قصبات

الطّبّ الشّعبيّ في الأمثال الأحسائيّة

يقدّم الباحث الشّيخ محمّد علي الحرز، في بحث له بعنوان: (الطّبّ الشّعبيّ في الأمثال الأحسائيّة) صورة حيّة تعكس زاوية من زوايا ذاكرة الأحساء الصّحيّة والاجتماعيّة، إذ يسلّط الضّوء على بعض الأمثال الشّعبيّة التي تتحدّث حول الصّحّة والمرض والعلاج، مبيّنًا ارتباطها بالعادات والتّقاليد والخبرات والمعتقدات.

 

ويقسّم الشّيخ الحرز بحثه إلى خمسة محاور هي: "أهمّيّة الصّحّة والعافية"، "العلاج محفوف بالمشقّة والألم"، "أمراض وممارسات طبّيّة ذكرت في الأمثال"، "أغذية وممارسات تدفع المرض"، و"أمور تجلب المرض". ويستشهد في كلّ محور بمجموعة من الأمثال الشّعبيّة الأحسائيّة شارحًا إيّاها، مؤكّدًا على المكانة العالية للصّحّة في الوعي الشّعبيّ، فالمثل: «من عافاه أغناه» يصوّر العافية كأنها كنز يغني الإنسان عن المال والجاه.

 

وقد جرى بين النّاس مثل آخر يقول: «ما يغلا على الصحة شي»، فكلّ شيء هيّن في مقابل الصّحّة والعافية، ومثله «كل شيء على العافية حلو». كذلك يعرض الحرز مثلاً آخر يربط الكسل وإهمال الطّعام بفساده، حتى يغدو رزقًا للقطط؛ وفيه أيضًا تنبيه إلى ضرورة النّشاط وحسن التّدبير: «رزق القطاوة على الخاملات».

 

 

وبحسب الأمثال التي يستعرضها الحرز، فإنّ بعض العلاج يصاحبه الألم، لاضطرار المعالج أحيانًا إلى إجراء فعل طبّيّ مؤلم بهدف الوصول إلى الشّفاء فـ «المدّاوي ما ياوي»، ومثله كذلك: «وجع ساعة ولا وجع كل ساعة» لأنّ تحمّل الألم ساعة، سيؤدّي بلا شكّ إلى تجنّب استمرار المرض، وفي معنًى قريب يقول المثل الأحسائيّ: «ما يشرب الدوا إلا العليل»، فالدّواء لا يُلجأ إليه إلا عند الضّرورة رغم طعمه المرّ.

 

ويضع الحرز بين الأيدي أمثالاً تكشف آثار بعض الأمراض كالحمّى مثلاً: فـ «سخونة ليلة تروح قوة سنة»، كذلك يسجّل ممارسات طبّيّة علاجيّة شعبيّة كالحجامة التي يقول فيها المثل: «محجم من ورا محجم ما يطلع دم». أمّا «مغموز بجذع» فانعكاس لاعتقاد قديم لدى بعض القابلات، يتمثّل في غمز فم المولود بالإصبع لتيسير التّنفّس والبلع والنّطق.

 

وإضافة إلى التّداوي والسّعي في طلب العلاج، لا بدّ أن يكون للتّوكّل على الله تعالى حضوره في قلوب الأحسائيّين فيقول المثل: «الدواء سبب والله الشافي»، وكما أنّ هناك لكلّ مرض سببًا، فلبعض الأمراض علاجها كـ «المُرّة» بوصفها مادةً كانت تُحفظ في البيوت وتُستخدم في الطّبّ الشّعبيّ، ليقدّم الحرز أمثالاً مثل: «الضرس اللي يرقل دواه قلاعه»، إشارة إلى اللّجوء إلى خلع الضّرس حين لا تنفع معه وسائل العلاج الأخرى، وفي محور الوقاية من أسباب المرض، يرد المثل: «إذا جاء الفقع صر الدواء» في ضوء ما نُسب إلى الفقع من منافع ومضار، ويرد أيضًا: «البرد أساس كل علة» تعبيرًا عن ملاحظة أثر البرد وتبدّل الفصول في صحّة الناس.

 

تظهر قيمة بحث الشّيخ الحرز – إضافة إلى شرحه معاني كلّ مثل - في كشفها عن علاقة الطّبّ الشّعبيّ في الأحساء بعادات الطّعام، والبيئة، والمعتقد الدّيني، وفي تبيينها جانبًا من خبرة الأوّلين المتوارثة، الأمر الذي يجعل من الأمثال مادّة نافعة لدراسة الذّاكرة الشّعبيّة وتطوّر فهم المجتمع للصّحّة والمرض.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد