السلام على الإمام الحسن

متابعات

حقوق الإنسان بين فلسفة الحداثة والدين



محاضرة الليلة الأولى من شهر محرم الحرام ١٤٤٢هـ، للعلامة السيد منير الخباز، بعنوان حقوق الإنسان بين فلسفة الحداثة والدين
 

  • المحاضرة المكتوبة: 
     

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ

خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾
 

حديثنا حول حقوق الإنسان يتموضع في محورين :

 المسار التكاملي لحقوق الإنسان .

 وحقوق الإنسان برؤية قرآنية .
 

المحور الأول: المسار التكاملي لحقوق الإنسان .

هنا لا بدَّ أن نفرِّق بين عناوين ثلاثة: المسار التاريخي لمفهوم حقوق الإنسان، والجذور الفكرية

للائحة حقوق الإنسان، والأصول الفلسفية لحقوق الإنسان .
 

العنوان الأول: المسار التاريخي لمفهوم حقوق الإنسان .

كيف تولّدت عبر التاريخ هذه الفكرة، فكرة حقوق الإنسان؟ فكرة حقوق الإنسان نتجت عبر

تجربتين: تجربة الواقع وتجربة الفكر. تجربة الواقع عبارة عن الصراع المرير ضدّ الحكم المطلق

للكنيسة في أوروبا، إلى أن انتصر هذا الصراع وتحرّرت المجتمعات من حكم الكنيسة، وتحرّرت

الولايات المتّحدة وأبرمت الوثيقة المشهورة فيما بينها في القرن السابع عشر، هذا صراع خارجي

على الأرض .
 

أما تجربة الفكر: فهناك دراسات واكبت هذا الصراع، منذ أيام الإغريق والرومان إلى أن جاء

الإسلام، دراسات كُتِبَت مواكبة لهذا الصراع، إلى أن جاءت الحداثة ثم قادت مجموعة عبّروا عنهم

بفلسفة الأنوار هذه المسيرة التكاملية نحو حقوق الإنسان، وتوصّلت إلى هذه المفردات المهمّة التي

اعتبرت البذرة لمفهوم حقوق الإنسان، ما هي هذه المفردات؟ هناك مفردات ثلاثة تعتبر البذرة

لمفهوم حقوق الإنسان .
 

المفردة الأولى: المركزية للإنسان، المحورية للإنسان، الإنسان له المحورية والمركزية في إدارة

الحياة الاجتماعية، فهو الفاعل في التاريخ، وهو الفاعل في الطبيعة، وهو الفاعل في الفكر، فهو

صاحب المركزية والمحورية، منه وإليه .
 

المفردة الثانية: أنّ المعرفة البشرية تحوّلت من معرفة تأمّلية قيميّة إلى معرفة علمية أداتية تقنية،

فالطبيعة التي نحن نعيش فيها كيف كانت تقرأ قبل القرون وكيف تقرأ الآن؟ كانت الطبيعة تقرأ

قراءة فلسفية روحية تأملية، وقد تحوّلت القراءة للطبيعة إلى قراءة كمّية تعتمد الكمّ والمقدار الذي

العالم الإيطالي: إنّ » دليليو « يمكن ضبطه، فتحوّلت القراءة من قراءة فلسفية إلى قراءة كمّية، حتى

الطبيعة كُتِبت بلغة الرياضيات، أي أنّ قراءة الطبيعة أصبحت قراءة كمّية عبر هذه المعادلات .
 

المفردة الثالثة: أنَّ التاريخ أصبح بالمنظور الحداثي هو حقل تفاعل بين الأسباب الحتمية، وبين

السنن الاجتماعية، وبين الفواعل الإرادية، أي: حركة الإنسان في مسيرة التاريخ، وهو ما يعبّر عنه

بالنزعة التاريخانية، هذا هو المسار التاريخي لفكرة حقوق الإنسان .
 

العنوان الثاني: الجذور الفكرية لحقوق الإنسان .

والجذور هي المنطلقات، فاللائحة العالمية التي أبرمتها الأمم المتحدة لحقوق الإنسان اعتمدت على

منطلقات، فما هي هذه المنطلقات؟
 

المنطلق الأول: الإنسان مستقل عن الوجود الاجتماعي، لويس دامونت - من المنظّرين في هذا

المجال - قال: كانت النظرية السائدة هي النظرية الكلّانية، أي أنّ القيمة للمجتمع وليست للفرد،

القيمة للكل لا للجزء، القيمة للجسم الاجتماعي لا للإنسان الفرد، الإنسان الفرد مجرّد أداة لخدمة

المجتمع، تحوّلت هذه النظرية التي كانت سائدة بعد الحداثة إلى نظرية أخرى، أنّ القيمة للفرد،

القيمة للإنسان الفرد، المجتمع مجرد مظهر لإرادة الفرد وحرّيته ليس إلا، القيمة للفرد وليست

القيمة للجسم الاجتماعي. إذن، صار هناك تحوّل وتغيّر من هذه النظرة إلى هذه النظرة .
 

المنطلق الثاني: أنَّ الحقوق ترجمة للطبيعة، من أين تأتي الحقوق؟ الإنسان له حقوق، ما هو مصدر

الحقوق؟ ما هو مصدر حقوق الإنسان؟ هل هو الطبيعة الكونية؟ هل هو الإله؟ أم أنّ مصدر حقوق

الإنسان هو الإنسان نفسه؟ هذا معنى أنَّ الحق تحوّل من موضوعي إلى ذاتي، كان الحق في

الرومان ونظرية أرسطو أنّ الحقوق منتزعة من النظام الكسملوجي للكون، الكون هكذا قرأه

أرسطو، قرأه قوى مختلفة، كل قوة أعظم من القوة الأخرى، ثم صاغ حقوق الإنسان على طبق

نظرته ورؤيته للطبيعة الكونية، هذا يسمّى نظامًا كسمولوجيًا، هذه نظرية بادت .

النظرية الأخرى أنَّ مصدر الحقوق هو الإله، إله الكنيسة هو الذي شرّع الحقوق، وهو الذي قنّنها.

الحداثة جاءت بنظرية ثالثة: مصدر الحقوق ليس هو الطبيعة الكونية، وليس هو الإله، بل مصدر

الحقوق هو الإنسان نفسه، أي أنّ الحقوق ترجمة للإنسان بما هو إنسان، الإنسان وُلِد وهو حرٌّ، وُلِد

وهو يتساوى مع غيره من بني الإنسانية، وُلِد وهو مستقل، إذن نصوغ الحقوق على طبق ما وُلِد

عليه الإنسان، إذن الإنسان له حق الحياة وحق الحرية وحق الأمن وحق المساواة وحق الاستقلال،

لأنّه وُلِد وهو بهذه الصفات، فصفاته هي حقوقه، هذا معنى تحوّل الحق من حقّ موضوعيّ إلى حقّ

ذاتيّ ينطلق من طبيعة الإنسان .
 

المنطلق الثالث: أنّ هذه الحقوق كانت دراسات مبعثرة ثم أصبحت قانونًا، منذ عام 1948 م عندما

أعلنت لائحة حقوق الإنسان أصبح الإنسان شخصية قانونية، يخضع لقانون مرسوم وضعي، وهكذا

انتهت البعثرة والفوضى، حيث تحوّلت الحقوق إلى قانون وتحوّل الإنسان إلى شخصية قانونية .
 

العنوان الثالث: الأصول الفلسفية .

أنت عندما تقرأ لائحة حقوق الإنسان، ماذا تكتشف من وراءها؟ تكتشف وراءها جوامع مشتركة

تجمع بين تفاصيلها وأجزائها، وهذه القواسم المشتركة يعبّر عنها بالأصول الفلسفية، فما هي

الأصول الفلسفية للائحة حقوق الإنسان؟ أصول ثلاثة :
 

الأصل الأول: الحرية .

الحرية أمّ الحقوق، روسو يقول: إذا تخلّى الإنسان عن حرّيته تخلّى عن إنسانيته، الحرية هي أمّه،

هي قوامه، إنّما الحرية لو جُعِلت حرّية مطلقة لصارعت حرّية الآخرين، الحرية المطلقة إلغاءٌ

لحرية الآخر، مصادرة لحرية الآخر، إذن لا بد من التوفيق بين الحريات، لا بد من قانون ينظّم

تفاعل وتلاقي هذه الحريات، بحيث لا يكون بينها اصطدام، لذلك الفيلسوف الألماني هيغيل قال:

الحرية لا تعطى للفرد إلا في إطار الدولة، إذا كانت هناك دولة تنظّم الحقوق والحريات فحينئذ

يمكن للفرد أن يكتسب الحرية، وإلا لا يمكن أن يكتسب الحرية في مجتمع فوضوي أو غوغائي، لا

بدّ من وجود دولة تحمل حرّية وتقوم بتنظيمها .
 

الأصل الثاني: العقد الاجتماعي .

روسو هو من طوّر هذه الفكرة، قبله كان هناك علماء قالوا بها، لكن هو من قام بتطويرها، فكرة

العقد الاجتماعي يعني الانتخاب، المجتمع ينتخب سلطته وإدارته، العقد الاجتماعي رغم أنّ

دوركايم - مؤسّس علم الاجتماع - قال: هذه الفكرة ليست عملية، لكنها كانت مؤثرة في مسيرة

تاريخ حقوق الإنسان، العقد الاجتماعي نقل المجتمع البشري من مجتمع الكنيسة وسلطتها إلى

مجتمع السلطة الإرادية، العقد الاجتماعي نقل المجتمع البشري من الفوضى والاستقلال إلى مجتمع

مدني يخضع لسيادة القانون، القانون هو السائد، لغة القانون هي السائدة، لذلك العقد الاجتماعي هو

مظهر لحرية الإنسان وإرادته .
 

الأصل الثالث: الحق الطبيعي .

منذ إعلان فرجينيا عام 1776 إلى فيينا عام 1993 ما بين هاتين التاريخين تحوّلت الحقوق إلى

قوانين وأصبحت الفصول الأولى من لائحة حقوق الإنسان هي الحقوق الذاتية، حق الإنسان في

الحرية والأمن والمساواة، هذه الحقوق وُلِدَت مع الإنسان، سبقت المجتمع، سبقت السلطة، فلا يمكن

إلغاؤها، بل على المجتمع والسلطة تعزيزها وحمايتها .
 

