مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد مصباح يزدي
عن الكاتب :
فيلسوف إسلامي شيعي، ولد في مدينة يزد في إيران عام 1935 م، كان عضو مجلس خبراء القيادة، وهو مؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي، له مؤلفات و كتب عدیدة فی الفلسفة الإسلامیة والإلهیات والأخلاق والعقیدة الإسلامیة، توفي في الأول من شهر يناير عام 2021 م.

وسائل تحصيل الإخلاص وقصد القربة في الصلاة (1)

موقعيّة الإخلاص في الصّلاة

 

إنّ أدنى مراتب النيّة في الصلاة، والتي تبطل الصلاة من دونها، هي أن يؤدّي المصلّي الصلاة طاعةً لله وامتثالًا لأمره. يجب أن يكون دافع المصلّي طاعة أمر الله، بحيث إنّه لو لم يكن لله تعالى أمرٌ بشأن الصّلاة، أو لم تكن هذه الصلاة مطلوبةً عند الله، لما أقامها. وبهذه الدّرجة من النيّة والدّافع، تكون صلاة الإنسان صحيحةً ويسقط التكليف عنه ولا يجب عليه إعادتها وقضاءها. أمّا قبول الصّلاة عند الله تعالى فإنّه يرتبط بكون نيّة الإنسان خالصةً وأن يكون في صلاته قاصدًا للتقرّب إلى الله تعالى، فمثل هذه الصّلاة هي التي تؤدّي إلى تكامل الإنسان وتقرّبه من الله... وفي بعض الروايات تمّ تقسيم العبادات وبتبعها النوايا المتعلّقة بها إلى ثلاثة أقسام:

 

عبادة العبيد: وهي العبادة التي يؤدّيها الإنسان خوفًا من عذاب الله.

 

عبادة الأجراء: وهي العبادة التي يؤدّيها الإنسان على أمل الوصول إلى الثواب والجنّة.

 

عبادة الأحرار: هي التي تكون لأجل الله فقط.

 

وهكذا، فإنّ للخلوص درجات ومراتب، وأعلى درجاته هو الخلوص المحض والكامل لله بحيث لا يكون في النفس أيّ دافعٍ أو مطلبٍ، وهي مرتبةٌ عظيمةٌ يجب أن يقطع الإنسان مسافةً طويلةً وشاقّة من أجل الوصول إليها.

 

إنّ الذين يعبدون الله خوفًا من عذابه أو طمعًا بجنّته لم يصلوا إلى الإخلاص الكامل، وتكون درجة خلوصهم ممتزجةً بحبّ الذّات والتوجّه إلى النفس. وما لم يصل الإنسان إلى تلك المرتبة من الخلوص التي لا يرى فيها نفسه ويصبح فانيًا فناءً تامًّا في جمال المحبوب، يجب عليه أن يقطع مسافةً طويلة. ولقد شاهدنا بالعيان كيف تؤثّر أنواع الترغيب والترهيب والتحذير في الأشخاص العاديين، وبالأخص الأحداث، الذين بلغوا سنّ التكليف حديثًا، وتؤدي إلى أن يؤدّوا الصّلاة؛ ولولا هذه الترغيبات والترهيبات، لما كانوا ليصلّوا.

 

كلام المرحوم المجلسي بشأن قصد القربة في الصّلاة

 

للمرحوم المجلسيّ كلامٌ بشأن صعوبة تحصيل الإخلاص في الصّلاة، حيث يقول: “وَأَمَّا الْقُرْبَةُ فَهِيَ أصْعَبُ الأمُورِ وَلاَ يَتَيَسَّرُ تَصْحِيحُها عِنْدَ إِرادَةِ الصَّلاةِ، بل يَتَوَقَّفُ عَلى مُجاهَدات عَظيمَة وَتَفَكُّرات صَحِيحَة وَإِزالَةِ حُبِّ الدُّنْيا وَالأمْوالِ وَالاْعْتِباراتِ الدُّنْيَويَّةِ عَنِ النَّفْسِ… وَالتَّوَسُّلِ في جَمِيعِ ذلِكَ بِجِنابِ الْحَقِّ تَعالى لِيَتَيَسَّرَ لَهُ إِحْدى الْمَعانِي السّابِقَةِ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِ وَقابِلِيَّتِهِ وَما صادَفَهُ مِنْ تَوْفِيقِ اللهِ وَهِدايَتِهِ، فَإِنَّ كُلاًّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ، وَنِيَّةُ كُلِّ امْرِئ تابِعٌ لِما اسْتَقَرّ في قَلْبِهِ مِنْ حُبِّ اللهِ أوْ حُبِّ الدُّنْيا أَوْ حُبِّ الْجاهِ أَوِ الْمالِ أَوْ غَيْرِ ذلِكَ. وقَلعُ عُرُوقِ هذِهِ الأغْراضِ عَنِ النَّفْسِ في غَايَةِ الْعُسْرِ وَالإشْكالِ، وَمَعَها تَصْحِيِحُ النِيَّةِ مِنْ قَبِيلِ الْمُحالِ، وَلِذا وَرَدَ “نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ”. فَكَمْ مِنْ عابد مِنْ أَهْلِ الدُّنْيا يَظُنُّ أَنَّ نيَّتَهُ خالِصةٌ للهِ ولا يَعْبُدُ في جَميِعِ عُمْرِهِ إِلاّ نَفْسَهُ وَهَواهُ”[1].

 

لقد توجّه علماء الأخلاق في كتبهم إلى قضيّة النيّة والإخلاص، وخصوصًا في كتاب “أسرار الصلاة” لحضرة الإمام، والكتب التي ألّفها أمثال المرحوم الشهيد الثاني، والمرحوم الميرزا جواد التبريزي، ويوجد أيضًا في الأبحاث التي تطرّق إليها، كلٌّ من المرحوم الملّا مهدي النراقي، والمرحوم الملّا أحمد النراقي، في هذا الصدد، مطالب في غاية الأهميّة وجديرةٌ بالقراءة. ولعلّه يمكن أن يُقال في هذا المجال إنّ الغزّالي في كتابه إحياء العلوم، قد سبق الجميع في هذا المضمار وطرح هذه الأبحاث بمضمونٍ عالٍ جدًّا.

 

ولحسن الحظّ، قام المرحوم الملّا محسن الفيض الكاشاني، بتنقيح  وتهذيب كتاب “إحياء العلوم” للغزّالي، وعُرف كتابه هذا بالمحجّة البيضاء. وفي هذا الكتاب، ذكر الفيض الكاشاني روايات أهل البيت، مكان تلك الروايات الضعيفة والمخدوشة والتي نُقلت في إحياء العلوم عن أهل السنّة. وبهذه الطريقة أضاف على قيمة وفضيلة هذا الكتاب. وفي المجلّد الثامن من هذا الكتاب، عرض لقضيّة النيّة والإخلاص ضمن مباحث قيّمة جدًّا. وأنا أوصي الجميع بمطالعة هذه الأبحاث، التي لها قيمة عالية وهي قليلة النّظير، ولعلّه يمكن الادّعاء أنّ كل ما كتبه الآخرون في هذا المجال لم يزد عمّا ورد في هذا الكتاب، بل كان أخذ وتلخيص لمباحثه.

 

الرّياء مفسدٌ للصّلاة

إنّ بعض الدّوافع تفسد العبادة فسادًا كاملًا وتبطلها، ولا يكفي أنّها تفرغ هذه العبادة من أيّ أثرٍ إيجابيّ، بل قد تؤدّي أيضًا إلى سقوط الإنسان، ويُعدّ الرّياء أحد أهم موانع تأثير الأعمال العباديّة وأكثرها رواجًا.

 

والرياء يعني إظهار النفس والتظاهر أمام الآخرين، ويعني القيام بالعمل بدافع أن يراه الآخرون ويثنوا عليه ويمجّدوه وهو يلتذّ بمثل هذا المدح ويفرح ويُعجب به. فكلّ من يقوم بالعبادة بهذه النيّة، فإنّه أثناء عبادته، سيتوجّه بكلّ حواسّه وأفكاره وأذكاره من أجل تحقيق رضا الآخرين، وهو غافلٌ عن كون هذا العمل ممّا يرضي الله أو لا!

 

ويوجد في القرآن الكريم آيتان بخصوص الريّاء في الصلاة، ففي إحدى السور القرآنيّة قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ‌﴾[2]. وفي آيةٍ أخرى يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلاً﴾[3]. ولا يكفي أنّ هذه الصّلاة لن تكون ذات فائدة لهم، بل إنّها ستزيد من عذابهم[4].

 

أمّا النقطة المقابلة للرّياء فهي الإخلاص. فالإخلاص عبارةٌ عن قيام الإنسان بالعمل فقط من أجل الالتزام بالأمر الإلهيّ وتحصيل رضا الله، وألّا يكون في قصده ونيّته أيّ شيءٍ آخر سوى هذا. فهو لا يريد أن يظهر نفسه وعمله للآخرين من أجل الحصول على مدحهم وثنائهم، وإنّما ينظر إلى الله فقط.

 

بالطبع، من الممكن أن يكون عمله في محضر الآخرين، ولكن لا يكون قصده أن يراه هؤلاء. لا بل يمكن أن يكون أداء هذا العمل في محضر الآخرين في بعض الموارد أمرًا مستحبًّا ويُعدّ عبادةً إضافيّة، فيما لو أخلص الإنسان قصده، وأدّى العمل لأجل الله فقط. فنجد أنّ الله تعالى يقول في كتابه العزيز في مورد الإنفاق: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً‌﴾[5].

 

يوجد روايات عديدة في مورد إخفاء الإنفاق وعدم إطلاع الآخرين على ما ننفقه. وقد جاء في روايةٍ أنّ الله تعالى يحبّ إذا قام عبده بصدقةٍ أو نفقةٍ ألا تعلم يده اليسرى ما تنفقه يده اليُمنى! ومثل هذه الروايات جاءت من أجل التأكيد على كمال الإخفاء في الإنفاق، ولكن مع ذلك، فإنّ الإنفاق العلنيّ يكون مطلوبًا في بعض الأحيان، ولذلك فإنّ القرآن والروايات قد أمرت بالإنفاق السرّيّ الخفيّ، وبالإنفاق العلنيّ الجهريّ.

 

فالإنفاق العلنيّ يكون من أجل الدعوة إلى هذا العمل الحسن والترويج له، أي أنّنا ننفق أمام الآخرين من  أجل أن يتأسّوا بنا، ويتشجّعوا على القيام بهذا العمل الخيّر. وبالطبع، يجب على الإنسان في مثل هذه الموارد أن يكون حذرًا جدًّا لئلا يتطرّق إليه الرياء والعجب ويفسد عمله. ويوجد حدٌّ دقيقٌ ضيّقٌ جدًّا بين الإنفاق لتذكير الآخرين والإنفاق لأجل الحصول على مدحهم، وما لم يدقّق الإنسان في ذلك، فإنّ إنفاقه قد يصبح إنفاقًا ريائيًّا.

 

ومن هنا يجب أن نكون في غاية الحساسيّة اتجاه هذه القضيّة ونراقب كثيرًا وندقّق، لئلا نقضي عمرنا معتقدين بأنّنا أدّينا صلاتنا على نحوٍ جيّد ويكون قلبنا مطمئنٌّ لذلك، أمّا حين يفتحون كتابنا ويصلون إلى الحساب، يقولون لنا: إنّكم قد صلّيتم كل هذه الصلوات لأجل الناس، فاذهبوا وخذوا أجرها منهم! وقد جاء في إحدى الروايات المرتبطة بخفاء الرياء، أنّه قد يكون الرياء خفيًّا وغير محسوسٍ إلى درجة أنّ الملائكة نفسها لا تلتفت إليه، والله تعالى وحده يعلم بأنّه رياء.

 

إنّ الأعمال التي نقوم بها يجب أن تعبر عدّة محطّات تفتيشٍ قبل وصولها إلى درجة القبول. وقد جاء في هذه الرواية: “أنّ العبد يقوم بالعمل فيرتفع إلى السماء حتّى يصل السماء الأولى، وحين تفتّش ملائكة السماء الأولى المأمورة في فحص هذا العمل لا تجد فيه أيّ مشكلةٍ وتمضيه وتقبله، ثمّ يرتفع هذا العمل إلى السماء الثانية، فلا تجد ملائكة السماء الثانية فيه أي إشكال، فتمضيه وتصدّقه. وهكذا يتدرّج هذا العمل من سماءٍ إلى أخرى حتّى يصل إلى السّماء السّابعة، وبالرغم من أنّه يكون قد تعرّض للتفتيش والفحص سبع مرّات، وفي كلّ مرّة كان الفحص أدق من سابقه، ولم يظهر فيه أي فساد أو خراب وحصل في النهاية على كل علامات القبول، لكنّه حين يصل إلى محضر الله، فإنّ الله تعالى يقول: إنّ هذا العبد لم يؤدّ العمل لي فعليه لعنتي”[6].

 

وعلى كلّ حال يوجد روايات كثيرة في هذا المجال أخشى أن يؤدي نقلها إلى حصول حالةٍ من اليأس. ولكن أؤكّد مرّة أخرى على أنّه ما لم يظهر الإنسان الحذر والهاجس اللازمين، يُخشى من أن يُبتلى بالرياء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] . بحار الأنوار، الجزء 84، الصفحة 372.

[2] . سورة الماعون، الآيات 4-6.

[3] . سورة النساء، الآية 142.

[4] . وقد أشار القرآن الكريم إلى الرياء أيضًا في الإنفاق والزكاة، والرياء في الجهاد أيضًا. ففيما يتعلّق بالرياء في الزكاة يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الاْخِرِ﴾، [النساء، الآية 38]؛ وفيما يتعلّق بالرياء في الجهاد: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النّاسِ﴾، [الأنفال، الآية 47].

بناءً عليه، فإنّ الرّياء لا يختصّ بالصلاة. فإنّ كل عبادة يؤدّيها الإنسان من أجل التظاهر وإراءة الناس تكون عبادةً ريائيّة.

[5]. سورة إبراهيم، الآية 31.

[6] . بحار الأنوار، الجزء 70، الباب 54، الرواية 20، الصفحة 247.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد