قراءة في كتاب

«أنا إلا قليلًا».. حين تصبح الذاكرة كتابًا

علي بن سعد العوام

 

للشاعر والكاتب ياسر آل غريب علاقة طويلة بالكلمة، وهذه الأيام تحمل له وللقارئ لحظة جديدة في تلك العلاقة؛ إذ صدر كتابه الجديد «أنا إلا قليلًا – قصاصات من السيرة الذاتية»، ليكون عنوانًا جديدًا يضاف إلى مسيرته الأدبية والثقافية.

 

وللكتاب لحظة خاصة حين يغادر صاحبه؛ حين تخرج الكلمات من عزلتها، وتعبر من الأوراق والمسودات إلى كتاب بين أيدي القراء. ولعل هذه اللحظة تحمل معنى أكثر خصوصية عندما تتجه الكتابة نحو الذات والذاكرة، وحين يختار الكاتب أن يعود إلى شيء من حكايته، لا ليقولها كلها، وإنما ليمنح منها ما اختار أن يبقى على الورق.

 

ومن الوهلة الأولى، يحمل عنوان الكتاب شيئًا من التأمل؛ «أنا إلا قليلًا». عنوان لا يدّعي الإحاطة بصاحبه، بل يوحي منذ البداية بأن الإنسان أكبر من أن تختصره صفحات، وأن ما يمكن للمرء أن يقوله عن نفسه، مهما امتدت به الكلمات، سيظل جزءًا من حكاية أوسع.

 

وهذا المعنى يطل من الكلمات التي اختار صاحب الكتاب أن يضعها على غلافه الخلفي، حين يصف كتابة سيرته بأنها أن يكون «صياد اللحظات الماضية»؛ لا ليسجلها بوصفها مادة تقاوم النسيان فحسب، وإنما لتكون معنى من معاني الحياة.

 

ويمضي آل غريب في تقديم فكرته للقارئ بقوله إن «الكتابة عن الذات مساحة شاسعة»، وإن الإنسان سيظل يركض فيها دون أن يصل إلى نهايتها، لأنه مجبول على النقص؛ ومن هذه الفكرة جاء اختياره لعنوان الكتاب: «أنا إلا قليلًا».

 

ولعل في هذه الكلمات ما يكفي ليترك الباب مفتوحًا أمام القارئ؛ فلا تكشف له الكتاب قبل أن يقرأه، ولا تختصر له تجربة لم تبدأ بعد، وإنما تمنحه مفتاحًا أوليًّا للاقتراب من عمل اختار صاحبه أن يصفه بـ «قصاصات من السيرة الذاتية».

 

أما عنوان «أنا إلا قليلًا»، فليس بعيدًا عن تجربة ياسر آل غريب الشعرية؛ فقد حملت إحدى قصائده هذا العنوان من قبل، وألقاها في أمسية شعرية قبل أعوام، قبل أن تعود العبارة اليوم عنوانًا على غلاف إصداره الجديد. وبين حضورها في القصيدة وعودتها اليوم على غلاف كتاب، تظل العبارة قادرة على حمل أكثر من معنى، فيما يبقى للكتاب ولقرائه اكتشاف ما أراد صاحبه أن يضعه تحت هذا العنوان.

 

وصدور كتاب جديد ليس مجرد إضافة عنوان إلى رفوف المكتبات؛ بل هو لحظة اكتمال لرحلة بدأت بفكرة، ثم صارت كلمات وصفحات، حتى وصلت إلى يد القارئ. وحين يكون هذا المنجز لأحد أبناء صفوى، فإن الفرحة به تمتد لتصبح احتفاءً بمنجز ثقافي جديد يضاف إلى عطاء أبنائها وحضورهم في المشهد الأدبي.

 

وفي مناسبة صدور «أنا إلا قليلًا»، أبارك للشاعر والكاتب ياسر آل غريب هذا المنجز الأدبي الجديد، متمنيًا له دوام التوفيق والعطاء، وأن يجد كتابه طريقه إلى القراء والمهتمين بالأدب والثقافة، وأن تكون هذه الولادة الأدبية امتدادًا لمسيرة من الكلمة والإبداع.

 

مبارك لأبي غريب هذا المولود الثقافي، ومبارك لصفوى منجز جديد لأحد أبنائها. أما ما بين دفتي الكتاب، فلنتركه لصاحبه ولقرائه؛ فقد اختار أن يمنحنا من ذاته «إلا قليلًا»… ولعل في هذا القليل ما يدعونا إلى اكتشاف الكثير.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد