاني : أن هذه الحروف والأصوات قائمة بألسنتنا وحلوقنا ، فلو كانت هذه الحروف والأصوات نفس صفة اللّه تعالى لزم أن تكون صفة اللّه وكلمته حالّة في ذات كل أحد من الناس .
واحتجوا على قولهم بأن كلام اللّه تعالى مسموع بدليل قوله تعالى ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ... ﴾ ، وهذا يدل على أن كلام اللّه مسموع .
فلما دل الدليل على أن كلام اللّه قديم وجب أن تكون هذه الحروف المسموعة قديمة .
والجواب :
إن المسموع هو هذه الحروف المتعاقبة ،  وكونها متعاقبة يقتضي أنها حدثت بعد انقضاء غيرها .
ومتى كان الأمر كذلك كان العلم الضروري حاصلاً بامتناع كونها قديمة » 15 .
وخلاصة ما قرره الرازي : إن قول السلفية بقدم القرآن ( وهو الذي بين الدفتين ) يلزمه أمران ممتنعان على الذات الإلهية هما :
أ ـ أن يكون القديم محلاً للحوادث .
ب ـ أن يحل القديم في الحادث .
 

2 ـ الأشاعرة
قالوا : « القرآن كلام اللّه تعالى غير مخلوق ، وهو مكتوب في مصاحفنا ، محفوظ في قلوبنا ، مقروء بألسنتنا ، مسموع بآذاننا ، غير حالّ فيها » 16 .
ومعنى غير حالّ فيها : أن الكلام الدال غير الكلام المدلول عليه ، لأنهم ـ كما تقدم ـ يذهبون إلى أن « العبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء ( عليهم السلام ) دلالات على الكلام الأزلي ، والدلالة مخلوقة محدثة ، والمدلول قديم أزلي .
والفرق بين القراءة والمقروء ، والتلاوة والمتلو ، كالفرق بين الذكر والمذكور ، فالذكر محدث والمذكور قديم » 17 .
وخلاصة ما استدلوا به على ذلك ما يلي :
أ ـ من العقل :
1 ـ « أن الكلام من صفات الكمال ، فلو كان محدثاً لكانت ( الذات الإلهية ) خالية عن صفات الكمال قبل حدوثه .
والخالي عن الكمال ناقص .
وذلك على اللّه محال » .
2 ـ « أن الكلام لو كان حادثاً لكان :
إما أن يقوم بذات اللّه
أو بغيره .
أو لا يقوم بمحل .
فلو قام بذات اللّه تعالى لزم كونه محلاً للحوادث ، وهو محال . وإن قام بغيره فهو أيضاً محال ، لأنه لو جاز أن يكون متكلماً بكلام قائم بغيره لجاز أن يكون متحركاً بحركة قائمة بغيره ، وساكناً بسكون قائم بغيره ، وهو محال .
وإن وجد ذلك الكلام لا في محل فهو باطل بالاتفاق » 18 .
ب ـ من القرآن :
1 ـ قوله تعالى :﴿ ... لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ... ﴾ 19 . قال أبو الحسن الأشعري : « يعني من قبل أن يخلق الخلق ، ومن بعد ذلك ، وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق » 20 .
وقال الفخر الرازي : « فأثبت الأمر للّه من قبل جميع الأشياء ، فلو كان أمر اللّه مخلوقاً لزم حصول الأمر قبل نفسه ، وهو محال » 21 .
2 ـ قوله تعالى :﴿ ... أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ... ﴾ 22  بتقرير أن اللّه تعالى « ميّز بين الخلق وبين الأمر ، فوجب أن لا يكون الأمر داخلاً في الخلق » 23 .

أو كما أفاد الأشعري بأنه تعالى « لما قال :﴿ ... أَلَا لَهُ الْخَلْقُ ... ﴾ كان هذا في جميع الخلق ، ولما قال﴿ ... وَالْأَمْرُ ... ﴾ ذكر أمراً غير جميع الخلق فدل ما وصفنا على أن أمر اللّه غير مخلوق » 24
3 ـ قوله تعالى :﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ 25 .
قال الأشعري : « ومما يدل من كتاب اللّه على أن كلامه غير مخلوق قوله عز و جل :﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، فلو كان القرآن مخلوقاً لوجب أن يكون مقولاً له : كن فيكون .
ولو كان اللّه عز وجل قائلاً للقول : كن ، كان للقول قول .


وهذا يوجب أحد أمرين :
1 ـ إمّا أن يؤول الأمر إلى أن قول اللّه غير مخلوق .
2 ـ أو يكون كل قول واقعاً بقول لا إلى غاية ( نهاية ) . و ذلك محال .
وإذا استحال ذلك صح وثبت أن للّه عز وجل قولاً غير مخلوق » .
ويُرد استدلالهم بما حاصله :
1 ـ أن الصفة هي التكلم لا الكلام ، والكل متفقون على أن التكلم أزلي .
أما القرآن الكريم أو كلام اللّه عامة فهو أثر تلك الصفة لا هو نفسه الصفة .
وعلى هذا فما يقال في الأثر من الحدوث وأمثاله من الأحكام ، لا يقال في الصفة وذلك للفرق بينهما .
فإنه مما لا شك فيه أن الإنسان مخلوق للّه تعالى .
ومما لا شك فيه أيضاً أن هناك فرقاً بينه وبين صفة الخلْق لأنه أثرها .
وفي ضوئه : تقول : فكما يصح أن نحكم على الإنسان بأنه حادث وعلى صفة الخلق بأنها قديمة . . يصح هنا أن نحكم على الكلام بأنه حادث ، وعلى صفة التكلم بأنها قديمة .
2 ـ أن القائلين بحدوث القرآن عندما يقولون : إن اللّه تعالى أحدثه وخلقه قائماً بغيره ، ينفون اتصافه تعالى بالحركة والسكون عندما يحدثه لأنه سبحانه لم يحدثه بجارحة ، تعالى عن ذلك .
فالقياس بنا في إحداثنا للكلام قياس مع الفارق .
وإلى هذا أشار امير المؤمنين ( عليه السلام ) بقوله : « ولا يدرك بالحواس ، ولا يقاس بالناس ، الذي كلّم موسى تكليماً ، وأراه من آياته عظيماً ، بلا جوارح ولا أدوات ولا نطق ولا لهوات » .
3 ـ أن كلمتي ( قبل ) و ( بعد ) من الأسماء الملازمة للإضافة ، وهذا متفق عليه في علم العربية والاستعمال لهما قديماً وحديثاً .
ويُحدَّد و يُعيَّن ما تضافان إليه في ضوء ما تقترنان به من قرائن .
والآية الكريمة وردت في السياق التالي :﴿ ... الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ 26.
فقرينة السياق هنا تنهي إلى أن المضاف إليه هو ( الغلب ) أي ( للّه الأمر من قبل غلب الروم و من بعد غلبهم ) .
وبهذا فسرت الآية ، وتفسر .


فتقدير المضاف إليه ( من قبل أن يخلق الخلق ومن بعد ذلك ) كما يقول الأشعري ، أو ( من قبل جميع الأشياء ) كما يقول الرازي ، يتطلب لأجل أن يتم الاستدلال به ويصح ، أمرين :
أ ـ إبطال قرينة السياق .
ب ـ إقامة الدليل على أن المضاف اليه هو ما ذكراه . وهما لم يقوما بشيء من هذا ، وإنما أفتيا فتيا لم يذكرا دليلها .
ثم إن ( الأمر ) في الآية الكريمة ، أريد به ( التصرف والقدرة ) ، وبه فسرت الكلمة وتفسر .
فلم يُرد به القول أو الكلام .
وقرينة السياق تدل على ذلك .
فالمعنى : « له الأمر حين غُلبوا وحين يغلبون ، ليس شيء منهما إلا بقضائه » كما يقول البيضاوي 27 .
وهنا نقول أيضاً لا يتم الاستدلال ويصح إلا إذا ثبت بالدليل القاطع أن المراد بالأمر القول والكلام .
ولا أقل من احتمال أن المضاف إليه ما ذكرنا ، وأن الأمر هنا بمعنى القدرة .
ومتى تطرق الاحتمال بطل الاستدلال .
4 ـ قوله تعالى ﴿ ... أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ... ﴾ هو من الآية الكريمة ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
وسياق الآية الكريمة يدل على أن قوله ( والأمر ) مراد به نفس المراد من قوله ( بأمره ) .
ومعنى ( بأمره ) كما تدل عليه قرينته السياقية ( التصريف والتدبير ) ، أي أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بتصريفه وتدبيره .
يقول الشيخ الجمل : « قوله : ﴿ ... أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ... ﴾ الخلق بمعنى المخلوقات ، والأمر معناه التصرف في الكائنات .
وفي هذه الآية رد على من يقول ان للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم » 28 .
ويقول الزمخشري : « بأمره : بمشيئته وتصريفه . . . سمي ذلك أمراً على التشبيه ، كأنهن مأمورات بذلك .
﴿ ... أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ... ﴾ : أي وهو الذي خلق الأشياء كلها ، وهو الذي صرّفها على حسب إرادته » 29 .
 

أما مسألة الفصل بين كلمتي ( الخلق ) و ( الأمر ) التي هي موضع الشاهد ، وبها الاستشهاد ، فيقول فيها الشيخ الطوسي: « إنما فصل الخلق من الأمر ، لأن فائدتهما مختلفة ، لأن ( له الخلق ) يفيد أن له الاختراع ، و ( له الأمر ) معناه : له أن يأمر فيه بما أحب ، فأفاد الثاني ما لم يفده الاول .
فمن استدل بذلك على أن كلام اللّه قديم ، فقد تجاهل ما بينّا » 30 فالآية الكريمة ليس فيها دلالة على ما ذهبوا اليه لأن الأمر في الآية بمعنى التصريف والتدبير ، كما يفيده السياق .
5 ـ لأهمية ما قيل في قوله تعالى : ( كن فيكون ) ، وما يترتب من آثار على ما يفسر به النص ، لا بد هنا من عرض يوفي به الموضوع توفية كافية .
وقد رأيت فيما بين يدي من تفاسير أن أفضل من وفّى الموضوع هذا وأوفاه بما لا يحتاج بعده إلى مزيد بيان أو تبسيط عرض . هو تفسير ( الميزان ) فكان من المناسب أن أقتصر على أن أنقل منه ما يرتبط بالاحتجاج بالآية الكريمة والرد عليه :
قال مؤلفه السيد الطباطبائي : « قوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ 31، الآية من غرر الآيات القرآنية ( التي ) تصف كلمة الإيجاد ، وتبين أنه تعالى لا يحتاج في إيجاد شيء مما أراده إلى ما وراء ذاته المتعالية من سبب يوجد له ما أراده أو يعينه في إيجاده أو يدفع عنه مانعاً يمنعه .
وقد اختلف تعبيره تعالى عن هذه الحقيقة في كلامه ، فقال : ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وقال :﴿ ... وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ 32.
فقوله ( إنما أمره ) . الظاهر أن المراد بالأمر الشأن ، وقوله في آية النحل المنقولة آنفاً ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، وإن كان يؤيد كون الأمر بمعنى القول ، وهو الأمر اللفظي بلفظة ( كن ) ، إلا أن التدبّر في الآيات يعطي أن الغرض فيها وصف الشأن الإلهي عند إرادة خلق شيء من الأشياء .
لا بيان أن قوله تعالى عند خلق شيء من الأشياء هذا القول دون غيره .
فالوجه حمل القول على الأمر بمعنى الشأن ، بمعنى أنه جيء به لكونه مصداقاً للشأن ، لا حمل الأمر على القول بمعنى ما يقابل النهي .
وقوله : ( إذا أراد شيئاً ) أي إذا أراد إيجاد شيء ، كما يعطيه سياق الآية .
وقد ورد في عدة من الآيات ( القضاء ) مكان ( الإرادة ) كقوله :﴿ ... إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ 33.
ولا ضير فالقضاء هو الحكم ، والقضاء والحكم والإرادة من اللّه شيء واحد ، وهو كون الشيء الموجود بحيث ليس له من اللّه سبحانه إلا أن يوجد .
فمعنى ( إذا أردناه ) إذا أوقفناه موقف تعلق الإرادة . وقوله : ( أن يقول له كن ) خبره ( إنما أمره ) أي يخاطبه بكلمة ( كن ) .
ومن المعلوم أنه ليس هناك لفظ يتلفظ به ، وإلا احتاج في وجوده إلى لفظ آخر ، وهلم جرّا . فيتسلسل .
ولا أن هناك مخاطباً ذا سمع يسمع الخطاب فيوجد به ، لأدائه إلى الخلف .
فالكلام تمثيل لإفاضته تعالى وجود الشيء من غير حاجة إلى شيء آخر وراء ذاته المتعالية ، ومن غير تخلف ولا مهل .
وبه يظهر فساد ما ذكره بعضهم حيث قال : الظاهر أن هناك قولاً لفظياً هو لفظ ( كن ) ، وإليه ذهب معظم السلف ، وشؤون اللّه تعالى وراء ما تصل إليه الأفهام ، فدع عنك الكلام والخصام ، انتهى .
وذلك أن ما ذكره من كون شؤونه تعالى وراء طور الأفهام ، لو أبطل الحجة العقلية القطعية بطلت بذلك المعارف الدينية من أصلها ، فصحة الكتاب ، مثلاً ، بما يفيده من المعارف الحقيقية إنما تثبت بالحجة العقلية ، فلو بطلت الحجة العقلية بكتاب ـ أو سنة أو شيء آخر ، مما يثبت هو بها لكان ذلك الدليل المبطل مبطلاً لنفسه أولاً ، فلا تزل قدم بعد ثبوتها .
ومن المعلوم أن ليس هناك إلا اللّه عز اسمه ، والشيء الذي يوجد لا ثالث بينهما .


وإسناد العلّية والسببية إلى إرادته دونه تعالى ، والإرادة صفة فعلية منتزعة من مقام الفعل ـ يستلزم انقطاع حاجة الأشياء إليه تعالى من رأس لاستيجابه استغناء الأشياء بصفة منتزعة منها عنه تعالى وتقدس .
ومن المعلوم أن ليس هناك أمر ينفصل عنه تعالى يسمى إيجاداً أو وجوداً ، ثم يتصل بالشيء فيصير به موجوداً ، وهو ظاهر ، فليس بعده تعالى إلا وجود الشيء فحسب .
ومن هنا يظهر أن كلمة الإيجاد وهي كلمة ( كن ) هي وجود الشيء الذي أوجده ، لكن بما أنه منتسب إليه قائم به ، وأما من حيث انتسابه إلى نفسه فهو موجود لا إيجاد ، ومخلوق لا خلق .
ويظهر أيضاً أن الذي يفيض منه تعالى لا يقبل مهلة ولا نظرة ، ولا يتحمل تبدلاً ولا تغيراً ، ولا يتلبس بتدريج .
وما يترآى في الخلق من هذه الأمور إنما يتأتى في الأشياء من ناحية نفسها ، لا من الجهة التي تلي ربها سبحانه ، وهذا باب ينفتح منه ألف باب .

 

وفي الآيات للتلويح إلى هذه الحقائق إشارات لطيفة كقوله تعالى :﴿ ... كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ 34 ، وقوله تعالى :﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾ 35، وقوله تعالى : ﴿ ... وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ 36، إلى غير ذلك .
وقوله في آخر الآية : ( فيكون ) بيان لطاعة الشيء المراد له تعالى ، وامتثاله لأمر ( كن ) ولبسه الوجود » 37 .
وفي كلام الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ما يلخص الموضوع وافياً ويدل عليه كافياً ، قال ( عليه السلام ) : « يقول لمن أراد كونه :﴿ ... كُنْ فَيَكُونُ ﴾  ، لا بصوت يقرع ، ولا بنداء يسمع ، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثّله ، لم يكن من قبل ذلك كائناً ، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً » .
وفي حديث صفوان بن يحيى عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، قال يحيى : « قلت لأبي الحسن ( عليه السلام ) عن الارادة من اللّه ومن المخلوق .
قال : فقال : الإرادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل .
وأما من اللّه عز وجل فارادته إحداثه لا غير ذلك ، لأنه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر ، وهذه الصفات منفية عنه ، وهي من صفات الخلق .
فإرادة اللّه هي الفعل لا غير ذلك ، يقول له : كن ، فيكون ، بلا لفظ ولا نطق بلسان ، ولا همة ، ولا تفكر ، ولا كيف لذلك ، كما أنه بلا كيف » 38 .
ـــــــــــــــــــ
•  13. انظر : العقيدة الواسطية لابن تيمية ، تقديم مصطفى العالم : 51 .
•  14. انظر : الملل و النحل : 1 / 106 ـ 107 .
•  15. معالم اصول الدين : 67 ـ 68 .
•  16. العقائد النسفية : 29 .
•  17. الملل و النحل : 1 / 96 .
•  18. معالم أصول الدين : 66 .
•  19. القران الكريم: سورة الروم (30)، الآية: 4، الصفحة: 404.
•  20. a. b. الابانة : 20 .
•  21. معالم اصول الدين : 66 .
•  22. a. b. c. d. e. f. g. القران الكريم: سورة الأعراف (7)، الآية: 54، الصفحة: 157.
•  23. م . ن .
•  24. الابانة : 19 .
•  25. a. b. c. d. القران الكريم: سورة النحل (16)، الآية: 40، الصفحة: 271.
•  26. القران الكريم: سورة الروم (30)، من بداية السورة إلى الآية 4، الصفحة: 404.
•  27. تفسير البيضاوي : 531 ( مواهب الجليل من تفسير البيضاوي ) .
•  28. الفتوحات الالهية : 2 / 168 .
•  29. الكشاف : 2 / 82 ـ 83 .
•  30. التبيان : 4 / 453 ـ 454 .
•  31. القران الكريم: سورة يس (36)، الآية: 82، الصفحة: 445.
•  32. a. b. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 117، الصفحة: 18.
•  33. القران الكريم: سورة مريم (19)، الآية: 35، الصفحة: 307.
•  34. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 59، الصفحة: 57.
•  35. القران الكريم: سورة القمر (54)، الآية: 50، الصفحة: 531.
•  36. القران الكريم: سورة الأحزاب (33)، الآية: 38، الصفحة: 423.
•  37. الميزان : 17 / 114 ـ 116 .
•  38. التوحيد للصدوق : 147 .

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مواقيت الصلاة