
يذهب السيّد الخبّاز إلى ابن أبي الحديد المعتزلي باعثًا سيرته من ركودها في كتب السير والتاريخ، ومن تماسّها مع التراث الأدبي وبالتحديد شرح نهج البلاغة، إلى سيرة روائية تاريخية.
استطاع الخباز أن يشتغل على لغة الرواية بتقنية اللغوي الحاذق، فجاءت اللغة متسقة مع لغة ابن أبي الحديد نفسه، لغة تقترب من لغة التراث الأدبي، وكأنّ لغة السرد كانت هي زمن الرواية.
يختار الخباز معتزلة بغداد ونموذجهم البارز عز الدين عبد الحميد بن هبة الله بن أبي الحديد بموقفهم الوسطي من الخلاف الإسلامي الحاد حول الخلافة والإمامة.
هذا الخلاف التاريخي الممتد بين السنة والشيعة الذي نتجت عنه الحروب الداخلية في الدولة الإسلامية، وامتد لسنوات طويلة بشكل متفاوت، مما جعل من أعداء الدولة الإسلامية والمتربصين بها يطمعون فيها وفي خيراتها، ونتج عن ذلك لاحقًا سقوط مدنها بيد التتار في تلك الحقبة التاريخية، في زمن ابن أبي الحديد الذي حظي بحفاوة ومنزلة خاصة لدى وزير الدولة ابن العلقمي آنذاك.
لكن وإن بدا الموقف العقائدي والفكري لمعتزلة بغداد وسطيًّا - جواز تقديم المفضول على الفاضل- إلا أنّ فيه نزعة تمرّد فكريّة، وهو على ما يبدو الذي أغرى السيد الخبّاز لإبراز هذه الفكرة الجدلية على السطح وإعادة بثها وعرضها ضمن نسبج الرواية.
فجواز تقديم المفضول على الفاضل فكرة متمردة على كلا الاتجاهين.
من يؤمن بالإمامة لن يقبل هذا الرأي الوسطي شكلًا والمتمرّد مضمونًا، فالحجة العقلية والمنطقية لديه أن الفاضل مقدم دائمًا وهو الإمام حسب الاعتقاد الذي يؤمن به وما لديه من نصوص دينية يعتبرها حجة عليه.
ومن يؤمن بالخلافة لن يقبل هذا الرأي أيضًا، فالخليفة لديه هو الفاضل أيضًا وليس المفضول، حسب ما يراه من عقيدة وإجماع وشورى ومن نصوص بعتبرها أيضًا حجة عليه.
هذا الرأي العقائدي والفكري الذي يتبناه معتزلة بغداد، يذهب إليه الخباز في وتيرة سردية خبرية تقوم على تداخل الأزمنة.
"المعتزلي الأخير أو سقوط بغداد أو شرح ابن ابي الحديد الصغير لنهج البلاغة" هكذا هو العنوان الذي يبدو محيّرًا بالفعل، لكن ما إن تدخل النص حتى تزول الحيرة تدريجيًّا، وأقول تدريجيًّا لأن القارئ يقع على خطوط زمنية متوازية ومتداخلة في آن.
خط المتن وهو ما اقتبسه الخباز من خطب نهج البلاغة والتي كما قال -في لقاء خاص- : أنه رتبها وفق تسلسها الزمني في جهد ملفت ويستحق الإشادة، لكن هذه الخطب الواردة في نص الرواية يوردها الخباز لعلاقتها بالسيرة السردية في الرواية.
فهي تروي سيرة الأحداث كما رواها الإمام علي (ع) وكأنه يعبّر عن سيرته هو.
الخط الثاني شرح ابن ابي الحديد الصغير، هكذا يسميه الخباز لأنه يعتبر شرح ابن إبي الحديد لنهج البلاغة هو الشرح الكبير والرواية كما يقدمها الخباز تأتي كشرح صغير لنهج البلاغة، وهذا الشرح تساوق أيضًا مع الحالة النقدية التي عُرف بها الخباز وامتاز وبرع فيها كناقد أدبي.
أما الخط الثالث فهي سيرة ابن ابي الحديد في سياقات الدولة العباسية وزمن السقوط التاريخي، سقوط بغداد بيد التتار.
تتداخل هذه الخطوط في الموضوع البلاغي والعقائدي والتاريخي السياسي من حيث أراد الخباز أن يمسك بالأزمنة في زمن واحد متصل. وما خطب نهج البلاغة إلا ذاك الزمن الذي يعيد تكرار الحدث في الأزمنة اللاحقة.
رواية المعتزلي الأخير من حيث الموضوع هي رواية على غرار تلك الأعمال الروائية الكبيرة التي قدمت الرواية التاريخية وشخوصها في نسيج سردي روائي.
والروايات وإن كانت تاريخية إلا أنها لا تخلو من تدخّلات المؤلفين أنفسهم في ابتكار شخوص وأحداث عارضة تزيد من متعة السرد والعناصر الفنية في العمل الروائي. وإن هذه التدخلات والابتكارات لبعض الأحداث وبعض الشخوص هي عمل فني ممدوح ومطلوب في الرواية وإن كانت تاريخية، إن لم تؤثر على سلامة المادة التاريخية نفسها، وسياق الأحداث فيها.
وهذا ما ابتكره الخباز في قصة الرقاع وأميمة التي لم تتكثف في الرواية، والتي كان لديها مؤهلات أن تكون خطًّا دراميًّا عاطفيًّا ناضجًا وكثيفًا في مسار الرواية.
لأن وظيفة السرد الإمتاع وليس الإخبار. وهنا كان أحد المآزق الفنية في (المعتزلي الأخير).
المادة التاريخية مادة مكتنزة بالأحداث، واللغة السردية لغة متوالية في أحداثها كأخبار لا كفعل روائي، حيث خفت فيها الصراع الدرامي وحوار الشخصيات اللذان من المفترض أن يُبرزان الفعل الروائي ويكثفانه ويمنحا السرد متعته والرواية وظيفتها من توترات وصراعات ومماحكات مؤهلة لأن تكون حاضرة في هذا الموضوع الروائي.
فشخصية ابن ابي الحديد مؤهلة لأن تدخل في صراعات مع مناوئين لها، أو على أقل تقدير منافسين وهي تدخل إلى البلاط العباسي من خلال حظوتها بالوزير ابن العلقمي.
وإن لم توجد مثل هذه الصراعات أو لم ينقلها التاريخ بشكل واضح، إلا أنه كان بالإمكان ابتكارها في الرواية، مثلما أجاد الخباز نفسه ابتكار الحالة العاطفية مع شخصية أميمة.
المعتزلي الأخير عمل كبير من حيث المحتوى والمضمون والمادة التاريخية والاقتراح في الترتيب الزمني لخطب نهج البلاغة.
قد يجد القارئ خفوتًا في التكنيك الفني الروائي، وربما لدى محمد الخباز المبررات الموضوعية في ذلك.
لكنها رواية تُشكّل عملًا مختلفًا وجهدًا يستحق الإشادة.
فالقارئ لا يقرأ عملا روائيًّا فنيًّا محضًا، إنما هو إشارات عميقة في أفكار المعتزلة وآرائها، والسياقات الفكرية التي تولدت منها هذه الآراء. والقارئ سيعيد إنتاج مفاعيلها فكريًّا وعقديًّا وتاريخيًّا وسياسيًّا عبر العصور والأزمنة، وهذا في اعتقادي نجح فيه محمد الخباز إلى حد كبير.
شروط النصر (2)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
ليس كل ما ننظر إليه نراه بالفعل: نافذة على الوعي
عدنان الحاجي
منشأ كلّ آفة نبتلي بها هو غفلة بواطننا!
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
فَبَشِّرْ عِبَادِ
الشهيد مرتضى مطهري
الشهادة والصدق
الأستاذ عبد الوهاب حسين
العارف والصّوفي
الشيخ محمد هادي معرفة
معنى (كذب) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
الشيخ محمد صنقور
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
الشيخ شفيق جرادي
مضاعفة العذاب
الشيخ مرتضى الباشا
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
بين احتمال ومحض تجريد
محمد أبو عبدالله
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
جهاز نانوي يُنتج كهرباء مستمرّة من التّبخّر
شروط النصر (2)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (2)
ليس كل ما ننظر إليه نراه بالفعل: نافذة على الوعي
النصر حليف جبهة المتوكّلين على الله تعالى
منشأ كلّ آفة نبتلي بها هو غفلة بواطننا!
فَبَشِّرْ عِبَادِ
الجائزة التّقديريّة لأمين الحبارة في معرض دوليّ في الصّين
شروط النصر (1)
الشهادة والصدق