السلام على الإمام الحسن

علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ عبدالهادي الفضلي
عن الكاتب :
الشيخ الدكتور عبدالهادي الفضلي، من مواليد العام 1935م بقرية (صبخة العرب) إحدى القرى القريبة من البصرة بالعراق، جمع بين الدراسة التقليدية الحوزوية والدراسة الأكاديمية، فنال البكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية ثم درجة الدكتوراه في اللغة العربية في النحو والصرف والعروض بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، له العديد من المؤلفات والمساهمات على الصعيدين الحوزوي والأكاديمي.rnتوفي في العام 2013 بعد صراع طويل مع المرض.

التكلم (1)

 

الدكتور عبد الهادي الفضلي
لا خلاف بين المسلمين في أن اللّه تعالى متكلم .
وقد دل على ذلك أيضاً من القرآن الكريم قوله تعالى :﴿ ... وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا ﴾ 1و قوله تعالى :﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ... ﴾ 2، وأمثال هاتين الآيتين .
ولكن اختلفوا في ماهية وحقيقة كلامه تعالى :
فذهبت الأشاعرة إلى أن كلامه تعالى : « وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف ، بل لا يشبه كلامه كلام غيره ، كما لا يشبه وجوده وجود غيره » 3 .
« والكلام بالحقيقة كلام النفس ، وإنما الأصوات قطعت حروفاً للدلالات ، كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات » 4 .
وقال الرازي في ( المحصل ) : « أما أصحابنا فقد اتفقوا على أن اللّه تعالى ليس بمتكلم بالكلام الذي هو الحروف والأصوات ، بل زعموا أنه متكلم بكلام النفس » 5 .
وعبّروا عنه بـ ( الكلام النفسي ) و ( الكلام الأزلي ) وقالوا عنه : إنه معنى قائم في ذات المتكلم به .
والألفاظ ـ في الحقيقة ـ ليست كلاماً ، وإنما هي دوال على ذلك المعنى القائم في النفس ( أو الكلام النفسي ) الذي هو الكلام حقيقة .


واستشهدوا لذلك بقول الأخطل :
إن الكلام لفي الفؤاد و إنما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
فإن الشاعر هنا اعتبر ما في النفس هو الكلام ، والألفاظ اللسانية دوال عليه .
وذهبت الفرق الإسلامية الأخرى أمثال : الأمامية والمعتزلة والزيدية والإباضية والسلفية إلى أن الكلام هو هذا الذي نعرفه ، وهو الكلمات المؤلفة من الأصوات والحروف . ويمكننا أن نسميه ( الكلام اللفظي ) في مقابل ( الكلام النفسي ) .
وخلاصة ما استدل به الأشاعرة :
1 ـ أننا ندرك وجداناً أن المتكلم عندما يتكلم بلغة الألفاظ إنما يعبر بها عن فكرة عنده أو إحساس لديه .
أي أنه يعبر بالكلام اللفظي عما يحمل ويعتمل في نفسه من أفكار وأحاسيس ، وهذا من الأمور الواضحة .
2 ـ أن الكلام اللفظي مركب من الأصوات والحروف ، ومن البديهي أن كل مركب حادث ، فيكون من المستحيل أن تتصف به الذات الإلهية لاستحالة اتصاف القديم بالصفة الحادثة ، فلا مناص إذاً من الالتزام بالكلام النفسي لأنه قديم ، ليصح إطلاق المتكلم على اللّه سبحانه باعتبار اتصافه به .


واستدل للقول الآخر ـ وهو أن الكلام هو المركب اللفظي ـ بما يلي :
1 ـ التبادر :
وذلك أن المتبادر إلى الذهن عند اطلاق عبارة ( كلام ) هو هذا المركب اللفظي .
والتبادر دليل أن الكلمة حقيقة في المعنى المتبادر .
كما أننا نرى أبناء اللغة لا يقولون للساكت وكذلك للأخرس إنه متكلم ، مع أن المعاني قائمة في نفسه .
وما هذا إلا لأنه لا يستخدم الألفاظ وسيلة لإبرازها ، وإنما يتوسل إلى ذلك بالإشارة وأمثالها مما لا يعد كلاماً .
 

2 ـ عدم التعقل :
وهو أن الكلام النفسي الذي يقول به الأشعريون مما لا يمكن تصوره وتعقله في الذهن .
وذلك لأن المتصور عقلاً من الصفات الإلهية التي يمكن أن يرتبط بها الكلام ويكون أثراً من آثارها إما القدرة التي يمكن أن تصدر عنها الحروف والأصوات ، أو العلم .
والأشعرية نصوا على أن ما لا يمكن تصوره لا يمكن إثباته ، لأن الإثبات تصديق ، والتصديق لا بد أن يُسبق بالتصور . وحيث لا تصور لا تصديق ، أي لا إثبات ، وحينئذ يبطل القول بالكلام النفسي لأنه لا يمكن تعقله ليمكن إثباته .
وعندما يبطل القول بالكلام النفسي يتعين القول الآخر ، وهو المطلوب .
غير أن السلفيين تفردوا من بين الفرق الإسلامية المذكورة بالقول بأن الكلام اللفظي قديم قائم بذاته تعالى .
والموازنة بين الرأيين تنهينا إلى التالي :
1 ـ أن المتكلم عند الأشاعرة والسلفية هو : من قام به الكلام . وعند الآخرين هو : من فعل الكلام .
2 ـ أن المعنى النفسي الذي يؤكد عليه الأشاعرة لا يخلو أن يكون واحداً من الأمور التالية :
أ ـ أن يكون هو الوجود الذهني .
ويفهم هذا من قولهم ( أن الألفاظ دوال على المعاني النفسية ) ، ذلك أن الألفاظ ـ كما هو معلوم ـ تعبّر وتدل على المعنى الذهني أي الموجود في الذهن .
وكل ما في الأمر أنهم عبّروا عن الذهن بـ ( النفس ) .
وعليه يعود الخلاف بين الطرفين لفظياً .
ولكن قد يلاحظ : أنه لو كان هو المراد لما وقع الخلاف ـ وبعنف ـ في المسألة .
ب ـ أن يكون شيئاً آخر غير الوجود الذهني ، له سمته وطابعه الخاص به .
ويفهم هذا من قولهم : ( لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره ) .
وهذا مما لا يتعقل ولا يتصور ، كما تقدم في الدليل الثاني للقول الثاني .
وما لا يتصور لا يمكن الحكم عليه بالوصفية أو غيرها .
ومن هنا لا إخال أنه المقصود لهم .
ح ـ أن يكون مقصودهم من الكلام : التكلم .
ويفهم هذا من قولهم بأنه ( وصف ) .
وأقول هذا ، لأن الكلام بما هو أثر لا يمكن الاتصاف به ، أي لا يمكن أن يكون صفة للذات إلا إذا قلنا إن المراد به هو ( التكلم ) .
ولذا يقال : ( اللّه متكلم ) ، ولا يقال : ( اللّه كلام ) . وهذا هو الأقرب في تحليل وبيان مرادهم من الكلام النفسي .

 

ولكن على أساس هذا يشكل عليهم :
بأن التكلم من الصفات الفعلية لا الذاتية .
والفرق بين الصفة الفعلية والصفة الذاتية هو : أن الصفة الذاتية ( مثل القدرة والعلم والحياة ) يستحيل اتصاف الذات الإلهية بنقيضها ، فلا يقال : ( اللّه عالم بكذا ) و ( ليس عالماً بكذا ) .
أما الصفات الفعلية ( مثل الخلق والرزق ) فيمكن اتصاف الذات الإلهية بها في حال وبنقيضها في حال آخر ، فيقال : ( إن اللّه خلق كذا ولم يخلق كذا ) ويقال : ( إن اللّه رزق فلاناً ولداً ذكراً ولم يرزقه بنتاً ) .
والتكلم مثل الخلق والرزق ، فإنه يصح أنه يقال : ( كلم اللّه موسى ولم يكلم فرعون ) ويقال : ( كلم اللّه موسى في جبل طور ولم يكلمه في بحر النيل ) .
وهذه التفرقة بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية لم تتضح في الدرس العقائدي إلا بعد نضج الفكر الاعتزالي وانتشار الفكر الإمامي .
وممن أشار إلى أن المتقدمين من العقائديين لم يفرقوا بينهما التفرقة المذكورة أبو الفتح الشهرستاني ، قال في كتابه ( الملل والنحل ) 6 : « إعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون للّه تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل ، بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً » .
وبثبوت أن التكلم صفة فعلية يترتب عليه أننا نستطيع أن نتصور هنا ثلاثة أمور هي :


متكلم وتكلم وكلام
كما نتصور : خالقاً وخلقاً ومخلوقاً ، ورازقاً ورِزْقاً ومرزوقاً . والأول يعبّر عن الموصوف ، والثاني عن الصفة ، والثالث عن الأثر .
وهذا يعني أن هناك فرقاً بين ( التكلم ) و ( الكلام ) هو الفرق بين الصفة وأثرها .
والذي يبدو لي أن الذي ألجأ الأشاعرة إلى التعبير عن هذه الصفة بـ ( الكلام ) ولم يعبروا عنها بـ ( التكلم ) هو إصرارهم على أن القرآن الكريم غير مخلوق ، وهو ( كلام اللّه ) ، كما عبّر عنه تعالى في مثل قوله :﴿ ... وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ 7 ، وقوله :﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ... ﴾ 8 ، وكما هو الحق .
لأنهم إذا فسروا الكلام بالكلام اللفظي لا مناص لهم من القول بحدوث القرآن وأنه مخلوق ، لأن القول بقدم الكلام اللفظي يستلزم ان يكون اللّه تعالى محلاً للحوادث ، لأن الحروف والأصوات من المركبات ، والمركبات حوادث بالضرورة .
وهم لا يريدون ذلك ، وبخاصة أنهم يقولون بحدوث الكلام اللفظي ، وإنما الذي يريدونه ـ وبإصرار ـ تأييد فكرة أو معتقد أن القرآن أزلي فقط .
تلك الفكرة التي قال بها قبلهم الحنابلة ، وجرّت عليهم من الويل والعذاب من قبل السلطة الحاكمة آنذاك الشيء الكثير .
من هنا أصرّوا على أزلية كلام اللّه تعالى إلا أنهم أرادوا أن يبتعدوا بالفكرة عما قد تنقد به من لزوم : الوقوع في محذور أن يكون اللّه تعالى محلاً للحوادث فجاؤوا بفكرة الكلام النفسي ، وقالوا بأزليته وقدمه ، ليحافظوا على فكرة أزلية القرآن الكريم التي أصبحت بعد معركة خلق القرآن معلمة مذهبية من معالم العقيدة عند السنة .


ونخلص من هذا إلى :
أ ـ أن التكلم هو الصفة .
ب ـ أما الكلام فهو فعل من أفعاله تعالى يحدثه ويخلقه في الأجسام اذا أراد مخاطبة المخلوقين بالأمر والنهي والوعد والوعيد والزجر والترغيب ـ كما يقول القاضي المعتزلي عبد الجبار الهمداني 9 .
ويقول الشيخ المفيد المتكلم الأمامي : « متكلم لا بجارحة ، بمعنى أنه يوجد حروفاً وأصواتاً في جسم من الأجسام تدل على المعاني المطلوبة ، كما فعل في الشجرة حين خاطبه موسى ـ عليه السلام ـ » 10 .
ويقول القاسم الرسي الزيدي : « ومعنى كلامه جل ثناؤه لموسى ـ صلوات اللّه عليه ـ عند أهل الإيمان والعلم : أنه أنشأ كلاماً خلقه كما شاء فسمعه موسى ـ صلى اللّه عليه ـ وفهمه .
وكل مسموع من اللّه فهو مخلوق لأنه غير الخالق له .
وإنما ناداه اللّه جل ثناؤه فقال :﴿ ... إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ 11 ، والنداء غير المنادي ، والمنادي بذلك هو اللّه جل ثناؤه ، والنداء غيره .
وما كان غير اللّه مما يعجز عنه الخلائق فمخلوق لأنه لم يكن ثم كان باللّه وحده لا شريك له » 12 .
ح ـ أن المعتزلة والإمامية والزيدية والأباضية يذهبون إلى أن الكلام قائم بغير الذات المقدسة .
ع ـ أن الأشعرية والسلفية يذهبون إلى أن الكلام قائم بذاته تعالى ، مع فارق :
أن القائم بالذات عند الأشاعرة هو المعني الأزلي ( الكلام النفسي ) ، وعند السلفية الحروف والأصوات ( الكلام اللفظي ) .

ـــــــــــــــــــــ
•  1. القران الكريم: سورة النساء (4)، الآية: 164، الصفحة: 104.
•  2. القران الكريم: سورة الأعراف (7)، الآية: 143، الصفحة: 167.
•  3. قواعد العقائد للغزالي : 182 .
•  4. م . س : 183 .
•  5. تلخيص المحصل : 289 .
•  6. الملل و النحل : 1 / 92 .
•  7. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 75، الصفحة: 11.
•  8. a. b. c. القران الكريم: سورة التوبة (9)، الآية: 6، الصفحة: 187.
•  9. المختصر في اصول الدين : 379 .
•  10. النكت الاعتقادية : 394 .
•  11. القران الكريم: سورة القصص (28)، الآية: 30، الصفحة: 389.
•  12. اصول العدل و التوحيد : 264 .

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مواقيت الصلاة