
يعيش الإنسان في سيره وسلوكه واقع حياته، ويسعى من خلال رفع حجب الدنيا عن نفسه أن يتعرَّف إلى هذه النفس التي بين جنبيه، وكلّما رفع الإنسان حجابًا من حجب الدنيا انكشفت له نفسه أكثر فأكثر.
ويوجد نمطان في هذا المسار:
النمط الأول: يقوم على رفع الحُجُب بصورة تدريجية، حيث يسعى الإنسان إلى إزالة هذه الحُجُب عن نفسه حجابًا بعد حجاب.
النمط الثاني: يقوم على قلع الجذور الظلمانية من النفس، ويتحقق ذلك برفع الإنسان هاجس الموت، ودوام ذكره؛ لأن ذكر الموت هو الذي يحقق هذا النمط من خلال الدنيا والابتعاد عنها.
ولا يمكن أن يتحقق هذا الأمر بشكل إيجابي إلّا إذا كان مستندًا إلى مضامين شرعية؛ لأن الموت قد يتحول إلى هاجس سلبي عند الناس يوقعهم في اليأس، وبالتالي هذا النحو من روحية العلاقة مع الموت لا يرتضيها الباري عز وجل، فالمؤمن لا يقنط من رحمة الله، بل هو متمسك دومًا بهذه الرحمة، ويعتبرها نعمة من أنعم الله عز وجل.
وعلى مقتضى المسلك الشرعي، تكون شفاعة محمد وآل محمد (ص) هي الأساس الذي نسير عل هديه، وهذا من الأمور المطلوبة لكل من يريد أن يُجدّ في السير والسلوك نحو الله سبحانه وتعالى.
أنواع المشكلات التي تبعد عن الباري عز وجل:
النوع الأول: شعور الإنسان بالإحباط في أي أمر عبادي، فهذا يعدّ ابتعادًا عن الباري عز وجل.
النوع الثاني: إذا لم تكن صلاة الإنسان خالصة لله، فإن ذلك يعدّ ابتعادًا عنه سبحانه وتعالى.
النوع الثالث: وهم أكثر الناس خسرانًا؛ إذ مع علمهم بأن العبادة لله عز وجل، وامتثالهم للتكاليف والواجبات والالتزامات، وانتهائهم عما نهى الله عنه، وإيمانهم التام بما يقوله الله، إلا أنهم من الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم من الفائزين ويحسنون صنعًا؛ والسبب الأكبر في ذلك هو الوقوع في الرياء؛ إذ تشير الروايات والأحكام الشرعية، إلى أن الرياء من الأمور التي تبعد عن الباري عز وجل.
وقد تحول موضوع الرياء في المواعظ أحيانًا إلى ما يشبه حالات “الطرفة” على المرائين، لكن المأساة الموجودة في الرياء أنه عنصر نفسي قادرٌ على أن يفتك بكل ما يمكن التقرب به إلى الله سبحانه وتعالى؛ ولعله من أبرز الحُجب على المستوى العملي، بل إن أكبر حجاب بين الإنسان وربه هو نفس هذا الإنسان. وبناءً على ذلك، فإن الرياء يعدّ أهم واسطة تتوسط بها النفس من أجل أن تشكّل حجابًا وفسادًا للعمل الذي يقرِّب إلى الله.
ومعنى الرياء، هو أن يمارس الإنسان فعلًا إيمانيًّا، أو سلوكًا إيمانيًّا (على المستوى الأخلاقي)، أو أن يعتنق هذا الإنسان قناعة إيمانية، لكنه في الواقع أراد من هذه القناعة ومن هذا السلوك، ومن هذا الفعل غير وجه الله، بل أراد استمالة قلوب الآخرين، وأن يتحول إلى شخصية يشار إليها، أو يحكى عنها، أو أن يلفت نظر الآخرين اليه.
الأمر الملفت في كلام بعض العرفاء، أنه لو افترضنا أن بعض الناس التزموا بالصلاة، كصلاة الليل مثلًا، وكان هناك من يراقب هذه الصلاة، فحدَّث الإنسان نفسه بأنه يؤديها بقصد استمالة عيون الناس، فإن العمل كله يكون رياءً، ففي مثل هذه الحالة لا تصلي صلاة الليل، هذا اسمه رياءً؛ ذلك لأنك أردت تحسين صورة صلاتك، ولو أمام نفسك، على حساب علاقة مقدسة وشريفة مع ربك سبحانه وتعالى.
وبخلاف الرياء، يتحول العمل إلى عملٍ خالصٍ لوجه الله لا تؤثر فيه السلبيات ولا الإيجابيات. فكل واحد منا خلقه الله سبحانه وتعالى من روحٍ طاهرة مقدسة، ومن هذا الحمأ المسنون*، فالروح هي التي تؤثر في هذا الطين، فتجعله يتحرك، ويعمل، ويأكل… وعلى أساس هذه الطاقة المودعة فيه، والتي تسمى النفس، وهي عبارة عن تأثير الروح في الجسد، يتبلور عمل الإنسان. إذًا، ميزة هذه النفس أنها بذاتها روح مقدسة، إلّا أن أفعالها هي أفعال الروح المتصلة بالمادة في عالم البرزخ، بالتالي كل ما يصدر عن الروح يتأثر به البدن، وكل ما يصدر عن البدن تتأثر به النفس أيضًا؛ بحيث تصبح هذه النفس عبارة عن علاقة ورابطة ما بين الروح وما بين البدن.
والنفس هي الماء الذي اتخذ شكل الكوب حينما صُبَّ فيه؛ أي هذه الروح التي اتخذت شكل مواصفات فعل البدن. ويوجد في هذا البدن عدة قوى: الغضبية، والشهوية، والعقلية، وهذه القوى موجودة أيضًا في النفس التي تعمل على تحريك عامل البدن.
فقوة الشهوة، هي أيّ فعل حرام يتعلق بالشهوة، يقول الإمام الصادق (ع): “مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشًا حتى يقتله”[1].
فهذه الأمور المتعلقة بالدنيا هي تمامًا مثل ماء البحر، والأفعال التي يقوم بها الإنسان من قوى الغضب، وقوى الشهوة هي التي تجعل للنفس شكلًا معينًا. فالوهم مثلًا، هو الصورة الأكثر قربًا لشكل إبليس، بالتالي، النفس الأمّارة بالسوء هي من إبليس.
إذًا، كل فعل من أفعالنا، وكل ما نقوم به، يمثّل بالنسبة لنا مظهرًا من مظاهر عالمنا الداخلي. على ضوء ذلك، يفسر أهل العرفان في ما روي عن الرسول (ص) “يحشر بعض الناس يوم القيامة على صورة يحسن عندها القردة والخنازير”، بأن كل عمل يمارسه الإنسان في الحياة الدنيا يمنح النفس جسمًا معينًا، وهو ما يعبّر عنه “بتجسّم الأعمال”؛ أي إن كل عمل يقوم به الإنسان في الحياة الدنيا يأخذ صورته التي سيراها في عالم القبر (البرزخ)، أو يوم المحشر، يوم الوقوف بين يدي الباري سبحانه وتعالى.
إن بروز هذا الوضع السلبي أو الإيجابي للنفس مع الآخرة سوف يكون إما بأن تشابه الجنة، أو أن تشابه النار، وهناك نحو من الأعمال قطعًا إذا قمت بها سوف تؤدي بك إلى النار، وأخرى سوف تؤدي بك إلى الجنة، فالصلاة مثلًا من الأعمال التي توصل إلى الجنة إذا كانت على وجه صحيح تام وكامل.
وفي اللحظة التي ستقف فيها بين يدي الله سبحانه وتعالى، ويأتيك كتاب الأعمال، فيقول لك- هذا عملك، هذه حقيقتك، وهذا وضعك (مصلي، صائم، حاج، زائر، ومتصدّق…)، ثم يقال: ألقوا به في النار.
فكل هذه الأعمال التي قام بها الإنسان، وآخرها النار! لماذا؟ لأن ما كان يظنه الإنسان صالحًا مقرِّبًا إلى الله قد أخذ في الواقع صورة لا تنتمي إلى الله بصلة؛ صورة محرقة، صورة منشؤها أن صلاته كانت للعباد ولاستمالة قلوبهم وليست لله سبحانه وتعالى.
عندها تكون حالة الندم، وهي الحالة التي يعبّر عنها قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾[2].
على ضوء ذلك، من الأمور التي تجعل حقيقتنا تنتمي إلى الباري؛ هي العمل، مثل: الصلاة، والصوم، والحج… على أن تكون النية خالصة للباري؛ واحدة من موجباتها هي أن تعرف بأن الناس لا يقدمون لك شيئًا، ولا يؤخرون عنك شيئًا. يبقى أن تتيقن أن الله وحده القادر على أن يضرك أو ينفعك، هذا النمط من المستويات يقول عنه الإمام الخميني (رض): له جنة، وله نار، ويقول: إن النار والجنة اللتان تحدَّث عنهما القرآن الكريم هما جنة الأعمال ونار الأعمال؛ أي إن هذه النار التي تقرِّض بالمقاريض هي نار العمل. وتقول بعض المرويات: لو أن حلقة واحدة منها سقطت من السماء إلى الأرض لاحترقت الأرض بمن فيها. فهذه إذًا هي نار الأعمال.
ويتابع الإمام الخميني (رض)، أن هذا لا يكفي، فهناك أيضًا جنة ونار تتعلقان بجنة الأخلاق ونار الأخلاق، والرياء له علاقة بالأخلاق، فبمقدار ما يؤثر الرياء في فعلك الأخلاقي والتزامك، بمقدار ما أنت تنشئ نار فعلك الأخلاقي.
أما فيما يخص معتقدنا، فيذكر الإمام (رض) أن هناك جنة المعتقد، ونار المعتقد، وأن الأصل فيهما هو كيفية تحسين عقائدنا. فإذا كانت جنة المعتقد أعلى مرتبةً من الجنة، فإن نار المعتقد كذلك أعلى مرتبة من النار.
وإذا حسّن الإنسان اعتقاده بالله من دون أن يتأثر بالرياء، فينبغي عليه، كخطوة أولى، والتي تكون صعبة في البداية، أن يعمل على تصحيح أعماله، بحيث لا يغفل لحظة واحدة عن الله سبحانه وتعالى.
توجد بعض الخطوات التي يمكن أن تساعد في عدم الوقوع في الرياء، منها:
– البكاء: بأن يمارس الإنسان أعلى مستوى من ضبط النفس، فلا يقع في الرياء، وذلك بالبكاء على نفسه، أو بالزفير الذي يعبّر عن النار التي تحرق القلب.
– تذكر الموت: فنحن نعلم أن الموت حقيقة لا بدّ من الوصول إليها.
– الدعاء: وذلك بطلب العون من الله سبحانه وتعالى، وندعوه بأن يوفقنا للعبادة من دون رياء، ولا عجب.
– تسليم الأمر للباري عز وجل ليتصرف فينا؛ وذلك من خلال تصفية النفس كي لا نقع في ما هو عارض ومُبعد عن التقرب إليه سبحانه وتعالى.
ونختم بكلام لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، مما يعين المرء إذا أراد السير والسلوك إلى ربه عز وجل، فيقول (ع): “وأحذركم الدنيا فإنها منزل قُلعة، وليست بدار نُجعة[3]، قد تزينت بغرورها وغرَّت بزينتها[4]، دار هانت على ربها فخلط حلالها بحرامها، وخيرها بشرها، وحياتها بموتها، وحلوها بمرّها، لم يُصْفِها الله تعالى لأوليائه، ولم يضنَّ بها على أعدائه، خيرها زهيد، وشرُّها عتيد وجمها ينفذ وملكها يُسلب، وعامرها يخرب، فما خير دار تنقض نقض البناء، وعمر يفنى فناء الزاد، ومدة تنقطع انقطاع السيل، اجعلوا ما افترض الله عليكم من طلبكم، واسألوه من أداء حقه عليكم ما سألكم، واسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يُدعى بكم*، الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم وإن ضحكوا، ويشتد حزنهم وإن فرحوا، ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رزقوا، قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال، وحضرتكم كواذب الآمال، فصارت الدنيا أملك بكم من الآخرة، والعاجلة أذهب بكم من الآجلة، وإنما أنتم إخوان على دين الله، ما فرَّق بينكم إلا خبث السرائر، وسوء الضمائر، فلا توازرون ولا تناصحون ما بالكم تفرحون باليسير من الدنيا تدركونه ولا يحزنكم الكثير من الآخرة تفهمونه، ويقلقكم يسير من الدنيا يفوتكم حتى يتبين ذلك في وجوهكم وقلة صبركم عما زوي منها عنكم؛ كأنها دار مقركم وكأنما متاعها باقٍ عليكم، وما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف من عيبه إلا مخافة أن يستقبله بمثله. قد تصافيتم على رفض الآجل وحب العاجل، وصار دين أحدكم لعقة على لسانه”[5]. هذه مميزات أهل الرياء والنفاق، صدق أمير المؤمنين (ع).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الطين الأسود المتغيّر (أو المتخمر)، أو الطين المهيّأ المصقول لخلق الإنسان.
[1] مولى محمد صالح المازندراني، شرح أصول الكافي، الجزء 8، الصفحة 404.
[2] سورة النبأ، الآية 40.
[3] قلعة هي مكان لا يستقر على حال سرعان ما يزيل به.
[4] المال والبنون، كل ما فيها ميل للنفس وهو غير الفطرة التي فطر الله الناس عليها اسمه زينة.
* يجب الالتفات إلى موضوع الموت كثيرًا، لماذا يستحب أن يلبس الواحد منا كفنه ويجلس في قبره؟
[5] نهج البلاغة، خطب الإمام علي (ع)، الجزء 1، الصفحات 221- 223.
الرياء وموقف العرفان من النية والعمل
الشيخ شفيق جرادي
نفسك أمانة (1)
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
كن سببًا لنجاح ابنك وتألّقه
عبدالعزيز آل زايد
معنى (عصى) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ
الفيض الكاشاني
التأسيس الَّلاهوتي لفلسفة الحرب (3)
محمود حيدر
مدى تأثير الأوضاع الماليّة للأسرة في نموّ دماغ الرضيع وتطوّر قدراته الإدراكيّة؟
عدنان الحاجي
من آثار فتنة الجمل
الشيخ محمد جواد مغنية
مقام العقل السّامي
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}
الشيخ مرتضى الباشا
الإمام الصادق: مستودع أسرار العلوم
حسين حسن آل جامع
أفق من الأنوار
زكي السالم
تجلّـيت جلّ الذي جمّـلك
الشيخ علي الجشي
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
أيقونة في ذرى العرش
فريد عبد الله النمر
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
خارطةُ الحَنين
ناجي حرابة
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
الرياء وموقف العرفان من النية والعمل
نفسك أمانة (1)
كن سببًا لنجاح ابنك وتألّقه
فيتامين شائع قد يساعد في حماية رئتيك من تلوّث الهواء
معنى (عصى) في القرآن الكريم
أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ
التأسيس الَّلاهوتي لفلسفة الحرب (3)
مدى تأثير الأوضاع الماليّة للأسرة في نموّ دماغ الرضيع وتطوّر قدراته الإدراكيّة؟
شرح سورة الفاتحة
أربعة من شعراء المملكة، يزيّنون أمسيات مهرجان الشّارقة للشّعر العربيِّ