
يشاهد في القرآن أكثر من خمسين مثلًا، ففي سورة البقرة التي هي ثاني سورة يوجد عشرة أمثال على أقل تقدير. فما هي الحكمة في الأمثال بحيث جاء بها القرآن وبهذا الحجم؟
الجواب: أن المثل يعني تشبيه الحقائق العقلية بالأمور الحسية الملموسة. فمن جانب هناك أمور عقلية كثيرة لا يفهمها أكثر الناس. ومن جانب آخر، فإن الناس اعتادوا على المحسوسات والعينات الملموسة، ولهذا كان المثل (عقول الناس في عيونهم) وهو يعني أن إدراك الناس للأمور الملموسة والمرئية أسهل لهم. ومن هنا طرح القرآن بعض المفاهيم العقلية الرفيعة في قالب الأمثال ليسهل على الناس إدراكها. وعلى هذا؛ فإن فلسفة أمثال القرآن هو تنزيل القضايا العميقة والرفيعة إلى مستوى يتناسب مع أفق تفكير الناس.
الأمثال العملية واللسانية
ينبغي الالتفات هنا إلى نقطة وهي أن بعض الأمثال عملية وتبيّن بلسان العمل، وبعضها لفظية تبين باللسان والقول.
أن أمثال القرآن هي من النوع الثاني، إلا أنه يشاهد بعضاً ما في سيرة الرسول صلى الله عليه و آله واهل بيته الاطهار عليهم السلام أمثال عملية، وهي بالطبع ذات تأثير أكثر، [1] نأتي هنا بنموذجين من ذلك.
1- عندما تتراكم الذنوب الصغيرة
إنَّ رسول الله صلى الله عليه و آله نزل بأرض قرعاء فقال لأصحابه: «ائتونا بحطب»- قد هدف الرسول من ذلك شيئاً غير الإعداد للنار- فقالوا: يا رسولاللّه نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب. قال: «فليأت كل إنسان بما قدر عليه»، فجاؤوابه حتّى رموا بين يديه بعضه على بعض.
فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: «هكذا تجتمع الذنوب» ثم قال: «إياكم والمحقرات من الذنوب فإن لكل شيء طالباً إلا وأن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم. وكل شيء أحصيناه في إمام مبين». [2]
نعم أن الذنوب الصغيرة قد تتراكم لتبلغ مستوى الجبل ارتفاعاً، وكثافة جبلٍ من النار. إن خطر الذنوب الصغيرة هو عدم الانتباه إليها واتخاذ موقف اللامبالاة تجاهها، فذكَّر الرسول صلى الله عليه و آله بخطرها بهذا المثل العملي.
2- ترسيم نار جهنم
عندما كان الإمام علي عليه السلام خليفة كان له أخ صاحب أطفال وعائلة وما كانت تكفيه مؤنة بيت المال فطلب من الإمام سهماً أكبر من بيت المال فكان جواب الإمام علي عليه السلام ... ولنقرأ القصة على لسان الإمام نفسه:
«والله لقد رأيت عقيلًا وقد أملق [3] حتى استماحني [4] من بركم [5] صاعاً، ورأيت صبيانه شعث [6] الشعور، غبر الألوان [7] من فقرهم، كأنما سودّت وجوههم بالعظلم [8] وعاودني مؤكداً وكرر عليَّ القول مردداً فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده [9] مفارقاً طريقتي، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف [10] من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها. [11] فقلت له: ثكلتك الثواكل [12] يا عقيل! أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه! اتئن من الأذى ولا ائن من لظى! [13] وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة [14] في وعائها ومعجونة شنئتها [15] كأنما عجنت بريق حية أو قيئها، فقلت أصِلة [16] أم زكاة أم صدقة؟ فذلك محرم علينا أهل البيت؟
فقال: لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية. فقلت هبلتك الهبول! [17] أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟
أمختبط أنت أو ذو جنة [18] أم تهجر [19] والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب [20] شعيرة ما فعلته، وأن دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها [21] ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى!! نعوذ بالله من سبات [22] العقل، وقبح الزلل [23] وبه نستعين». [24]
إن هذه الأمثال تسهل إدراك وهضم كثير من المفاهيم، ولها وقع وتأثير يفوق النصيحة الموعظة، إن هذا المثل لا يختص بعقيل وفي ذلك الزمن والعصر فحسب بل إنه مثَلٌ للجميع وفي كل العصور والأزمنة. ولهذا الغرض استخدم القرآن الأمثال.
----------------------------
[1] لقد أثرنا بعض الأمثال اللفظية عن الرسول صلى الله عليه و آله والأئمة عليهم السلام، راجع ميزان الحكمة الروايات 18106 إلى 18236.
[2] ميزان الحكمة، الباب 1372، الحديث 6593.
[3] افتقر أشد الفقر.
[4] استعطاني.
[5] البر هو الحنطة.
[6] الشعر المتلبد بالوسخ.
[7] متغير اللون وشاحبه.
[8] سواد يصبغ به.
[9] ما يقاد به.
[10] المرض.
[11] المكواة.
[12] الثكل هو فقدان الحبيب، والثواكل هي النساء.
[13] من أسماء جهنم.
[14] نوع من الحلوى اهداها الاشعث بن قيس إلى علي.
[15] كرهتها.
[16] العطية.
[17] هبل أي ثكل، والهبول هي الثكول.
[18] من أصابه مس من الشيطان.
[19] تهذي.
[20] قشر.
[21] تكسرها باسنانها.
[22] نوم.
[23] السقوط في الخطأ.
[24] نهج البلاغة، صبحي الصالح: 346- 347.
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
معنى أنَّ الإمام الرضا (ع) رضيَ به المخالفون
الشيخ محمد صنقور
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)
محمود حيدر
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
معنى (ولج) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
لا تبذل المجهود!
عبدالعزيز آل زايد
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
حسين حسن آل جامع
حين ينبض القلب مسكا
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
قراءة في كتاب: (نداء على حافة الأبدية) للشاعر هادي رسول
معنى أنَّ الإمام الرضا (ع) رضيَ به المخالفون
الإمام الرضا عليه السلام: 19 عاماً من الجهاد
الصداقة الناجحة في كلمات الإمام الرضا (ع)
الحادي عشر من شهر ذي القعدة سنة 148 ه: ولادة الإمام الرّضا (عليه السّلام)
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
علاج ضوئي جديد يمكنه كبح أحد أهم مؤشرات تساقط الشعر
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)