المحور الثاني: حقوق الإنسان برؤية قرآنية .

المسلمون ماذا يقولون في هذا المجال؟ غيرهم تكلّم وبحث وكتب، وصار لكتاباته ودراساته آثار

عملية على الأرض، المسلمون ماذا يقولون في هذا المجال، مجال حقوق الإنسان؟ طبعًا هناك

اتجاهات بين المفكّرين الإسلاميين :
 

الاتجاه الأول: الاتجاه التقليدي .

وهو الذي يقول: لائحة حقوق الإنسان فكر غربي لا قيمة له، لأنه لا يستند إلى مصدر ديني، بل إنّه

معادٍ للفكر الديني، خصوصًا في أحكام المرأة وقانون العقوبات، إذن هذه اللائحة لا قيمة لها .
 

الاتجاه الثاني: الاتجاه العلماني .

وهو الاتجاه المعاكس تمامًا للاتجاه الأول، هناك مجموعة من المفكرين عاشوا في الغرب وتأثروا

بالعلمنة الغربية، وطرحوا أيضًا تصور للحقوق في الفكر الإسلامي، فقالوا: ليست الثقافة الإسلامية

ثقافة حقوق، بل هي ثقافة واجبات، الإسلام لم يأتِ بحقوق، بل أتى بواجبات، واجب، حرام، حلال،

ليست هناك ثقافة حقوقية في الإسلام، إذن نحن نقتنص الحقوق من اللائحة العالمية لحقوق الإنسان

ونعتمد عليها .
 

الاتجاه الثالث: الاتجاه التوفيقي أو المثالي .

هذا الاتجاه يحاول أن يوفّق بين الرؤيتين، الرؤية الإسلامية والرؤية الغربية، إذا تقرأ كتاب

للباحث التونسي راشد الغنّوشي فهو من هذا الاتجاه، هو » الحريات العامة في الدولة الإسلامية «

يقول: أصول حقوق الإنسان جاء بها القرآن، وأما التفاصيل فهي تؤخذ من اللائحة العالمية لحقوق

الإنسان، لأنها تتابع المستجدات الحضارية في كلّ جيل بحسبه، فنحن نأخذ الحقوق المستجدة مما

يعتمده الفكر الإنساني المتجدد، نعم أصول الحقوق نأخذها من القرآن .
 

مثلًا: هناك بحث قانوني عند علماء القانون، وبما يصل هذا القانون للدولة العربية بعد فترة، هل

من حق المرأة ألا تنجب؟ زوجة تقول لزوجها من أول يوم لا أريد الإنجاب! ربما يقول قائل: نعم،

من حقّها، إذا رأت الزوجة أنّ الإنجاب يصنع لها ألمًا، ألم الحمل وألم الولادة وما يترتب عليه من

بعد الولادة، فمن حقّ الزوجة أن تطالب بأن يكون الإنجاب ضمن الأبواب الأخرى، تخصيب

الحويمن المنوي مع البويضة في المختبر ثم وضعها في الحواضن إلى أن ينمو هذا الطفل في

الحاضنة، ويخرج من الحاضنة، الأم لا تتعرض إلى حمل ولا إلى ولادة، ساهمت في وجود هذا

الطفل بالبويضة، كما ساهم الرجل، يعني فقط الرجل لا يحمل والمرأة تحمل؟! هذا الرجل شغله

فقط يعطي الحويمن المنوي، والحمل والولادة والإرضاع والتربية كلها على كاهل هذه المسكينة!!

فهذه المرأة المسكينة تقول: كما أنّ دوره ليس سوى حويمن، دور المرأة أيضًا مجرد بويضة، ويتم

التخصيب في المختبر ويتم نمو هذا الطفل وولادته عبر الحواضن وانتهت المشكلة! من حقّها ألا

تنجب ولا تتحمل أيّ ألم. هذا حقٌّ مستجد قد تفرضه الظروف الحضارية التي تمرّ بالإنسان .
 

الاتجاه الرابع: الاتجاه الفلسفي .

يقوم بمقارنة فلسفية ،» الديمقراطية وحقوق الإنسان في القرآن الكريم « الجابري عنده كتاب اسمه

بين أصول حقوق الإنسان في القرآن وأصول حقوق الإنسان في الرؤية الغربية، ونتيجة هذه

المقارنة يقول: هناك ثوابت مشتركة بين الرؤيتين، وإنّما الاختلاف في دخالة الفوارق الحضارية،

فمثلًا: قبل 1400 سنة شُرِّعَت أحكام المرأة، شهادتها نصف شهادة الرجل، ترث نصف سهم بينما

الرجل يرث سهمًا كاملًا، القوامة للرجل وليست للمرأة، وهكذا. وهذه ليست مجرد فتاوى، بل

القرآن نطق بهذه الأحكام، فهل هذه الأحكام تخضع للظرف الحضاري آنذاك؟ فإذا كانت تخضع

للظرف الحضاري، إذن هي ليست أحكامًا دائمة، وإذا قلنا الظروف الحضارية مهما تغيّرت فهذه

الأحكام تبقى بمقتضى إطلاق الآيات القرآنية، إذن هنا ستفترق الرؤية الغربية عن الرؤية القرآنية،

فالفرق بين الرؤيتين لا في القواسم المشتركة، وإنما الفرق بينهما في أنّ الظروف الحضارية هل

تؤثر على الحق أم لا أثر لها .
 

نحن بعد أن استعرضنا هذه الاتجاهات نأتي معكم إلى القرآن الكريم، ونتساءل: هل أنَّ هناك فرقًا

جوهريًا بين الرؤية القرآنية لحقوق الإنسان وبين الرؤية الغربية لحقوق الإنسان؟ نحن لا نريد أن

ندخل في التفاصيل، بل نذهب إلى الأسس والأصول، أنت عندما تبحث بين فلسفتين لا بدّ أن تذهب

إلى الأصول، لا أن تذهب إلى التفاصيل، إذ التفاصيل مجرّد تعبير، إذا أردت أن تتبيّن الفرق

الجذري بين الفلسفتين - الفلسفة القرآنية والفلسفة الغربية - ما هي الفوارق الجوهرية في الأسس

بين الفلسفتين؟ من خلالها يتبيّن الفرق بين حقوق الإنسان برؤية غربية وحقوق الإنسان برؤية

قرآنية .
 

نقول: نعم، هناك فوارق جوهرية لا يمكن التعامي ولا التغاضي عنها في الأصول والأسس، هناك

ثلاث ركائز أساسية تبتني عليها فلسفة حقوق الإنسان، ولا بد أن نبحث هذه الركائز الثلاث .
 

الركيزة الأولى: هل الأصالة في الوجود للإنسان أم لله؟

المفردة الأولى التي وصلت إليها الحداثة أنّ الأصالة للإنسان، المركزية للإنسان، المحورية

للإنسان، منه وإليه، أنت كإنسان مسلم تدين بالقرآن، ما هي الأصالة في القرآن؟ لمن؟ هل الأصالة

للإنسان؟ أم الأصالة لله؟ من الطبيعي أن الأصالة في الوجود لله، الله هو الأصل في الوجود

بمقتضى الإيمان بخالقيته، (ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ

تُرْجَعُونَ﴾، والأصالة في الوجود لقدرته تبارك وتعالى، نافذ القدرة، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُ لْكِ تُؤْ تِي

الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِ نكَ عَلَىٰ كُلِّ

شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فالأصالة في الوجود لله، والأصالة في القدرة لله، ولكن الأصالة في الحياة الاجتماعية

لمن؟ من يدير الحياة الاجتماعية؟ هل يديرها الإنسان بأصالة؟ يقول: أنا لا علاقة لي بالله، أنا الآن

الموجود أدير الحياة الاجتماعية، أم الأصالة لله حتى في إدارة الحياة الاجتماعية؟ هذه ركيزة،

خلاف مركزي، الأصالة في إدارة الحياة الاجتماعية لله أم للإنسان؟
 

أنت ترى مفكّرًا إسلاميًا الباحث الإيراني شبستري يقول: السيادة للإنسان، أنا باحث إسلامي لكني

أرى السيادة للإنسان لا لله، لماذا؟ يقول: الحقّ هو صياغة تنظيمية بين طرفين من أطراف الحياة

الاجتماعية، أحدهما محقّ والآخر محقوق، فمثلًا: الإنسان له حقّ الحياة، معنى ذلك هناك محق

وهو الإنسان، وهناك محقوق وهو الإنسان الآخر، ليس للإنسان الآخر أن يعتدي على الإنسان

الأول، فهناك شخص محق وهناك شخص محقوق، وكلاهما طرفان في الحياة الاجتماعية، ولكن

عندما تقول السيادة لله فالله ليس طرفًا في الحياة الاجتماعية، الله ليس له وجود في الحياة

الاجتماعية، الله قوّة برأت الطبيعة وفجّرتها، الله ليس طرفًا في إدارة الحياة الاجتماعية حتى يكون

له حق السيادة، كيف تقول الله محق وغيره محقوق؟! الله ليس له وجود في الحياة الاجتماعية كما

للإنسان، فكيف يكون لله حقّ السيادة وإدارة الحياة الاجتماعية؟! الله الخالق الرازق ولكن ليس له

وجود وفاعلية في الحياة الاجتماعية حتى يكون طرفًا للحق .
 

هذا التفكير تفكير خاطئ، لأنك عندما تبحث عن وجود الله، تقول: هل الله له وجود في الحياة

الاجتماعية أم لا؟ وجوده بوجود تشريعاته، ليس من اللازم أن يكون الوجود محسوسًا وإلا ليس له

وجود! وجود الله في الحياة الاجتماعية بتشريعاته وقوانينه وبما أنزل، وإن لم يكن له وجود

محسوس، لا يعتبر في صاحب الحق أن يكون له وجود محسوس في الحياة الاجتماعية، يكفي

وجوده بوجود تشريعاته وقوانينه، وهذا ما نطق به القرآن الكريم : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْ بيِّنَاتِ

وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، يعني منا القانون ومنا الميزان، إذن السيادة

في إدارة الحياة الاجتماعية لله، وهذه نقطة أساسية في الفرق بين الرؤيتين .
 

هذا البند في لائحة حقوق الإنسان يقول: إنَّ التعرف على الحيثية الذاتية لكلّ أعضاء العائلة البشرية

أساسٌ للحرية والعدالة والسلام في العالم. الحيثية الذاتية يعني الحيثية المشتركة بين كل الإنسان،

هي أساس للحرية والعدالة والسلام، ما هي هذه الحيثية المشتركة؟ العقل والإرادة والرغبة، هذه

هي الحيثية الذاتية المشتركة بين بني الإنسان، وهي أساس الحرية والعدل والسلام في العالم .

القرآن يقول: هناك نزعات أصيلة في الإنسان أنتم لم تذكروها، لا تختص النزعات الأصيلة التي

تتكوّن منها شخصية الإنسان بالحرية والإرادة والعقل، بل هناك نزعات أصيلة في شخصية

الإنسان تحتاج إلى تربية وتعليم، كالنزعة القيمية والنزعة الروحية، من النزعات الأصيلة في

الإنسان النزعة القيمية، الإنسان بطبعه يميل إلى القيم، يميل إلى العدالة والصدق والأمانة

والإحساس، هذه نزعة متأصلة في شخصية الإنسان تحتاج إلى تربية ورعاية، كما يحتاج عقله

وإرادته وحريته إلى أن يكون له سمة في القانون، أيضًا النزعة القيمية تحتاج أن يكون لها بندٌ في

القانون، في قانون حقوق الإنسان، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، ﴿وَالْكَاظِمِينَ

ُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
 

الأمر الثاني هو النزعة الروحية، وسنتعرض لها في الليلة الثامنة عندما نتحدث عن العبادة، العبادة

نزعة أصيلة في الإنسان، العلم يثبت ذلك، هناك نزعة أصيلة لدى الإنسان وهي نزعته نحو الكمال

المطلق، نحو الجمال المطلق، نحو المدد المطلق، هذه النزعة الروحية تحتاج إلى تربية ورعاية،

أن تعطى فرصة في لائحة حقوق الإنسان، لا أنها تُهْمَل كأنها ليست نزعة دخيلة في تأصيل

شخصية الإنسان، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللََِّّ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾.
 

الركيزة الثانية: هل الأولوية للفرد أم للمجتمع؟

قرأنا كلمات المفكّرين الغربيين، قالوا: نحن وصلنا إلى أنّ الأولوية للفرد، والمجتمع مجرد مظهر.

نحن كمسلمين نقتنص من القرآن مفاهيمنا، الأولوية في القرآن لمن؟ هل الأولوية للفرد أم للمجتمع؟

هذه نقطة أساسية. نحن نقول: نستفيد من القرآن الكريم أنّ الإنسان لديه كلتا النزعتين، النزعة

الذاتية، وهي غريزة حبّ الذات، ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾، ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ

عَجَلٍ﴾ دائمًا يحرص على لذاته وغريزته، ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُ وعًا * وَإِذَا

مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ لغريزة حب الذات، هذه نزعة ذاتية موجودة في الإنسان .
 

وأيضًا لديه نزعة اجتماعية، كل إنسان يميل إلى المجتمع، كل إنسان يميل إلى التعرف والتعاون،

القرآن الكريم يشير إلى هذه النزعة الاجتماعية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِ نا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ

وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، وقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ

وَالْعُدْوَانِ﴾، إذن عندنا نزعة فردية وعندنا نزعة اجتماعية، ولا يمكن بناء هيكلية لحقوق الإنسان

إلا بمراعاة هاتين النزعتين، وهذا فرق أساسي بين الرؤية الغربية والرؤية القرآنية .

لذلك أذكر لك الآن ثلاثة حقوق لم تنص عليها لائحة حقوق الإنسان، ونصّ عليها الإسلام انطلاقًا

من وجود نزعة أصيلة في شخصية الإنسان ألا وهي النزعة الاجتماعية .
 

الحق الأول: أن التكافل الاجتماعي شِرْكَة.

أنت عندما تقرأ المجتمع الأمريكي، المجتمع الأمريكي متدين أكثر من المجتمع الأوروبي، عنده

أصول دينية ما زالت مسيطرة ومؤثرة، المجتمع الأمريكي فيه آلاف الجمعيات الخيرية، ربما

أضعاف ما عند المسلمين، قد يقرأ شخص المجتمع الأمريكي ويقول هذا نعم المجتمع، مجتمع

يتكافل بعضه ببعض، مبدأ التكافل الاجتماعي مبدأ منتشر في المجتمع الأمريكي، فما هي ميزة

الإسلام والقرآن في هذا المجال؟ التكافل الاجتماعي في الرؤية الغربية هو عطاء إنساني، تفضّل،

أنت عندما تعطي الفقير فأنت متفضل عليه، بينما التكافل الاجتماعي في القرآن حق، شِرْكة، الفقير

شريك معك، ولست متفضلًا عليه، أنت عندما تعطي الفقير سهمًا من أموالك فلست متفضلًا متكرمًا

كريمًا! الفقير شريك معك في الثروة، شريك معك في الأموال والأملاك، القرآن يقول : ﴿وَفِي

أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَ حْرُومِ﴾، شريك معك، جزء من ثروتك هو له لا لك أنت، أنت تسلم

شريكك حقه، هذا ليس تفضلًا، هذه شركة .
 

وسنتحدث غدًا عن حقوق الإنسان برؤية علوية تنطلق من أمير المؤمنين ، الإمام أمير المؤمنين

ينصّ على الشِرْكة في الثروة: ”ما جاع فقير إلا بما مُتِّع به غني“، ويقول أمير المؤمنين: ”ما رأيت

نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حقّ مضيّع“، الثروة مشتركة .
 

الحق الثاني: حق الأرحام.

ليس موجودًا في لائحة حقوق الإنسان أن للأرحام حقًّا، الإسلام يقول: الرحم له حق، الإسلام يدعو

إلى الحضارة مثلما الغرب يدعو إلى الحضارة، القرآن أيضًا يقول : ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ

وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، استعمركم يعني طلب منكم إعمار الأرض، طلب منكم إقامة حضارة، لكن

إعمار الأرض على أي أساس؟ على أساس أخوي، على أساس إنساني تواصلي، اليوم الإنسان في

الغرب آلة ميكانيكية يكدح ليلًا ونهارًا في بناء الحضارة، لكن لا يوجد تواصل اجتماعي ولا ترابط

اجتماعي، القرآن يدعو لإقامة حضارة لكن على أساس أخوي، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، على أساس

تواصل بشري، عندما يقول: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾، انطلاقًا من هذا الأساس - وهو أساس التواصل البشري -

وضع للأرحام حقًّا، ﴿وَا ت َ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾

قُوا اللََّّ ، وقال تعالى : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾، للرحم حقٌّ .

الحق الثالث: حق الكسب المشروع .
 

أنت عندما تقرأ الآية المباركة : ﴿ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ)، لماذا حرّم

الربا؟ لأنه كسبٌ بدون جهد، أنا أقرضك مئة ألف ريال بمئة وخمسة، هذه الخمسة تصلني بدون

جهد ولا تعب، هذا كسبٌ بدون تعب، فيمنعه الإسلام، من حق المجتمع ألا تكتسَب ثرواته إلا بجهد

وتعب، ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ .

إذن هذه حقوق اجتماعية لم تنص عليها لائحة الحقوق العالمية، نصّ عليها القرآن انطلاقًا من

رؤيته أنَّ النزعة الاجتماعية نزعةٌ أصيلةٌ في بناء الإنسان، فلا بدّ من بناء هيكلية الحقوق على هذه

النزعة .
 

الركيزة الثالثة: مسألة الحرية والكرامة .

ذكرنا أنَّ الرؤية الغربية ترى الحرّية أمّ الحقوق، الحرّية هدفٌ مركزيٌّ، الحرّية منصبٌ حقوقيٌّ،

الحرّية لا بدَّ أن تنال، هكذا الرؤية الغربية ترى الحرية، بينما القرآن يرى الهدف المركزي

والمحوري للكرامة وليس للحرّية، ما هو الفرق بينهما؟ أشرح لك الفرق بينهما بعدّة بنود .
 

البند الأول: عموم الكرامة التشريعية لجميع بني آدم .

القرآن الكريم عندما يقول : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، مقتضى إطلاق هذه المادّة - كما يقول علماء

الأصول - شمولها للكرامة التكوينية والكرامة التشريعية، أي كما أعطي الإنسان كرامة تكوينية -

عقلًا وإرادة وحرّية - أعطي أيضًا كرامة تشريعية قانونية، أي أنَّ للإنسان حرمة في أمواله ودمه

وعرضه وسمعته، لا يجوز الاعتداء على ماله ولا دمه ولا عرضه ولا سمعته، هذه حرمة

تشريعية، هذه هي الكرامة، ما هو الفرق بين هذه الآية وبين ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللََِّّ أَتْقَاكُمْ﴾؟ يعني

غير المتقي لا يسوى فلسًا! ليست له أي كرامة! هنا يقول : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وهنا يقول:

لا، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللََِّّه أَتْقَاكُمْ﴾، فما هو الفرق بين الكرامتين؟
 

هناك فرق بين الكرامة القانونية والكرامة الجزائية، تارة الكرامة تكون جزاء للإنسان، وتارة

الكرامة قانون شرّعته السماء للإنسان، الكرامة الجزائية هي الكرامة المترتّبة على التقوى، إذا

أردت الكرامة الجزائية الأخروية فهي مترتبة على التقوى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللََِّّه أَتقَاكُمْ﴾، هذه

كرامة جزائية منوطة بالعمل، وأما الكرامة القانونية - أي: حرمة الدم والعرض والمال - فهي لكل

إنسان، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، ما دام إنسانًا مسالمًا إذن له الكرامة، يعني له الحرمة في دمه

وعرضه وماله، هذه كرامة قانونية .
 

البند الثاني: حق الإنسان قبل ولوج الروح وبعد موته .

وزراء خارجية الدول الإسلامية في اجتماعهم في القاهرة عام 1990 م قرّروا عدّة حقوق لم تنص

عليها لائحة حقوق الإنسان العالمية، لكنهم نصّوا على عدّة حقوق في لائحة حقوق الإنسان في

الدولة الإسلامية، هذه الحقوق التي نصّوا عليها تنطلق من مبدأ الكرامة للإنسان، ما هي؟ حق

الجنين في عدم الإجهاض، الجنين هو إنسان منذ أن يكون نطفة، أول ما يكون الإنسان نطفة، ﴿أَوَ لَمْ

يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾، الجنين في أول 12 أسبوعًا لا روح فيه،

ينمو كما ينمو النبات، حتى قبل أن تلجه الروح هو إنسان له كرامة، لا يجوز إجهاضه، إذا

أجهضته الأم أو يجهضه الطبيب يدفع دية لوالده، دية لإجهاضه وقتله، هذا حقٌّ يترتّب على كرامة

الإنسان .
 

الحق الثاني: حق الإنسان حتى بعد موته، الإنسان بعد موته يصبح جثة لا قيمة لها!! لا، له قيمة،

إذا اللائحة العالمية لم تنص فإنَّ الإسلام ينصّ، ورد عن الرسول محمّد : ” إنَّ حرمته ميِّتًا

كحرمته حيًّا“، هو جنازة لكنه يستحق التكريم والصيانة والاحترام، هذا كلّه متفرّع على كرامة

الإنسان .
 

حق الطفل في الحضانة، من حقّ الطفل أن يحصل على حضانة والديه، لا حضانة في دور

الحضانة، بل حضانة والديه، لأنَّ القرآن يرى أنّ بذرة الحضارة هي الأسرة، الأسرة السليمة بذرة

الحضارة الإنسانية، لذلك لا بدّ أن يتمتّع الطفل بحقّ الحضانة عند والديه، ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَ بنَا هَبْ

لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّا تنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ . كذلك حقّ الإنسان في سمعته حتى بعد

موته، هذه كلها حقوق تترتب على الكرامة .
 

البند الثالث: هل للإنسان الحرّية على حساب كرامته، أم أنّ الكرامة هي المقدّمة؟

هذه نقطة خلاف أساسية بين الرؤيتين الغربية والقرآنية، الرؤية القرآنية تقول: الحرية ليست هدفًا،

وإنما هي مجرد وسيلة لا أكثر، الهدف هو الكرامة، أن تكون ذا كرامة هذا هو الهدف، وأما الحرّية

فهي مجرّد وسيلة، ولأجل ذلك لا يضحّى بالكرامة من أجل الحرّية، وإنّما يضحّى بالحرّية من أجل

الكرامة، لأنَّ الكرامة هدفٌ والحرّية مجرّد وسيلة، ولذلك عندنا عدّة حدود للحرّية، أذكر لك

بعضها، الحدود لحرّية الإنسان حفاظًا على كرامته وعزّته .
 

الحدّ الأول: منع العبادة التي تخدش كرامة الإنسان .

ليس للإنسان أن يعبد صنمًا، وليس للإنسان أن يعبد حيوانًا، لأنَّ هذه العبادة تهدر كرامته، الإنسان

أسمى المخلوقات فكيف يخضع خضوع العبودية لمن هو أدنى منه شأنًا وحظًا في الوجود، إذن

الإسلام حفاظًا على كرامة الإنسان ينهى ويمنع عن مثل هذه العبادة، أنت لست حرًا في أن تهدر

كرامتك بعبادة ما لا يناسب كرامتك، ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللََّّه خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقال في

آية أخرى : (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)


الحدّ الثاني: منع ما يخلّ بطبيعة الإنسان .

هل يسمح القانون الدولي بترويج المخدِّرات؟ القانون الدولي يمنع ترويج المخدِّرات، لماذا؟ مع أنَّ

الإنسان حرٌّ! القانون الدولي يقول: ليس للإنسان بذريعة الحرّية أن يمارس ترويج المخدّرات، لأنها

تفتك بسلامة الطبيعة البشرية، فالإنسان ليس حرًا في أن يفتك بطبيعته البشرية. القانون الدولي هل

يسمح بمعاداة السامية؟ القانون الدولي هل يسمح بترويج الشوفينية؟ لا يسمح بذلك، لأنه يرى أنّ

الترويج لهذه الأفكار بذريعة الحرّية الإعلامية يسهم في انطفاء الأمن لدى المجتمع البشري، نفس

المنطق هو المنطق الإسلامي، الإسلام والقرآن لا يسمح بالشذوذ الجنسي، حتى لو قال الإنسان أنا

حر! الإسلام لا يسمح بالشذوذ الجنسي ولا بذريعة الحرّية لأنه يفتك بسلامة الاعتدال والطبيعة

البشرية، الطبيعة البشرية هي اتجاه الجنس تجاه الجنس الآخر، ﴿خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا

لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، يمنع الإنسان من الشذوذ حفاظًا على اعتدال الطبيعة

البشرية، نفس المنطلق الذي يمنع منه القانون الدولي من نشر المخدّرات .
 

الحدّ الثالث: الحفاظ على النسيج الاجتماعي .

في العواصم الغربية، نيويورك، واشنطن، طوكيو، لا يسمَح ببناء المساجد في الداونتاون

«Downtown» ، لماذا؟ يقولون: هذا يخلّ بالنسيج الاجتماعي، نحن مسؤولون عن النسيج

الاجتماعي، النسيج الاجتماعي لهذا المجتمع نسيج مسيحي، بمختلف مذاهب المسيحية، أنت تأتي

في السنتر وتبني مسجدًا أو ترفع صوت أذان! هذا يخلّ بالنسيج الاجتماعي، حفاظًا على النسيج

الاجتماعي ممنوع، إذن أين الحرية؟! الحرية ليست مطلقة، لست حرًا في أن تهدم النسيج

الاجتماعي .
 

نفس المنطق الإسلام يمارسه، الإسلام يقول: انطلاقًا من الحفاظ على النسيج الاجتماعي ليس من

حقّ الإنسان في وسط المجتمع المسلم أن يعلن الارتداد، إعلان الارتداد في وسط المجتمع المسلم

خرقٌ للنسيج الاجتماعي، ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ .

إذن، هناك حدود للحرّية، أو مثلًا ثقافة المجون، ترويج ثقافة المجون، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي

لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللََِّّ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ .
 

الحدّ الرابع: الحفاظ على المصالح العامّة .

أضرب لك مثالًا حيًّا قريبًا من هذه الأيام، شركة فيسبوك أزالت من منصّتها بعض المحتويات التي

تتضمّن أنشطة تهتك سياسة التباعد الاجتماعي، وأزالت من منصّتها دعوات لتنظيم احتجاجات

مناهضة للحجر الصحّي في كاليفورنيا، وهذا أثار غضب، هذه منصّة تواصل، فلماذا تحذف هذه

المحتويات؟! لماذا تواجه الحرّية الإعلامية؟! هذه أثارت غضب، حتى نجل الرئيس الأمريكي

ترامب ممّن احتجّ، قال: هذا يتنافى مع حرّية التعبير، لكن الشركة تستند إلى بند قانوني، الشركة

استعانت بحكومات محلّية، قالت: حذف هذه المحتويات من منصّة فيسبوك هو ضرورة، لماذا؟

للحفاظ على سلامة البيئة وصحّتها، هؤلاء يدعون إلى خرق سلامة البيئة، لذلك ليس من حرّية

التعبير أن تهتك سلامة البيئة .
 

ولهذا هنا نقطة ينبغي ملاحظتها، نحن الآن نعيش ظروفًا صحّية خانقة، ينبغي التقيّد التامّ، هذا يأمر

به العقل ويأمر به الشرع، التحفّظ التامّ على الاحترازات والشروط الصحّية الوقائية، من النعم أنّ

الإنسان يعيش في دولة مسيطرة قوية تفرض النظام وتحافظ على صحّة البيئة وسلامتها وتحمي

الحقوق، عندما تجد تعاو نا بين الوزارات ومنها وزارة الصحّة وتجد هذه الجهود الجبّارة من أبنائنا

وبناتنا الأطباء والطبيبات والممرضين والممرضات والموظفين والموظفات حتى الموظفين في

الطب البيطري حتى في مناطق أخرى ومواطن أخرى يعملون ليلًا نهارًا بروح تعاونية خلّاقة

صادقة من أجل سلامة البيئة، من أجل صحّة البيئة، من أجل صحّة الإنسان وسلامته، هذا شيء

ضروري .
 

الحدّ الخامس: أن تحافظ على كرامتك وعزّتك .

لاحظ ما ورد في القرآن الكريم : ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، لا يصحّ لك

بذريعة الحرّية أن تقتل كرامتك وعزّتك، الرسول الأعظم يقول: ”إنّ الله فوّض إلى المؤمن كلّ

شيء ولم يفوّض إليه أن يذلّ نفسه“، ليس من حقّك أن تذلّ نفسك، بذريعة التواضع ولا بذريعة

الحرّية، أنت لست حرًا في أن تذلّ نفسك، الإذلال يتنافى مع كرامتك التي منحك الله إياها، ليس من

حقّك خدش كرامتك .
 

ولأجل ذلك هذا المنطلق - منطلق العزّة والكرامة والإباء - هو المنطلق مشى عليه أئمتنا، مشى

عليه نجوم ديننا وشموس مسيرتنا، مشوا على منطق الكرامة، منطق العزّة، الإمام أمير المؤمنين

عليّ عندما يقول لأصحابه عندما استولى الجيش الأموي على الفرات ومنعوا جيش الإمام علي

من الماء، حرّكهم نحو السيطرة على الماء، قال: ”إنَّ الموت في حياتكم مقهورين وإنَّ الحياة في

موتكم قاهرين“، حافظوا على عزّتكم وكرامتكم. ومن هذا المنطلق انطلق الحسين بن علي، انطلق

سيّد الشهداء من منطلق العزّة والكرامة، ”والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ إقرار

العبيد “.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مواقيت الصلاة