
لا تسعفنا المصادر، إلا بالقدر الضئيل الذي لا يغني، بالمعرفة المباشرة بالمواقع الاجتماعية لشهداء كربلاء وبسمات حياتهم الشخصية. فإذا استثنينا الرجال القليلين الذين نعرف بصورة تفصيلية مباشرة أنهم كانوا شخصيات اجتماعية ذات شأن في قبائلهم وفي مجتمعهم تبقى الكثرة العظمى من الشهداء في الظل من حيث مواقعهم الاجتماعية، لأننا لا نعرف عنهم إلا أسماءهم.
ولكننا نعرف استنادًا إلى بعض النصوص أن أكثر الشهداء لم يكونوا نكرات اجتماعية من غمار الناس، بل كانوا من الرجال ذوي الشأن في أوساطهم الاجتماعية، ونعرف أنهم كانوا يمثلون نوعية خاصة كان الناس ينظرون إليها باحترام كبير، وبعواطف تتفاوت بين الحب والكراهية تدلنا على ذلك كلمة عمرو بن الحجاج الزبيدي (1) التي نهي فيها الجنود الأمويين عن قتال المبارزة مع الثوار قائلاً:
(ويلكم يا حمقاء، مهلاً، أتدرون من تقاتلون؟ إنما تقاتلون فرسان المصر، وأهل البصائر، وقومًا مستميتين..) (2). إن (فرسان المصر) في مجتمع محارب، وهو ما كأنه المجتمع العربي الإسلامي في ذلك الحين، تعبير يعني الشخصيات البارزة في المجتمع، فقد كان التفوق في الحقل العسكري أحد أفضل السبل لتبوء مركز اجتماعي مرموق يبعث على الاحترام، بل لقد كانت هذه الصفة خليقة بأن تجعل الناس يغضون النظر عمّا قد يكون في الرجل من خلال معيبة في نظر المجتمع (3) و(أهل البصائر) (4) تعبير يعنى به الواعون الذين يتخذون مواقفهم عن قناعات تتصل بالمبدأ الاسلامي، ولا تتصل بالاعتبارات النفعية.
وإذن فنحن أمام نوعية من الشخصيات تمثل النخبة الواعية للإسلام في المجتمع الإسلامي في ذلك الحين، وهي تستمد تفردها وتفوقها من فضائلها الشخصية ومن وعيها الإسلامي والتزامها بمواقفها المبدئية، على خلاف الزعماء القبليين التقليديين الذين يستمدون قوتهم من الاعتبارات القبلية المحضة. وإن كانت هذه النخبة الواعية تضم رجالاً كثيرين جمعوا إلى فضائلهم ووعيهم الإسلامي ولاء قبائلهم لأشخاصهم.
ومن هذا الذي قدمناه في بيان مقومات هذه النخبة يتضح أنها تمثل النقيض الاجتماعي للنخبة القبلية التقليدية التي كانت تدير سياسة القبائل، وتتعامل مع النظام الأموي، وتحصل على اعترافه الرسمي بزعامتها. وإذا كان لهذه النخبة التقليدية جمهورها الكبير، فإن النخبة الواعية لم تكن بلا جمهور، وإن كنا نرجح أنه صغير الحجم بالنسبة إلى الجمهور التقليدي.
ولا شك في أن السلطة وأعوانها من الزعماء التقليديين كانوا يعرفون خطورة هذه النخبة، فهي نخبة لا يمكن التعامل معها بالوسائل التقليدية، ولا يمكن شراء ولائها خلافًا لقناعاتها المبدئية، لأنها (من أهل البصائر) وهي بما تملك من رصيد قبلي - على قلته - قادرة على التأثير في جمهور القبائل، ولا يقلل من خطورة هذا التأثير أنه محدود، فجميع بدايات التغيرات الكبرى تكون محدودة، ولذا فالنخبة الواعية من هذه الجهة تمثل خطرًا كبيرًا، ولذا فقد كان هم السلطة الكبير هو القضاء بسرعة قياسية على الثورة وعلى قوتها الصغيرة المكونة من هؤلاء الرجال قبل أن تمتد بها الأيام فتحمل كثيرًا من (أهل البصائر) وأتباعهم على إعلان موقفهم الايجابي من الثورة، وتمكنهم من اللحاق بها.
وقد كان الزعماء التقليديون يدركون بلا شك أن هذه النخبة من أهل البصائر تكون في حال نجاحها خطرًا على مراكزهم، ولذا فقد ساعدوا السلطة بإخلاص على تنفيذ خطتها في تصفية الثائرين جسديًّا، وجعلهم عبرة لغيرهم.
والموضوع بحاجة إلى تتبع في النصوص النبوية وغيرها ليعرف تاريخ تكون هذا المصطلح ودخوله في البنية الثقافية للإنسان المسلم وربما كان هذا المصطلح قد تولد من مصطلح سابق عليه ورد صفة لبعض الصحابة وهو (أهل النية) فقد ورد صفة لأبي الدرداء (عويمر بن زيد الخزرجي): (... وكان أبو الدرداء من علية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل النية منهم) الطبقات / 7 / قسم 2 / ص 117 ط ليدن أوفست. وربما يكون المعني بأهل النية: أهل الأخلاق والصفاء النفسي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من شخصيات الكوفة الموالية للنظام الأموي. كان أحد المقربين من زياد بن سمية واشترك في الإيقاع بحجر بن عدي الكندي وكان أحد الشهود عليه، وكان من جلساء عبيد الله بن زياد، وهو أحد ثلاثة رجال استدرجوا هاني بن عروة إلى ابن زياد بعد انكشاف أمر مسلم بن عقيل، وكانت أخته روعة زوجة لهاني بن عروة. كان في كربلاء على رأس القوة التي منعت الحسين وأصحابه من ماء الفرات وكان على ميمنة الجيش الأموي في كربلاء، وهو أحد حملة الرؤوس إلى عبيد الله بن زياد - وقد كان أحد الذين كتبوا إلى الحسين يدعونه للقدوم إلى الكوفة: (.. فإذا شئت فاقدم على جند لك مجند). الطبري: 5 / 270 و 349 و 353 و 364 - 365 و 367 و 622 و 656.
(2) الطبري: 5 / 435.
(3) إن التفوق في الحقل العسكري كان خليقًا بأن يبعث على تجاوز النظرة المتحيزة ضد صفة العجمة عند الموالي، وأن يبعث على احترام المولى وتقديره، لاحظ الكامل: 3 / 316 - 317.
(4) من المؤكد أن هذا التعبير مصطلح ثقافي إسلامي يعني: الفئة الواعية للإسلام على الوجه الصحيح، والملتزمة به في حياتها بشكل دقيق، بحيث تتخذ مواقف مبدئية من المشكلات التي تواجهها في الحياة والمجتمع، ولا تقف على الحياد أمام هذه المشكلات وإنما تعبر عن التزامها النظري بالممارسة اليومية لنضال ضد الانحرافات.
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (كدح) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
محمود حيدر
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
الشيخ مرتضى الباشا
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
الشيخ محمد مصباح يزدي
التجارة حسب الرؤية القرآنية
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
عدنان الحاجي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
المبعث الشريف: فاتحة صبح الجلال
حسين حسن آل جامع
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
خلاصة تاريخ اليهود (2)
القرآن والحياة في الكرات الأخرى
معنى (كدح) في القرآن الكريم
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (1)
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (2)
مناجاة المريدين (2): يسعون لأقرب الطرق إليك
زكي السالم: (مع شلليّة الدعوات؛ لا تبطنَّ چبدك، ولا تفقعنَّ مرارتك!)
أحمد آل سعيد: الأطفال ليسوا آلات في سبيل المثاليّة
خلاصة تاريخ اليهود (1)
طبيب يقدّم في الخويلديّة ورشة حول أسس التّصميم الرّقميّ