من التاريخ

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

حديثٌ حول التوقيع الشريف للإمام المهديّ (عج) (1)

الحديثُ حول التوقيع الشريف الصادر عن الإمام الحجَّة (ع) من طريق السفير الرابع والذي أعلنَ فيه الإمام (ع) عن انقضاء عصر الغيبة الصغرى بموت السفيرِ الرابع الشيخِ عليِّ بن محمَّد السمري رحمه اللهُ تعالى. وقبل قراءة التوقيع الشريف يحسنُ بنا الإيضاح لأمورٍ أربعة:

 

أساس الفرق بين الغَيبتين الصغرى والكبرى:

 

الأمر الأول: أساسُ الفرق بين الغَيبتين الصغرى والكبرى هو أنَّ الإمام المهدي (ع) في ظرف الغَيبة الصغرى كان يتَّصل بشيعته بواسطة نوَّابه وسفرائه، فكان الشيعةُ يرفعون أسئلتهم وحوائجهم للإمام (ع) مِن طريق نوَّابه، فتخرجُ إليهم الأجوبةُ من طريق النوَّاب، فلم يكن الإمامُ (ع) في عصر الغيبة الصغرى منقطعًا عن شيعته انقطاعًا تامًّا بل كان بينه وبينهم اتِّصالٌ ولكن بالواسطة، وبعد وقوع الغيبةِ الكبرى أصبح انقطاعُ الشيعة عن الإمام (ع) تامًّا، فلم تعُد لهم واسطة يتَّصلون من طريقِها بالإمام (ع) ولذلك وُصفت هذه الغيبة في بعض الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) بالغيبة التامَّة [1] وذلك لانقطاع جميع وسائل الاتِّصال بين الشيعة وبين الإمام (ع) فصارَ عليهم أنْ يرجعوا في مختلفِ شؤونهم الدينيَّة إلى الفقهاء العدول.

 

فالإمامُ (ع) في الغَيبتين لم يكن يظهرُ لشيعته ولكنَّه في ظرف الغيبة الصغرى كان يتَّصل بهم عن طريق نوَّابه فذلك هو الفارق بين الغيبتين، ولهذا كانت الغيبة الصغرى تمهيدًا للغيبة التامَّة والتي انقطع فيها الإمام (ع) عن شيعته انقطاعًا تامًّا، وهذا هو ما يُميِّز الغيبة الكبرى عن الغيبة الأولى المعبَّر عنها بالصغرى.

 

وهذا الذي ذكرناه قد نصَّ عليه الأعلام، فمِن ذلك ما أفاده أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني البغدادي المعروف بأبي زينب النعماني المتوفى سنة 360 ه قال في كتاب الغيبة:

 

".. فأمَّا الغيبة الأولى فهي الغيبة التي كانت السفراء فيها بين الإمام (عليه السلام) وبين الخلق قيامًا منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان، يخرج على أيديهم غوامض العلم، وعويص الحكم، والأجوبة عن كلِّ ما كان يُسأل عنه من المعضلات والمشكلات، وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيامُها وتصرَّمت مدَّتُها، والغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط للأمر الذي يُريده الله تعالى، والتدبير الذي يُمضيه في الخلق، ولوقوع التمحيص والامتحان والبلبلة والغربلة والتصفية على مَن يدَّعي هذا الأمر، كما قال الله عزَّ وجل: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾.." [2].

 

ومن ذلك: ما أفاده الشيخ المفيد في الإرشاد قال: "والقائم بالحقِّ، المنتظر لدولة الإيمان، وله قبل قيامه غيبتان، إحداهما أطول من الأخرى، كما جاءت بذلك الأخبار، فأمَّا القصرى منهما فمنذ وقتِ مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته وعدم السفراء بالوفاة. وأمَّا الطولى فهي بعد الأولى، وفي آخرها يقوم بالسيف" [3].

 

ومن ذلك: ما أورده الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة بسنده عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه صاحب كتاب كامل الزيارات وهو شيخ المفيد والغضائري وغيرهما من أعلام الطائفة تُوفي سنة 368ه قال: ".. لأنَّ عندنا أنَّ كلَّ من ادَّعى الأمر بعد السمري رحمه الله فهو كافرٌ منمِّس ضالٌّ مضلٌّ، وبالله التوفيق" [4].

 

أقول: ومعنى قوله: كافر هو أنَّه على حدِّ الكفر بالله العظيم، ومعنى قوله: منمِّس هو أنَّه محتال ومخادِع أي أنَّه منافق.

 

امتدَّ عصرُ الغيبة الصغرى تسعًا وستين سنة:

 

الأمر الثاني: امتدَّ عصرُ الغيبة الصغرى تسعًا وستين سنة، بدأتْ باستشهاد الإمام العسكري (ع) سنة مائتين وستين للهجرة وانتهت بوفاة الشيخ عليِّ بن محمَّد السمري سنة ثلاثمائة وتسعة وعشرين للهجرة، وقد تعاقب على تحمُّل أعباء النيابة والسفارة أربعةٌ من أعلام وعظماء الشيعة المُجمَع على جلالة قدرِهم وعلوِّ منزلتهم، وكان تولِّيهم لشؤون النيابة والسفارة قد ثبت لهم بالنصِّ الصريح من الإمام العسكري (ع) والإمام المهدي (ع) فكان أولُ السفراء الشيخ أبا عمرو عثمان بن سعيد العمري المعروف بالسمَّان، وقد امتدَّت نيابتُه للإمام (ع) قرابةَ الخمس سنوات، وبعد وفاته صدر النصُّ بتعيين ابنه أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري، والذي ظلَّ يحملُ أعباء النيابة قرابة الأربعين سنة إلى أنْ تُوفي في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع أو خمس وثلاثمائة، فقام مقامَه أبو القاسم الحسينُ بن روح النوبختي بنصٍّ من أبي جعفر محمد بن عثمان، وبقي قرابة العشرين سنة إلى أنْ تُوفي في شعبان سنة ستٍّ وعشرين وثلاثمائة، فقام مقامه أبو الحسن عليُّ بن محمد السمري بنصِّ أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي، وتُوفي بعد خمس أو أربع سنوات من تولِّيه شأن النيابة في النصف من شعبان سنة ثلاثمائة وتسعٍ وعشرين، وقيل سنة ثلاثمائة وثمان وعشرين، وبوفاته انقطعت النيابة الخاصَّة وانقضى عصرُ الغيبة الصغرى ووقعت الغيبة التامَّة المعبَّر عنها بالغيبة الكبرى.

 

تثبتُ النيابة بالنصِّ الصريح:

 

الأمر الثالث: كان تعيين النائب للإمام المهدي (ع) في عصر الغيبة الصغرى يتمَّ -كما ذكرنا- بواسطة النصِّ الصريح عليه مِن قِبل الإمام (ع) فكان تعيينُ السفير الأول قد تمَّ النصُّ عليه من قِبل الإمام العسكري (ع) ثم إنَّ السفير الأول أخبر أنَّ الإمام المهدي (ع) قد نصَّ على أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري، وهكذا فإنَّ أبا جعفر العمري أخبر عن الإمام (ع) أنَّه نصَّ على أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي من بعده، ثم إنَّ أبا القاسم أخبر عن أنَّ الإمام (ع) قد نصَّ على الشيخ عليِّ بن محمد السمري من بعده ورغم أنَّ ذلك كان كافيًا للتثبُّت من دعوى أنَّ التعيين قد تمَّ من طريق الإمام (ع) إلا أنَّه ورغم ذلك كان يُصاحب النصَّ بالتعيين أماراتٌ قطعيَّة تُفضي لليقين بكونه المعيَّن من قبل الإمام (ع) فكانت تظهرُ على يديه الكرامات وكان يُخبِرُ عن الإمام (ع) بالعديد من المُغيَّبات التي تقع بعد حينٍ كفلقِ الصبح بالنحو الذي أخبر به عن الإمام(ع) [5].

 

يقول الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في الاحتجاج: ولم يقم أحدٌ منهم بذلك إلا بنصٍّ عليه مِن قِبَل صاحب الأمر عليه السلام، ونصْبِ صاحبه الذي تقدَّم عليه، ولم تقبل الشيعةُ قولهم إلا بعد ظهور آيةٍ معجزة تظهر على يد كلِّ واحدٍ منهم مِن قِبَل صاحب الأمر عليه السلام، تدلُّ على صدق مقالتهم، وصحَّة بابيَّتهم" [6].

 

المراد من مصطلح التوقيع:

 

الأمر الرابع: مصطلح التوقيع الشريف يُطلق غالبًا على الجوابات المكتوبة والبينات الصادرة عن الإمام المهدي (ع) والتي تصلُ إلى الشيعة عن طريق أحد سفرائه، فقد كانت تُرفع من قِبَل الشيعة إلى الإمام (ع) عن طريق السفراء الكثيرُ من الأسئلة في مختلف الشؤون الدينيَّة والحياتية، فكان الإمام (ع) يُجيبُ عليها كتابيًّا ويتمُّ إيصالها لأصحابها من طريق السفراء، وكذلك كانت تصدرُ عن الإمام (ع) ابتداءً بياناتٌ وتوجيهاتٌ وتوصياتٌ وإرشاداتٌ عامَّة أو خاصَّة، هذه البيانات والجوابات المكتوبة التي تصلُ الشيعة من طريق السفراء يُعبَّر عنها بالتوقيعات.

 

ومنشأُ التعبير عنها بالتوقيعات هو أنَّها كانت مختومةً وموقَّعة بخاتمِه الشريف، فكان مِن هذه التوقيعات التوقيع الشريف الذي صدر عن الإمام (ع) عن طريق سفيره الرابع والذي اشتمل على الإعلان عن انقضاء أمدِ الغيبة الصغرى بموت السفير الرابع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- كمال الدين وتمام النعمة -الشيخ الصدوق- ص433، الغيبة -الشيخ الطوسي- ص394، 395.

[2]- الغيبة -الشيخ النعماني- ص178، ولاحظ أيضًا الغيبة -الشيخ الطوسي- ص61، الغيبة -الشيخ النعماني- ص164.

[3]- الإرشاد -الشيخ المفيد- ج2 / ص340.

[4]- الغيبة -الشيخ الطوسي- ص412.

[5]- لاحظ كتاب الغيبة -الشيخ الطوسي- ص353-396.

[6]- الاحتجاج -الشيخ الطبرسي- ج2 / ص297.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد