علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
عدنان الحاجي
عن الكاتب :
من المترجمين المتمرسين بالأحساء بدأ الترجمة عام ٢٠١١، مطّلعٌ على ما ينشر بشكل يومي في الدوريات العلمية ومحاضر المؤتمرات العلمية التي تعقد دوريًّا في غير مكان، وهو يعمل دائمًا على ترجمة المفيد منها.

لماذا دماغنا مجبول على رؤية نهايات مشوّقة للأحداث

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

 

كثيرًا ما يروي عالم النفس بجامعة ييل، برايان شول Brian Scholl، قصته الشخصية عند شرح اهتمامه الأكاديمي بالتأثير المُزعج والمؤرق لما يُسميه "عدم الإنجاز (أو عدم وصول الأمور إلى نهايتها أو عدم اكتمالها)"، أو ذلك الإحباط الذي يظل ينتابنا لو تركنا مهمة غير مُكتملة.

 

يقول شول، أستاذ علم النفس في كلية الفنون والعلوم بجامعة ييل ومدير مختبر الإدراك والإحساس بالجامعة: "عندما أُنجز إحدى المهمات بالصدفة لدرجة أنني إذا نسيت تدوينها قبل القيام بها في قائمة المهام (التي على إنجازها)، أشعر برغبةٍ جامحة بتدوينها، فقط لمجرد تدوينها، وبعد ذلك شطبها من القائمة - رغم أن هذا التصرف يبدو سخيفًا وغير منطقي". ويضيف: "عندما أروي هذه الحكاية، يُفاجئني عددٌ كبيرٌ من الناس بقول أحدهم: "وأنا أيضًا لدي نفس الشعور!".

 

أدمغتنا لا تُحبّذ ولا ترضى إلا بالإنجاز وبرؤية النهاية للأحداث أو المهام. فإذا كانت مهمة قد خُطط لها، أو عُمل عليها ولم تنجز بعد، فإن ذلك يُولّد نوعًا من التوتر النفسي أو الهوس. يبقى هذا التوتر حاضرًا في الذهن حتى تشعر بأنّ المهمة قد "أُنجزت أو اكتملت بالفعل". لأنّ ما يريده دماغك هو الشعور بالإنجاز ليس إلّا.

 

في دراسةٍ جديدةٍ نُشرت في مجلة علم النفس التجريبي: العام (1)، استكشف شول، بالتعاون مع زميلتيه السابقتين في المختبر، جوان أونغتشوكو Joan Ongchocoo وكيمبرلي وونغ Kimberly Wong، سبب رغبة الإنسان الشديدة في إتمام ما بدأه من مهام أو نهاية لما رآه من أحداث، سواءً أكانت مهام كبيرة أم بسيطة. لأن المهام غير المكتملة ترسخ في الذاكرة أكثر من المهام المكتملة، وذلك لأن الدماغ شديد الحساسية للمهام غير المكتملة لأنها تشغل حيزًا ذهنيًّا وتلح عليه. وهذا له علاقة بتأثير معروف في علم النفس يُسمى تأثير زيغارنيك (2). وكذلك أراد الباحثون معرفة لماذا تصبح المهام غير المكتملة أكثر إلحاحًا، ولماذا نتوق إلى إكمالها ورؤية نهاية لها، ولماذا نشعر بالرضاء بعد إنجازها، وبالعكس لو لم تُنجر.

 

اتضح أن الدماغ لا يُحبّذ الأمور غير المنجزة. كان لدى الباحثين حدسٌ بأنّ المثيرات البصرية قد تُساعد في تفسير انجذابنا إلى ما هو غير مُنجز. قال شول: "لماذا يُعدّ هذا الميل إلى ترك الأمور غير المكتملة بارزةً جدًّا أمام ناظرينا أو حاضرة في أذهاننا؟" وأضاف: "إنها سمةٌ غريبةٌ في الطبيعة البشرية لم تتناولها الدراسات العلمية قبل ذلك بهذه الطريقة".

 

بدأ فريق البحث الدراسة السنة الماضية، بقيادة المؤلف الأول أونغتشوكو (طالبة دراسات عليا سابقة وباحثة ما بعد الدكتوراه في قسم علم النفس بجامعة ييل، وهي الآن أستاذ مساعد في جامعة بريتش كولومبيا)، وبمشاركة المؤلف وونغ (خريجة جديدة من كلية الدراسات العليا للفنون والعلوم بجامعة ييل، وهي الآن أستاذ مساعد في علم النفس في كلية ويليامز).

 

المسألة التي طرحها الباحثون كانت أعمق من المعتاد: ليس فقط لأن المهام غير المكتملة تبقى عالقة في الذاكرة، حيث يتعامل الدماغ معها بصفتها حلقة مفتوحة تستمر في طلب معالجتها واستكمال لها. ولذا أراد الباحثون معرفة لماذا تجذب هذه الحالة الانتباه بشدة في المقام الأول؛ ولماذا تخلق المهام غير المكتملة توترًا مستمرًّا وإلحاحًا بطلب رؤية نهاية لها.

 

تشير هذه الدراسة إلى أن السبب قد يكون جزئيًّا إدراكيًّا - فقد يُشفّر الجهاز البصري "عدم الاكتمال" باعتباره شيئًا يتطلب انتباهًا، حتى قبل أن يصل إلى التفكير الواعي. ولذا حاولوا ربط هذا التأثير الذهني بالإدراك والمعالجة البصرية، وليس فقط بالذاكرة أو الدافع لإكمال الأشياء.

 

بالنسبة لأونغتشوكو، التي بدأت مشروعها البحثي في الأيام الأخيرة من مشروع دراستها العليا، فكرة "عدم الإنجاز" يتردد صداها بعمق في ذهنها. تقول: "كان لدي عدة مشاريع بحثية قيد التنفيذ قبل تخرجي من الدراسات العليا ما تزال مع المشرف وفي المختبر. شعرتُ بأنني لم أنجز شيئًا يُذكر".

 

كان هذا الشعور الشخصي بوجود "مهام لا تزال مفتوحة" يعكس الفكرة النفسية (عدم الاكتمال) التي كانت تخضعها للدراسة. لذا، هذه الظاهرة جسّدت ما مرت به أثناء بحثها وشعرت وكأن مشاريعها غير تنجز بعد.

 

وفي دراستها، استكشفت أونغتشوكو التبعات الأوسع التي تتجاوز نطاق الموضوع المباشر أو الضيق قيد الدراسة (وليس فقط نتائج الدراسة). وفي هذا السياق، قالت لم يقتصر اهتمامي على كيف يُرسخ الشعور بعدم الإنجاز الذاكرة، بل شمل أيضًا مدى تأثيره في حياة الناس، ومنها انخفاض مستوى الرضا الوظيفي (مشاعر الاستمتاع بالعمل، والشعور بالتقدم والإنجاز، والشعور بعدم الإرهاق الذهني)، كما أنه يُؤثر سلبًا في جودة النوم، ويؤدي إلى أنماط من التفكير الاجتراري (3) وحين يكون هناك عدة مهام لم تنجز، فإن المرء لا يشعر بالإنجاز أو التقدم.

 

وهذا أثار فضولي، لماذا يرفض الدماغ التخلي عن المهام غير المنجزة؟ ولماذا يُسيطر هذا الشعور علينا؟

 

ربما يكمن الجواب في كيف يعمل إدراكنا البصري لما نراه. وبصفتي باحثة في مجال الرؤية (الإبصار)، كان ميلي إلى التوجه إلى الجهاز البصري لأعرف ماذا يحدث حين نرى مهامًا غير منجزة، ربما تبدأ هذه العملية أبكر مما نتصور، إذ قد يتعامل الجهاز البصري نفسه مع المهام غير المنجزة على أنها مميزة، ويصنفها تلقائيًّا على أن لها أولوية في الذاكرة والانتباه.

 

لاختبار فرضيتهم بأن الذاكرة البصرية (تذكّر شيء رأيناه) (4) تلعب دورًا في جعل الشعور بعدم الإنجاز مُلحًّا، أجرى الباحثون أربع تجارب شملت 120 مشاركًا شاهدوا رسومًا متحركة حاسوبية لمتاهات بسيطة فيها نقاط أو خطوط تتحرك في تلك المتاهة.

 

في عدة تجارب، عُرضت على المشاركين أشكال متحركة ترسم مسارات في متاهة. أحيانًا تنتهي هذه المسارات، وأحيانًا أخرى تتوقف قبل النهاية مباشرةً. لاحقًا تظهر مربعات ملونة لفترة وجيزة على طول هذه المسارات، طُلب من المشاركين تذكر أماكن ظهور هذه المربعات.

 

بعد المشاهدة، سُئل المشاركون: "أماكن ظهور المربعات الملونة؟" إذا تذكر المشاركون أماكن ظهور المربعات حين لم ينتهِ ويكتمل المسار، فهذا يعني أن الدماغ ركز انتباهه أكثر على المسار غير المكتمل.

 

إذن، تحققت التجربة مما إذا كانت المهام غير المكتملة تحظى بمعاملة خاصة في الذاكرة البصرية.

 

في جميع التجارب، كانت ذاكرة المشاركين أكثر دقةً عند مشاهدتهم مسارات غير مكتملة، حتى مع مراعاة عوامل مثل الوقت الإجمالي الذي مرّ على بداية الحركة والمسافة المقطوعة (أي بغض النظر عن مدة المشاهدة والمسافة المقطوعة، ونوع المتاهة).

 

يبدو أن الدماغ مُهيأ لملاحظة الأشياء غير المكتملة وتذكرها بشكل أكثر من الأشياء المكتملة، كما قالت أونغتشوكو. بعبارة أخرى إذا توقف الشيء قبل اكتماله ووصوله إلى نقطة النهاية، يولي الدماغ اهتمامًا إضافيًّا ويتذكره بشكل أكبر.

 

تشير النتائج إلى أن "عدم الاكتمال" لا يقتصر على التحفيز أو الرضا فحسب، بل هو جزء لا يتجزأ من طريقة إدراكنا البصري لها وتذكرنا إياها. وهذا يعني إن تأثير المهام غير المكتملة التي ينشغل بها البال لا يقتصر على رغبة المرء في إنجازها أو شعوره بالانزعاج من عدم إنجازها. في السابق، كان يُعتقد أن المهام غير المكتملة تستمر في الذهن لوجود الدافع للإنجاز، أو عدم الشعور بالرضا حتى تُنجز.

 

لكن نتائج هذه الدراسة أفادت إلى ما هو أعمق. حتى لو لم يكن الشخص مهتمًّا بالإنجاز، فإن دماغه لا يبرح يتعامل مع غير المكتملة على أن لها أهمية على مستوى أساسي من الإدراك البصري والذاكرة البصرية.

 

تمنح هذه الفكرة الباحثين نافذة جديدة لفهم كيف يعالج الدماغ المعلومات المرئية ويرتب أولوية لها.

 

قال شول: "يكمن الدرس هنا في أن الشعور بعدم الاكتمال له مكانة خاصة في الدماغ على مستوى عميق، حتى في أبسط طرق إدراكنا البصري للمحيط في المقام الأول. الطريقة التي أود أن أفسر الظاهرة بها هي أن الدماغ مهيأ للنهايات المشوقة (5) (في الروايات أو المسلسلات التلفزيونية، نهاية القصة قبل نهاية الأحداث تعتبر نهايات مشوقة. وهنا يعني أن الدماغ يركز الذاكرة والانتباه على المهام غير المكتملة أو غير المنجزة). حتى لو كان المرء يشاهد بصريًّا حدثًا بسيطًا، فإنه يرغب بشدة في معرفة كيف تنتهي الأمور".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- https://psycnet.apa.org/doi/10.1037/xge0001884

2- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/تأثير_زيجارنيك

3- https://ar.wikipedia.org/wiki/اجترار_(علم_النفس)

4- https://neronet-academy.com/test/memory/

5- https://ar.wikipedia.org/wiki/نهاية_مشوقة

المصدر الرئيس

https://news.yale.edu/2026/01/09/why-leaving-things-unfinished-messes-your-mind

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد