
الخاصية الثالثة: أن الصيام هو في الحقيقة عملية مجاهدة ومقاومة ضد الهوى والشيطان والنفس الأمارة بالسوء والشهوات والملذات التي يتطلبها الجسد ويلح عليها بهدف الاستعلاء عليها والسمو فوقها وضد عوامل الشر في داخل النفس وخارجها لصالح العقل والقلب والروح والخير والحق والعدل في المجتمع. وهذا يؤدي إلى قوة التعقل وبناء الإرادة الصلبة والقوة والصمود والثبات والصبر في المواقف ومواجهة التحديات والعقبات والصعوبات والمزالق الداخلية والخارجية كافة التي تواجه الإنسان في الحياة حتى ينجح في تحطيمها والانتصار عليها.
حينما تمور حياة الإنسان بالحركة، ويلفها التحدي والصراع مع الطبيعة وبين الأفراد والقوى على الأصعدة والمستويات كافة، تبرز أمام الإنسان صعوبات وعقبات ومشكلات ومزالق ومغريات كثيرة، يسعى لمواجهتها والتغلب عليها بعفوية حينًا، وبوعي وإبداع حينًا آخر، لكي يحقق الانتصار عليها ويشق طريقه من بينها إلى المستقبل الزاهر بقوة وثبات، ويبني كيانه الفردي والمجتمعي المادي والمعنوي بكفاءة عالية وشموخ واستقامة.
وهو في جميع الحالات يحتاج إلى القوة والصبر والثبات والصمود والمقاومة والتضحية والفداء لكي يحقق هذا الانتصار. والصيام هو خير وسيلة لتزويده وإمداده بكل تلك العوامل المعنوية اللازمة لتحقيق الانتصار المطلوب.. وعليه فإنه لا غرابة أن يفرض الله (تبارك وتعالى) الصيام على هـذه الأمة الوسط المجاهدة في سبيل الله (عز وجل) التي أراد لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله (جل جلاله) وتقود البشرية قاطبة إلى النور والهداية والصراط المستقيم والخير والعدل والرفاهية والصلاح والكمال الفردي والمجتمعي للإنسان المادي والمعنوي.
قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة : 143). وقال الله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} (آل عمران : 110).
ومن جهة ثانية فإن الصائم من خلال الشعور بالجوع والعطش، يدرك حجمه الطبيعي وفقره إلى الله (عز وجل) وينتبه إلى النعم العظيمة والكثيرة التي أنعم الله الكريم بها عليه من خلال الامتناع عنها في فترة الصيام، فيلتفت بوعي وعمق إلى وجودها وقيمتها وحاجته الماسة التي لا غنى له عنها في حياته، ويتفاعل معها على هذا الأساس، فتقوى لديه المعرفة بحقيقة عبوديته لله الأحد الصمد الغني الحميد، ويخبت قلبه، وتصفو نفسه وروحه، ويقوى إيمانه، ويقوى حبه لربه الكريم، ويزيد شكره له، وتضعف لديه نوازع الشر والظلم والعدوان والطغيان، وتقوى لديه نوازع الخير والعدل والإحسان، ويزداد لديه الإحساس بآلام الفقراء والمساكين والمحتاجين، ويزداد لديه الباعث على العطف والشفقة والرحمة في التعامل والتعاطي مع الناس كافة، مما يؤدي به إلى السير في طريق العبودية لله (الواحد القهار) والسمو والرفعة إلى أعلى الدرجات عند الله (ذي الجلال والإكرام) والحصول على المزيد من فيوض الرحمة والبركة والتوفيق في الدنيا والفوز بالجنة والرضوان في الآخرة.
ومن النتائج المهمة لهذه الخاصية أن سيطرة الإنسان على شهواته ورغائب نفسه، يشعره بالقوة والحرية والرفعة والشموخ، حيث لا يملكه ولا يأسره شيء في هذه الحياة، إلا مالك الملك ورب الأرباب رب العزة والجلال. وهذا مما يزيده قوة على قوته، وشموخًا على شموخه، وعزة على عزته، وكرامة على كرامته، ويمنحه المزيد من الحرية وقوة الحركة واستقامتها وقوة الانطلاقة في الحياة..
أما الشخصيات الكبيرة والمهمة فإنه يمنحها المزيد من التواضع والتجانس مع الناس والاقتراب من همومهم ومشاكلهم ومعاناتهم. حيث يشعرهم الصوم بالعبودية والفقر والحاجة إلى الله (جل جلاله) ويساوي بينهم وبين الآخرين، ويهذب أنفسهم ويروضها، ويكسر نوازع الشر والغرور والاستكبار لديهم، ويشعرهم بحاجات الناس ومعاناتهم، فيتحركوا إلى العطف عليهم والشفة والرحمة بهم ومساعدتهم على حل مشاكلهم، وليس تعقيدها والإضرار بهم كما يفعل الأشرار من أصحاب القوة والسلطة والنفوذ.
ومن النتائج المهمة أيضًا لهذه الخاصية أن الإنسان قد يعرف الحق والخير والعدل والعمل الصالح، ولكن نفسه تضعف عن التمسك بهذه القيم والعمل بمقتضاها، وتميل نفسه بسبب الضعف إلى الباطل والظلم والشر والعمل القبيح، فيأتي الصيام فيقوي إرادته ويصلبها في الاتجاه الصحيح الذي ترتضيه الفطرة والعقل والدين وتقتضيه المصالح الجوهرية للعباد، ويثبته على الصراط المستقيم والمنهج القويم في الحياة، ويبعده عن طريق الضلال والشر والظلم والعدوان والطغيان.
وقد بيّن لنا القرآن الكريم أن الصبر هو الطريق إلى محاسن الأخلاق والحصول على الدرجات الروحية والمقامات المعنوية الكبيرة. قال الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت : 34 ـ 35) فهذه الآيات تبين لنا أن الصبر هو الطريق إلى تهذيب النفس وكمال الأخلاق.
وقـال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُـمْ أَئِمّـَةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَـا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة : 24) وهذه الآية تبين لنا أن الصبر هو الطريق إلى الدرجات الرفيعة والمقامات المعنوية العالية كالإمامة والقيادة الشرعية.
خصائص الصيام (2)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
معرفة الإنسان في القرآن (7)
الشيخ مرتضى الباشا
الموانع من حضور الضيافة الإلهية
الشيخ محمد صنقور
البعث والإحياء بعد الموت
الشيخ محمد جواد مغنية
معنى (فور) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
أهميّة قوة العضلات في خفض معدّل الوفيات للنّساء فوق الستين
عدنان الحاجي
البعض لا يتغيّر حتّى في شهر رمضان المبارك، فماذا عنك أنت؟!
الشيخ علي رضا بناهيان
أبو طالب عليه السلام المظلوم المفترى عليه (3)
السيد جعفر مرتضى
شروط استجابة الدعاء
الشيخ محمد مصباح يزدي
اللهمّ إني أفتتح الثّناء بحمدك
السيد محمد حسين الطهراني
السيّدة خديجة: سيّدة بيت النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشكاة اللّيل
فريد عبد الله النمر
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
خصائص الصيام (2)
الإرادة والتوكل في شهر رمضان
معرفة الإنسان في القرآن (7)
شرح دعاء اليوم الثالث عشر من شهر رمضان
خصائص الصيام (1)
الموانع من حضور الضيافة الإلهية
البعث والإحياء بعد الموت
حديث للاختصاصيّ النّفسيّ أسعد النمر حول توظيف التّقنية في العلاج النّفسيّ
التقوى، العطاء، الإيثار في شهر رمضان
شرح دعاء اليوم الثاني عشر من شهر رمضان