
قراءات إسلامية لموضوعة القيم، الحداثة، الحضارة
رغم علمنا بأهمية المساهمات الأولى التي تلت انهيار الدولة العثمانية، وصعود سيادة الغرب في العالم الإسلامي وما أفرزته هذه المرحلة، وما تلاها من مرحلة ثقافة الإسلام الحركي التي مثلتها الأحزاب الإسلامية.. إلا أننا سنقصر معالجة هذا الموضوع على بعض النتاجات الإسلامية المتصلة بمشاريع ثقافية حوارية مع الحداثة، أو تلك المتصلة ببناء أفق لمشروع حضاري إسلامي أخذت معالمه تتضح بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران وبنائها دولة تحتضن هذا المشروع..
أما الأنموذج الأول الذي سنعالجه فهو مشروع “العالمية الثانية للإسلام”: والذي تولّد عنه مشروع ثقافي تحت عنوان، إسلامية المعرفة التي سعت لمواجهة النتاج الثقافي والفكري الحداثوي بأسلمة هذا النتاج. وبغض النظر عن مدى موفّقية هذا المشروع، وعن الإشكاليات المنهجية التي وقع فيها، فإن الملفت فيه هو اعتباره أن العلوم حيادية الذات والشكل، وأنها لو أعطيت روح قيم غربية فستوظّف غربيًّا، كما أنها لو نفخ فيها من روح القيم الإسلامية فستتجه للتماهي أو التكامل مع الأطروحة الثقافية الإسلامية.. وهذا يعني أن الإيجابية هي القيمة الحاكمة في مثل هذا المشروع، ولو انطوى على قيمة إضافية حكمت المسار الرؤيوي للمشروع وهي التوفيقية بين النتاجات الحضارية، بل بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانوية، والرافد الإسلامي.
توفيقية، قد يستشعر القارئ دخولها بشكل إسقاطي. ولعلّ من أخطر تجلّيات هذا المشروع الأساسي هو ما قدّمه (محمد أبو القاسم حاج حمد) في كتابه (الحاكمية) من قراءة نقدية لمفهوم الحاكمية عند الحركات الإسلامية. ومحاولته التأسيس، على بناءات قرآنية، لمفادات قسَّم فيها مفهوم الحاكمية إلى مراحل من التوظيفات القيمية.
أولها: اعتبار أن الحاكمية تندرج في سياق الجبرية اللاهوتية التي إذا ما ارتبطت بالتشريع، فإنّ الله فيها سيعمد إلى أربعة أمور:
1 – قيادته المباشرة للمجتمع. وما دور الأنبياء إلا إجراء التنفيذ اليومي.
2 – أن يبرز خوارق الهيمنة على الطبيعة والإنسان.
3 – أن يحدّد لحاكميته أرض مقدّسة.
4 – أن يقابل كل خطيئة بعقاب صارم ومباشر.
ثانيها: حاكمية الاستخلاف، التي يقودها ملوك لا أنبياء.. من مثل داوود وسليمان، وهي تقوم على قاعدة التسخير لقوى الكون.
ثالثها: الحاكمية البشرية، والتي تلت مرحلة نبوّة رسول الله محمد (ص)، إذ صارت الرسالة الإلهية خطابًا عالميًّا لا ينحصر بالقبلية، “ثم نفهم حاكميتنا البشرية التي تتجاوز بنا عبر الكتاب (القرآن) ضيق اللاهوت الجبري، وضيق العلمانية باتجاه الوعي الكوني المطلق”[1]. لذا، وجّه اهتمامه إلى إصلاحية تتجاوز قراءة النص أو اعتماد أو معرفة مقاصده، نحو السبر في خلفيات النص، إذ “بالمنهجية القرآنية كوعي يعادل موضوعيًّا الوجود الكوني وحركته، وعبر الجمع بين القراءتين، حيث يتحقق الوعي الإنساني بالوحدة الجدلية الرابطة بين الغيب والإنسان والطبيعة، يطرق الإنسان أبواب عالميته الإسلامية الشاملة. وكذا يطرق أبواب وجوديته الكونية”[2].
لكن المشروع في حقيقته لم يسع – وبرغم مفردياته الممكنة، في مقابلة الحداثة الغربية على محورية البشرية – إلا إلى حل مشكلة قيم المعرفة العلمية المعاصرة، وإعطائها صفة العالمية. باعتبار العالمية صارت واقع الحياة المعاصرة.
الأنموذج الثاني: وهو الذي قدّمه المفكّر المغربي “طه عبد الرحمن” في مساهمته التي قدّمها حول قراءة الحداثة، والتي ميّز فيها بين روح الحداثة، وهي روح عامة مبنيّة على جملة من القيم الخاصة، ومصداق الحداثة التي تختلف من حضارة لأخرى. والتي تمثل فيها الحداثة الغربية مجرّد نموذج له خصوصياته القيمية، وهو أمرٌ لا يمنع الإسلام والمسلمين من أن تكون لهم حداثتهم وقيمهم الحداثوية الخاصة أيضًا.
فبعد أن أخد “عبد الرحمن” باستعراض التعريفات الخاصة بالحداثة من مثل أنها: حقبة تاريخية متواصلة ابتدأت في أقطار الغرب، أو هي مجموعة مواصفات طبعت هذه المرحلة، أو هي النهوض بأسباب العقل والتقدّم والتحرر، أو هي ممارسة السيادة على الذات والطبيعة والمجتمع عن طريق العلم والتقنية، ومن قائل: إنها قطع الصلة بالتراث وأنها العقلنة، أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان إلخ.. ليخلص إلى تبنّي ما قاله هابرماس إنها مشروع غير مكتمل. ومن هنا، فإنّ “عبد الرحمن” يطرح رأيه بأن روح الحداثة غير واقع الحداثة الغربي.. وأنّ هذه الروح الخاصة بالحداثة تقوم على مبادئ ثلاث، هي: مبدأ الرشد، ومبدأ النقد، ومبدأ الشمول[3].
وأنها بمقتضى المبدأ الأول فإنها تنقل الحضارة من القصور والتبعية إلى الرشد والاستقلال كما الإبداع. وبمقتضى المبدأ الثاني، فإنها تؤمّن الانتقال من حال الاعتقاد إلى الانتقاد القائم على ركنين: التعقيل، والعقلنة هي التفصيل في الأمور للتمييز بينها. أما بمقتضى المبدأ الثالث، فإن الأصل في الحداثة الإخراج من حال الخصوص إلى حال الشمول؛ والمقصود من الخصوص، حدود مجال المعلومة، وحدود المجتمع. أما الشمول، فإنّه يتوسّع بالحداثة إلى كل مرافق الحياة فتؤثر في مجالات الفكر والدين والعلم والأخلاق. أما التعميم الذي تقدّمه الحداثة فهي تجاوزها لمجتمع خاص نحو العالمية [4].
وبهذا، فإنّا نلحظ الطابع القيمي الحاكم على المبحث بمجمله، بحيث لا يمكن الدخول إلى الحداثة بما هي روح الحضارة القائمة ذات الحاكمية السيادية، إلا من باب تفصيل القيم البانية لها والمتفرّعة عنها، كما يمكن أن نلحظ أن لا موقفًا سلبيًّا من المصطلح الحميم عند الغرب. بل هو واحد من تقاطعات الصلة الكونية بجدلية بانية للرسالة العالمية، والتي لم يتخل الباحث عن تقديم نموذج إسلامي حيّ يحمل كل مكوّناتها القابلة للتعميم – حسب رأيه – والذي طرحه في كتابه “الحداثة والمقاومة”.. وذلك بعد قيامه بتقديم تعريفه الخاص للحداثة: “إن الحداثة عبارة عن نهوض الأمة، كائنة ما كانت، بواجبات واحد من أزمنة التاريخ الإنساني بما يجعلها تختص بهذا الزمن من دون غيرها وتتحمل مسؤولية المضيّ به إلى غايته في تكميل الإنسانية”[5].
إذن، لا بدّ من حراك يبعث الحياة من داخل الحضارة نفسها، ولا بدّ من جهد واجتهاد لتحقيق الأهداف والقيم الإنسانية العليا. ويعتقد أنّ الحكومات الإسلامية وإن فقدت القدرة على إحداث مثل هذه الغاية، إلا أنّ الشعوب بحركاتها المقاومة، باعتبار المقاومة قيمة تتفرّع عن أصول القيم الكبرى، هي المؤهّلة لقيادة المشروع الحداثوي الإسلامي. من هنا، فإنه يقول: “إن الأنموذج الإسلامي في المقاومة، متمثلًا في حرب تموز 2006 أدخل الأمة في طور فاصل من أطوار الحداثة الإسلامية التي ابتدأت يوم أن قررت الأمّة أن تتولى أمرها بنفسها”[6].
إلا أنّ هذا الأنموذج لمقاربة الحداثة، ليس على نفس السياق مع من يرفضون مبدأ الحداثة ومشتقاته من الإسلاميين، إذ يعتبرون أنّ نهوض حضارة الأمة يقوم على مقصد التجديد وليس الحداثة.
الأنموذج الثالث: وهو الذي يمثل الوعي المتوتر في رفض أي مقولة تنتمي إلى الغرب وحضارته، ومن موقع أنّ القيم الإسلامية لا يمكن لها أن تستقيم على وفاق مع قيم الحضارة الغربية. ويعد “عبد الوهاب المسيري” في كتابه (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة)، واحدًا من أكثر المتبنّين لهذا التناقض القيمي بين حضارتي الإسلام والغرب.. وهو تناقض عبّر فيه عن سلبية الحضارة والحداثة الغربية في مقالة مطوّلة له في مجلة “وجهات نظر” تحت عنوان: (نحو حداثة إنسانية)، يعتبر فيها أن التعريف الذي قدّمته الحداثة لنفسها على مستوى (المعاجم) ليس هو ما يُعبِّر عن حقيقتها بحسب الواقع والمسار التاريخي للحداثة الغربية. إذ إنّها ليست مجرّد استخدام للعقل والعلم والتكنولوجيا، بل هي استخدام كل ذلك بشكل منفصل عن القيم. علمًا أنّ العالم المتجرّد عن القيم هو عالم منفصل عن الإنسان، عالم الصيرورة المادّية، حيث يخضع الإنسان لسطوة المادة، ويقع رهن النسبية وعدم القدرة على التمييز بين الخير والشر. ففي غياب القيم المطلقة يصبح الفرد أو الجماعة هما مرجعية أنفسهم والخير ما يرونه ضيرًا، وكذا الحق والصواب. “وقد أدّى هذا إلى ظهور القوة والإرادة الفردية آلية واحدة لحسم الصراعات وحل الخلافات”[7].
وهكذا رأى المسيري سواءً في تحليله للحداثة أو العلمانية أنهما تقومان على قيم غربية بحتة نزعت القداسة عن العالم، وشيّأت الإنسان وطرحت العقلنة والترشيد لتحوّل المعاني والروح والقيم إلى مجرّد أرقام، وهذا ما يفتح العالم على القلق الذي لا منفذ منه إلا بالعودة نحو القيم المطلقة.. إلا أن هذا الأنموذج من النفاذ للمنظومة الغربية يضعنا على أبواب توقع البديل دون أن نلمس عندهم ما يلج في قلب المشروع العملاني للحضارة الإسلامية.
ولعلّ اهتمامهم بالجانب المعرفي فاق كل اهتمام. لكن والحق يقال: إن مشروع “طه عبد الرحمن” قد دخل إلى موضوعات القيم الإنسانية والحضارية من نافذة الطروحات المعرفية العميقة لمبادئ القيم الإسلامية، بحيث إننا لا نستطيع في أي مبحث للقيم أن نتجاوز طروحات هذا المفكّر النوعية، التي وإن غلبت عليها الروح الصوفية، لكنها يبقى لها قصب السبق في التصدّي لهذا الموضوع البالغ الحساسية.
الأنموذج الرابع: وهو الذي واكب من موقعه الاجتهادي مرحلة ثقافة الإسلام الحركي، خاصة في تحدّياته مع المد الشيوعي واليساري، ثم تفاعل مع مرحلة بدايات الإسلام الحضاري الذي بنى لنفسه دولته الخاصة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.. وهذا الأنموذج يتمثّل بالسيد محمد باقر الصدر الذي سعى للمزاوجة بين الاجتهاد الفقهي ومواكبته الفكرية للنموذج الماركسي، وبعض مظاهر الليبرالية الرأسمالية.. وقد صنّف بسبب هذه المزاوجة كتابَي: “فلسفتنا” و”اقتصادنا” كمسعى جدّي لخوض غمار الجدل الديني والفلسفي مع الماركسية، ومحاولة رسم بعض معالم المذهب الإسلامي على المستوى الاقتصادي.
إلا أن السيد الصدر، وانطلاقًا من مرحلة الإطلالة على الشأن العام من موقع الناقد لبعض الأنظومات الغربية، وبرغم معايشته للمرحلة الأولى لبدايات الإسلام الحضاري ظلّت أفكاره تتمحور حول أن المشكلة الأساسية في العالم هي المشكلة الاجتماعية. من هنا، رأينا كيف أنه توّج مرحلته الأولى بكتاب المدرسة الإسلامية الذي قال فيه: إن الإشكالية الأساسية هي حسب قوله: “مشكلة العالم التي تملأ فكر الإنسانية اليوم، وتمسّ واقعها بالصميم، هي مشكلة النظام الاجتماعي التي تتلخص في إعطاء أصدق إجابة عن السؤال الآتي: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية؟”[8]. فالمشكلة الاجتماعية إذن، هي الأصل ولا حديث له حول أفق حضاري ما، وإن عمل دومًا وبشكل جدّي على البحث عن منظومة الموضوعات الاجتماعية الحسّاسة من مثل: المذهب الاقتصادي أو المذهب الفكري، ولقد كان يدمج على الدوام هذه القراءات بأصول من القيم العليا البانية لتلك الأنظومات الثقافية والاقتصادية وغيرها..
وتأسيسًا على هذه المرحلة من حياته الفكرية التي غلب عليها إطار المعالجة النقدية للأنموذج الماركسي في قراءته المعرفية بالأساس، وللنموذج الغربي بالتبع. فإنه ومع التقائه بالمرحلة الثانية من تطوره الذي واكب فيها مشروع الإسلام الحضاري أخذ يقدّم بعض القراءات للنهضة الإنسانية للإسلام، وكيف أنها تُبنى على قيم قرآنية مؤسِّسة للحياة المستقبلية، وكيف أن هذه النهضة تطمح لتأخذ موقعها الرائد في بناء المشروع السياسي للإسلام والمساهمة التاريخية لبناء العالم، وإن على أصول من القيم السامية الناشئة من مبدأ الاستخلاف الإلهي.. وبالرغم من إرهاصات التنوّع الثقافي والذي يشي بإمكانية التقدّم نحو بناء فكر وقيم حضارية إسلامية خاصة، إلا أنّ مشروع السيد الصدر لم يعالج موضوعة الحضارة بشكل مباشر.. على الرغم من قراءته في كتاب “السنن التاريخية في القرآن” لأهم عناصر مرتكزات الحضارة، وهي: “أولًا الإنسان، ثانيًا الأرض أو الطبيعة على وجه عام. ثالثًا العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالأرض والطبيعة، وتربط من ناحية أخرى الإنسان بأخيه الإنسان، وهذه العلاقة المعنوية هي التي سمّاها القرآن الكريم بالاستخلاف”[9].. هذا، وبالرغم من تقديمه لمرتكزات البناء الحضاري.. إلا أنه أطلق عليها اسم: عناصر المجتمع.. فهل هناك من موقف سلبي تجاه الحضارة؟ أم أن المصطلح لم يكن واردًا في ثقافته؟ أم أن الحضارة بمعناها الفعلي لم يشتغل بها العقل المسلم إلا كتاريخ مضى، وهو لم يعد يطمح لها بعد ذلك؟
هذا، مع العلم أنّ السيد الصدر بكَّر بربط عقيدة خروج المهدي (عج) بحدوث فراغ حضاري تعاني منه الإنسانية، يستلزم التمحور حول أمل يتمثل بحضارة تختلف عن الحضارات القائمة. وهذه الحضارة هي الإسلامية الواعدة بخروج المهدي الموعود.. فهو في معرض معالجته للظروف التي سيخرج فيها المهدي (عج) يقول: “هناك افتراض أساسي واحد بالإمكان قبوله على ضوء الأحاديث التي تحدّثت عنه، والتجارب التي لوحظت لعمليات التغيير الكبرى في التاريخ، وهو افتراض ظهور المهدي (عج) في أعقاب فراغ كبير يحدث نتيجة نكسة وأزمة حضارية خانقة. وذلك الفراغ يتيح المجال للرسالة الجديدة أن تمتد. وهذه النكسة تهيء الجو النفسي لقبولها، وليست هذه النكسة مجرّد حادثة تقع صدفة في تاريخ الحضارة الإنسانية، وإنما هي نتيجة طبيعية لتناقضات التاريخ المنقطع عن الله – سبحانه وتعالى – التي لا تجد لها في نهاية المطاف حلًّا حاسمًا فتشتعل النار التي لا تبقي ولا تذر. ويبرز النور في تلك اللحظة ليطفئ النار ويقيم على الأرض عدل السماء”[10].
إننا نتلمّس في هذا النص وعيًا خارج إطار اللحظة، يعيش الحضارة الإسلامية مستقبلًا جديدًا بقيادة العصمة الإلهية التي يمثلها القائد الإلهي، ضمن ظروف موضوعية ونفسية تجعل اللجوء إلى الدين هو الملاذ الذي يُخرج الإنسانية بسبب انقطاعها عن القيم المطلقة من ظلمات الألم والعذاب والقلق، إلى عدل السماء بعد أن تتصل الأرض بالسماء عبر قيم إحقاق الحق والعدل.
الأنموذج الخامس: وهو الذي انطلق من محورية قيم العدالة الإلهية في مشروعه التنظيري المواكب لحركة الواقع. والذي عاش في أحضان قيادة ثورية إسلامية طامحة لبناء الإسلام الحضاري المعاصر.. وهذه الشخصية هي “مرتضى المطهري” الذي أكثر ما ركّز أبحاثه على قيم الإسلام في معالجاته المتنوّعة.. إذ ركّز على قيم التوحيد في الرؤية الإسلامية للعالم.. وقيم الحق في إطلاقه عند مناقشته للقيم النسبية. وقيم العدالة في مقاربة الإسلام لمتطلبات الحياة والإنسانية بمتغيراتها. وقيم الحرية والاستقلال عند مواكبته لبدايات النهضة الإسلامية المعاصرة لمشروع الإسلام الحضاري الذي ابتعثه الإمام الخميني (قده).
هذا، ويمكننا القول: إنه نظر للعدالة أو العدل كقيمة مركزية كبرى في الرؤية والتفريغ الإسلامي “فإذا دققنا النظر في القرآن وجدناه يدور حول محور واحد هو العدل… فالعدل في القرآن قرين التوحيد وركن المعاد، وهدف تشريع النبوة، وفلسفة الزعامة والإمامة، ومعيار كمال الفرد، ومقياس سلامة المجتمع”[11].. ففي الموارد التي يتعلق فيها العدل بالنبوة أو التشريع والقانون، فإنه يعتبر معيارًا ومقياسًا لمعرفة القانون، أما في الموارد التي يتعلق فيها بالإمامة والقيادة، فإنه يعدّ نوعًا من اللياقة، وفي الموارد الأخلاقية يعتبر أملًا إنسانيًّا، وفي المجالات الاجتماعية يعدّ مسؤولية”[12]. فالعدل في الإسلام – حسب المطهري – قيمة تنطوي في القرآن الكريم على امتدادات تتصل بالتوحيد بإفاضة الكمالات اللائقة بالموجودات، وهي، هذه القيمة، سر الحساب يوم القيامة، وعليها ينبني حكم مصير الإنسان، وهي الغاية العظمى لبعثة النبوّات والرسالات، كما أنها ملاك تكامل جهاد الفرد في بناءاته الذاتية والنفسية المتصلة بانعكاس العدل على موقع الإنسان في تدبيره للحياة والشأن العام، ومستويات تحمّله للمسؤولية، بل إن قيمة العدل هي التي تعطي للمبادئ الأخلاقية أفقها الإنساني الذي يثمر أملًا وتوقًا طامحًا نحو السعادة والكمال. وجملة هذه القيم المتفرّعة عن قيمة العدل الكلية والمتسامية النابعة من قيمة الارتباط بالمطلق سبحانه، هي التي تقدّم منارات التفكّر في مسار وبناء ومصير الحضارات في علاقاتها، أو في تأسيساتها، والتي لا بدّ أنها تنتظر تحقّق هذه القيم ببعدها الفلسفي والنظري، بالأنموذج العملي الذي يولّد قيمًا خاصة بحدود معيّنة أو محكومة بحيثيات زمنية ومكانية تشاطر القيم العليا روحها النافحة حياةً وتساميًا في المطلب والأصل الإنساني.
وحول طبيعة وأنواع القيم عند المطهري يتحدّث صاحب كتاب مبدأ العدل عند الشهيد مرتضى المطهري، أنّ المطهري يلفت إلى وجود نزعات مقدّسة عند الإنسان، ووجود نزعات تمحورية؛ ومقصوده بالنزعات التمحورية أنّ هناك قيمًا تدور مدار محورها وجودًا وعدمًا. وعلامة قيمة شيء لشيء هي مؤثريته فيه. ويدور هذا التأثير مدار الحاجة والنقص بأن يكون سادًّا للحاجة ومتمّمًا للنقص. وتارة ننظر للقيم المحورية كعلاقة مباشرة بشيء معيّن مثل قيمة الأمن للاستقرار النفسي عند الإنسان مثلًا.. وأخرى تنظر لعلاقة قيمة معيّنة بالإنسان لا بذاته، بل لتأمين احتياجات أخرى من الكمالات والرفاهية والمتع[13]..
إلا أن للشهيد المطهري نظرة خاصة للنزعات المقدّسة غير التمحورية، إذ يرى أنها “نزعات يراها الإنسان في وجدانه في مرتبة أعلى وأرفع. وكلما ارتفع ميزان تمسّك الإنسان بهذه الميول، ازداد اعتبار الناس لرفعة هذا الإنسان”.
وهكذا، فإن مبحث القيم عنده انطلق من قيم تتجاوز الإنسان ليطمح لها في كيانه ووجدانه، وهي القيم العليا، وقيم تتمحور حول الإنسان، وهي القيم التي تتفرّع وتتشعّب حسب المصالح والاحتياجات والرغبات الإنسانية، ومنها ما هو مادي مآله الزوال، ومنها ما هو معنوي يحفظ استمرار الذات.. إلا أنّ هذا النوع من مباحث القيم يلبّي قراءة الحياة الفردية للإنسان، أو الفرد داخل جماعته، إلا أنها لم تصل لتكون أبحاثًا تطال بشكل مباشر القيم الحضارية أو المؤسسة للحضارة، وإن كانت في بعض مظاهرها تصلح لتكون القيم المؤسِّسة للقيم الحضارية الإسلامية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – أبو حمد، الحاكمية، ص 35.
[2] – م.ن، ص 117.
[3] – روح الحداثة، ص 24.
[4] – أنظر، روح الحداثة الفصل الأول.
[5] – طه عبد الرحمن، المقاومة والحداثة، ص 20.
[6] – م.ن، ص 42.
[7] – راجع كتاب العلمانية الشاملة والجزئية، دار الشروق، الطبعة الأولى 2002، ومجلة وجهات نظر، العدد التاسع والثمانون.
[8] – السيد محمد باقر الصدر، المدرسة الإسلامية، دار الزهراء، عام 1973م، ص 11.
[9] – السيد الصدر، السنن التاريخية في القرآن، دار التعارف، ص 98.
[10] – السيد الصدر، بحث حول المهدي، دار التعارف 1981، ص 90.
[11] – الشهيد مطهري، العدل الإلهي، الدار الإسلامية، 1997م، ص 46- 47.
[12] – م.ن.
[13] – سمير خير الدين، مبدأ العدل، دار المعارف الحكمية، ص 215.
تأخير التوبة اغترار
الشيخ مرتضى الباشا
حين نعيش لأجل الماضي.. كيف نفقد معنى الحياة؟
السيد عباس نور الدين
المنطقة الدماغية المرتبطة بالتناقض الأخلاقي
عدنان الحاجي
نحو فلسفة القيم الحضارية (3)
الشيخ شفيق جرادي
منشأ استجابة الحسين (ع) لأهل الكوفة
الشيخ محمد صنقور
غزوة حنين في الرّابع من شهر شوّال
الشيخ محمد جواد مغنية
دخول المسجد وفتح خيبر
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (أدّ) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
الحداثة المستعلية بتغطية فلسفيّة (2)
محمود حيدر
كن عظيمًا
الشيخ علي رضا بناهيان
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
بين احتمال ومحض تجريد
محمد أبو عبدالله
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
تأخير التوبة اغترار
حين نعيش لأجل الماضي.. كيف نفقد معنى الحياة؟
المنطقة الدماغية المرتبطة بالتناقض الأخلاقي
نحو فلسفة القيم الحضارية (3)
منشأ استجابة الحسين (ع) لأهل الكوفة
الخامس من شوّال من العام ستّين للهجرة، وصول مسلم بن عقيل إلى الكوفة
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
كيف نشجّع أولادنا على مصارحتنا؟
غزوة حنين في الرّابع من شهر شوّال
دخول المسجد وفتح خيبر