مقالات

من آيات الجهاد في القرآن الكريم (23)

ال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ (1).

 

الإشارات والمضامين:

 

1- حرمة الفرار من وجه العدو: لقيتم: من مادة (اللقاء) بمعنى الاجتماع والمواجهة وتأتي في أكثر الأحيان بمعنى المواجهة في ميدان الحرب (2) سواء أكان الكفار هم القادمون إلى المؤمنين، أم كان المؤمنون هم الذاهبون إلى الكفار.

 

زحفاً: الزحف في الأصل بمعنى الحركة إلى أمر ما، بحيث تسحب الأقدام على الأرض كحركة الطفل قبل قدرته على المشي، أو الإبل المرهقة التي تحطّ أقدامها على الأرض أثناء سيرها، وتطلق على الجيش الجرار الذي يشاهد من بعيد وكأنه يحفر الأرض أثناء سيره.

 

ومعنى الآية: يحرم على المؤمنين الفرار من ساحة الحرب حتى لو كان عدوهم قوياً وكثير العدد، وكان عدد المسلمين قليلاً، فللمؤمن مثال بمعركة بدر في ذلك (3).

 

2- فلسفة حرمة الفرار من وجه العدو: قال الإمام الرضا عليه السلام في بيان علّة وفلسفة حرمة الفرار من وجه العدو: "وحرّم الله تعالى الفرار من الزحف لما فيه من الوهن في الدين، والاستخفاف بالرسل والأئمة العادلة عليهم السلام، وترك نصرتهم على الأعداء، والعقوبة لهم على إنكار ما دُعُوا إليه من الإقرار بالربوبية، وإظهار العدل، وترك الجور، وإماتة الفساد، لما في ذلك من جرأة العدو على المسلمين وما يكون من السبي والقتل وإبطال دين الله عزَّ وجلّ وغيره من الفساد" (4).

 

قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (5).

 

هذه الآية تكملة لما ورد من أحكام في الآية السابقة.

 

توضيح المعاني:

 

﴿مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ﴾: بأن يخدع العدو، ويوهمهم أنه ينسحب من المعركة لينصب لهم كميناً.

 

﴿مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾: الالتحاق بجماعة من المقاتلين المسلمين لأنهم بحاجة إلى نصرته.

 

الإشارات والمضامين:

 

1- الفرار من وجه العدو من الذنوب الكبيرة وموجب لسخط الله: الفرار من الجبهة من الذنوب الكبيرة وفي هذه الآية أوجب الله للفارّ من الزحف القهر والعذاب (6). والمهزوم يريد أن يأوي إلى مكان يأمن فيه من الهلاك، لكنّ الله يعاقبه على ذلك بأن يجعل عاقبته التي يصير إليها هي دار الهلاك والعذاب في جهنّم، أي إنّه جُوزِيَ بعكس غرضه من معصية الفرار (7).

 

2- جواز الانسحاب التكتيكي في ساحة القتال: استُثني موردان في الفرار من وجه العدو لا حرمة فيهما، أي إنّ الفرار من وجه العدو حرام، إلا في موردين، والموردان هما: الأول: ﴿مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ﴾ ومعناه أن يذهب المقاتل من مكان إلى مكان أفضل لجهة القتال عن طريق خدع العدو وإيهامه بفراره على الظاهر، وعندها يحمل عليه. والثاني: ﴿مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ﴾ عند فقدان المقاتل القدرة على قتال العدو، وللحصول على القدرة اللازمة يقوم بالالتحاق بفئة من قومه ليقاتل معهم (8).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

آيات الجهاد - جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافية

1- سورة الأنفال، الآية: 15.

2- تفسير الأمثل، ج5، ص 382.

3- م. س، ج5، ص 382.

4- تفسير نور الثقلين، ج3، ص 26.

5- سورة الأنفال، الآية: 16.

6- تفسير نور، ج 4، ص 303.

7- تفسير المنار، ج 9، ص 617.

8- تفسير الميزان، ج 9، ص 37 وتفسير مجمع البيان، ج 3، ص 813.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد