علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
عدنان الحاجي
عن الكاتب :
من المترجمين المتمرسين بالأحساء بدأ الترجمة عام ٢٠١١، مطّلعٌ على ما ينشر بشكل يومي في الدوريات العلمية ومحاضر المؤتمرات العلمية التي تعقد دوريًّا في غير مكان، وهو يعمل دائمًا على ترجمة المفيد منها.

قصر النّظر قد يكون نتيجة استخدامنا لأعيننا في الأماكن المغلقة

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

 

طالما عزيت معدلات قصر النظر (1) المتزايدة عند الناس، خاصةً بين الأطفال والشباب، إلى زيادة استخدامهم الأجهزة الإكترونية، من حواسيب وأجهزة لوحية وهواتف ذكية. لكنّ دراسة جديدة أجراها باحثون في كلية طب العيون بجامعة ولاية نيويورك (SUNY College of Optometry) تفيد بأن السبب الحقيقي قد يكون أكثر تعقيدًا مما يعتقد، وأكثر ارتباطًا بعادة استخدام الناس أعينهم في الأماكن المغلقة، ومنها التركيز المطوّل على الأشياء من مسافة قريبة، سواءً على شاشات أم غيرها، في بيئة إضاءتها خافتة، ما من شأنه أن يحدّ من كمية النور الواصل إلى شبكية العين [وهي النسيج الحساس للنور في الجزء الخلفي من العين].

 

في دراسة جديدة  (2) نُشرت في مجلة تقارير الخلية Cell Reports، يقترح الباحثون أن قصر النظر قد لا يكون ناجمًا عن تركيز النّظر في الشاشات نفسها، بقدر ما يكون ناجمًا عن عادة بصرية شائعة في الأماكن المغلقة، ألا وهي التركيز المطوّل على الأشياء من مسافة قريبة في بيئات إضاءتها خافتة، مما يحدّ من كمية النور الواصل إلى شبكية العين. وقد يكون لهذا التأثير المزدوج من التركيز على الأشياء من مسافة قريبة ومستوى إضاءة منخفض دور أكبر في الإصابة بقصر النظر مما يسببه النظر إلى الشاشات وحده.

 

تطرح الدراسة فرضية جديدة قد تساعد في تفسير لغزٍ محيّرٍ في علم البصريات، ألا وهو: لماذا تؤثر عوامل عديدة، بدءًا من تركيز النظر من مسافة قريبة (20 - 30 سم من العين عادةً) على الأشياء تحت إضاءة خافتة في داخل المباني أو الأماكن المغلقة في تفاقم معدلات الاصابة بقصر النظر، وصولًا إلى استخدام علاجات مثل قطرات الأتروبين أو ارتداء عدسات متعددة البؤر أو قضاء وقت في الهواء الطلق (خارج المباني)، في الوقاية من الاصابة بقصر النظر؟ تبدو هذه العوامل في طبيعتها مختلفة تمامًا، إلا أن الدراسة تفيد بأنها قد تؤثر جميعها سلبًا أو إيجابًا في معدلات الإصابة بقصر النظر بطريقة متشابهة.

 

يقول الدكتور خوسيه مانويل ألونسو Jose-Manuel Alonso، الأستاذ المتميز في جامعة ولاية نيويورك والمؤلف الرئيس للدراسة: "وصلت معدلات الإصابة بقصر النظر في جميع أنحاء العالم إلى مستويات شبه وبائية. ومع ذلك، لم نعرف السبب تمام المعرفة بعد. تفيد نتائج دراستنا إلى أن أحد العوامل الأساسية المشتركة قد يكون محدودية كمية النور التي تصل إلى شبكية العين أثناء تركيز النظر على أشياء من مسافة قريبة (20 - 30 سم من العين عادةً) لفترات طويلة، وخاصة في الأماكن المغلقة".

 

منظور مختلف للعمل عن قرب

 

يؤثر قصر النظر فيما يقرب من 50% من الشباب في الولايات المتحدة وأوروبا، ونحو 90% في أجزاء من شرق آسيا. ورغم أهمية العوامل الوراثية، إلا أن الزيادة السريعة في معدلات الإصابة بقصر النظرعلى مدى ثلاثة أجيال (آباء وأبناء وأحفاد) فقط توحي بأن العوامل البيئية لها أهمية بالغة أيضاً باعتبارها العامل المؤثر سواء في الوقاية من قصر النظر أو الإصابة به. وهذا أمر بالغ الأهمية لأن التطور الجيني عادةً ما يكون بطيئًا جدًّا، لذا لا يمكن تفسير هذا الارتفاع السّريع في معدلات الإصابة بقصر النظر على مدى هذه الفترة القصيرة نسبيًّا بالتغيرات الجينية وحدها، بل يشير بقوة إلى تغيرات بيئية أو في نمط الحياة، مثل زيادة فترة تركيز النظر من مسافة قريبة على أشياء وقصر الفترة الزمنية التي يقضيها الشخص في الهواء الطلق. لذا:

 

  • تركيز النّظر على الأشياء من مسافة قريبة لفترات طويلة، خاصة في الأماكن المغلقة والقيام بأعمال تتطلب تركيزًا بصريًّا دقيقًا، تقترن بزيادة احتمال الإصابة بقصر النّظر.
     
  • علاجات متنوعة، مثل قطرات الأتروبين (atropine) للعين، وارتداء عدسات خاصة متعددة البؤر، والبصريات المُخفِّضة للتباين البصري، بإمكانها أن تُبطئ من الإصابة بقصر النظر.
     
  • قضاء بعض الوقت ( 2 ساعة تقريبًا يوميًّا) (3) خارج المباني في الهواء الطلق والتعرض لضوء الشمس  من شأنه أن يقي من قصر النظر.
     

لماذا بقي سبب نجاح هذه الأساليب العلاجية المتنوعة لقصر النظر غير واضح؟

 

بالرغم من وجود عدة علاجات مختلفة تقي أو تبطّئ من الإصابة بقصر النظر، إلا أن الباحثين لم يفهموا بوضوح السبب المشترك لفعاليتها حتى الآن.

 

يطرح باحثون من قسم البصريات بجامعة ولاية نيويورك تفسيرًا موحدًا يتمحور حول بؤبؤ العين - وهو "فتحة" العين الطبيعية، التي تشبه حجاب عدسة الكاميرا.

 

توضح أوروشا ماهارجان Urusha Maharjan، طالبة الدكتوراه في قسم البصريات بجامعة ولاية نيويورك والتي أجرت الدراسة: "في ضوء الشمس الساطع، يضيق بؤبؤ العين لحماية العين لكنها تسمح في الوقت نفسه بوصول كمية كافية من النور إلى الشبكية. وعندما يركز الناس على الأجسام، مثل الهواتف أو الأجهزة اللوحية أو الكتب، من مسافة قريبة في أماكن مغلقة، قد يتقلص بؤبؤ العين أيضًا، ليس بسبب شدة الإضاءة، بل لتحسين التركيز ووضوح الصورة. وفي الإضاءة الخافتة، قد يؤدي هذا التأثير المزدوج إلى تقليل كمية الإضاءة التي تصل إلى الشبكية بشكل ملحوظ، ما قد يُحفز إشارات بيولوجية تُسهم في الإصابة بقصر النظر".

 

بحسب فرضية الباحثين، قد يؤدي انخفاض تحفيز (تنشيط) الضوئي للشبكية لفترات طويلة إلى إضعاف مسارات عصبية معينة مسؤولة عن المعالجة البصرية (4)، مما يُسهم في تطور قصر النظر وتفاقمه. بعبارة أخرى، لا تتلقى شبكية العين ما يكفي من التحفيز (التنشيط) الضوئي لفترات طويلة، مما قد يُضعف المسارات العصبية المسؤولة عن الرؤية.

 

تفسير ما نلاحظه بالفعل

 

قد تُساعد الآلية المقترحة في تفسير الملاحظات المعروفة:

 

  •  لماذا يُعد قضاء فترة زمنية في الهواء الطلق أجراء وقائيًّا: فالضوء الساطع يُحافظ على مستوى عالٍ من تحفيز الشبكية.
     
  • لماذا يُبطئ الأتروبين من تطور قصر النظر؟ لأنه يمنع انقباض حدقة العين حتى لا تصبح ضيقة جدًّا، مما يسمح بدخول المزيد من الضوء إلى الشبكية.
     
  • لماذا تُساعد بعض العدسات: لأنها تحد من الحاجة إلى التركيز الشديد على الأشياء من مسافة قريبة، وتُقلل من إجهاد التركيز الشديد على الأشياء القريبة.
     
  • لماذا قد يكون تركيز النظر من مسافة قريبة (20 30 سم من العين عادةً) لفترات طويلة في الأماكن المغلقة تحت إضاءة خافتة مُشكلة خاصة؟ لأنها تُوفر تحفيزًا ضوئيًّا ضعيفًا لشبكية العين بينما تتطلب جهدًا بصريًّا كبيرًا.
     

من المهم الإشارة إلى أن الدراسة لا تدّعي أن الشاشات تُسبب قصر النظر بشكل مباشر، أو أن التعرض إلى الضوء وحده يُبرر الوقاية من هذه الحالة، أو أن العوامل الوراثية غير مهمة. بل تُقدم فرضية قابلة للاختبار تُعيد صياغة كيف تتفاعل العادات البصرية والإضاءة وتركيز العين معًا.

 

وأكد ألونسو أن "هذه ليست إجابة حاسمة، بل فرضية تستند إلى بيانات فسيولوجية قابلة للقياس، وتجمع بين أدلة قائمة. هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات، لكنها تُقدم لنا طريقة جديدة للتفكير في الوقاية والعلاج"، يُمكن للباحثين والأطباء أخذها في الحسبان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/قصر_النظر

2- https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2211124726000161?via=ihub

3- https://www.myopiaprofile.com/articles/why-outdoor-time-matters-in-myopia-development?utm_source=chatgpt.com

4- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/قشرة_بصرية

المصدر الرئيس

https://www.sunyopt.edu/new-research-suggests-myopia-could-be-caused-by-how-we-use-our-eyes-indoors/

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد