قصبات

جاسم الصحيّح في كربلاء: أتيتك يا عبّاس للسّقيا

جاسم الصّحَيِّحْ، شاعرٌ أحسائيُّ مُبْدِعْ، وَنَخلةٌ مَـجَازِيّةٌ مِنْ نَـخِيْلِ الوَاحَةِ الـمُتَرَامِيَةِ أَبْعَدَ مِنْ حُدُوْدِ الـخَيَالْ، مُهَنْدِسٌ للكلمَاتْ، وَمُتَكَلِّمٌ بِكُلِّ هَنْدَسَةْ، وُلِدَ في مَدِيْنَةِ الـجَفْرِ في العَامِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَسِتِّيْنَ للمِيْلادْ، حَاصِلٌ على شهادةِ البكالوريوس في الهندسَةِ الميكانيكيّةِ من جامعةِ بورت لاند بأمريكا.

 

لَـمَعَ نَـجْمُهُ سَاطِعًا في سماءِ السَّاحِةِ الأَحْسَائِيَّةْ، خِلَالَ مُشَاركاتِهِ في المناسباتِ الدّينيّةِ والاجتماعيّةْ، قَبْلَ أَنْ يَذِيْعَ صِيْتُهُ مُتَجَاوِزًا الحدودَ إلى السَّاحاتِ العربيّةِ والدّوليّةْ، شِاعِرًا فَذًّا، يَهُزَّ بالمعاني كُلَّ عِطْرٍ للوَرْدْ، لِتَفُوْحَ في الأرجاءْ، مُـحَمَّلةً بِنَسَائِمِ الـمَجَازِ الطَّيِّبَةْ، وَمَعَانِيْهِ الإبداعيَّةِ الجميلةْ.

 

شَارَكَ في كَثِيْرٍ مِنَ المسابقاتِ الشِّعْرِيَّةْ، وَحَصَلَ على العَدِيْدِ مِنَ الـجَوَائِزْ، وَلَهُ كثيرٌ مِنَ الدّواوينِ الشِّعْريّةِ التي سَجَّلَتْ حُضُوْرَهُ الطّاغِي، كواحِدٍ مِنْ أَبْرَزِ شُعَرَاءِ الـمِنْطَقَةْ، والعالَـمِ العَرَبيِّ بِشَكْلٍ عَامْ، ومِنْ جُـمْلَةِ دَوَاوِيْنِهْ: (أَعْشَاشُ الملائِكةْ، حمائِمُ تَكْنِسُ العَتْمَةْ، عِنَاقُ الشُّمُوْعِ وَالدّموعْ، ونَـحِيْبُ الأَبجدِيّةْ) وسوى ذلكَ الكثيرْ.

 

لهُ في النّبيِّ محمّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلّمْ، وأهلِ بيتِهِ عليهِمُ السّلامْ، قصَائِدُ كثيرةٌ بينَ الـمَدْحِ الرّثاءْ، وَلهُ في الإمامِ الحسينِ عليهِ السّلامْ، مَرَاثٍ كثيرةْ، وقَدْ تَطَرَّقَ كثيرًا في شِعْرِهِ إلى وَاقِعَةِ كربلاءْ، وَرَسَمَ بِـجَمَالِ الحروفِ ما رَشَحَ مِنْ مَواقِفَ وأَهْدَافٍ خَالدةٍ على مَرِّ الدُّهورْ، ومِنْ جُـمْلَةِ قصائدِهِ البَدِيْعَةْ، قصيدةٌ في أبي الفَضْلِ العَبّاسِ عليهِ السّلامُ بعنوانْ: (فارسُ النّهرْ) يَقولُ في مَطْلَعِها:

 

وَقَفْتَ علـى شَطِّ الفُرَاتِ مُعَلِّمَا

وَسَطَّرْتَ ناموسَ الأُخُوَّةِ بالظَّمَا

وَعُدْتَ وفي عَيْنَيْكَ حَطَّتْ قبيلةٌ

مِنَ الشَّـرَفِ العَالي فَأَلْفَتْ لهَا حِـمَى

كأنَّكَ لم تـَحْمِلْ مِنَ الـمَاءِ قِرْبَةً

ولمْ تَنْعَقِدْ زَنْدًا عَلَيْهَا وَمِعْصَمَا

 

وقَدْ أَبْدَعَ الصّحَيِّحْ فيها بتحويلِ قَضِيَّةِ أبي الفَضْلِ العَبَّاسِ عليهِ السّلامْ، وَوُقُوْفِهِ على النّهرْ، إلى مَلْحَمَةٍ إنسانيّةٍ تتجاوزُ المادَّةَ إلى الـمُطْلَقْ، عَبْرَ أَنْسَنَةِ الْـجَمَادِ وَبَثِّ الرُّوْحِ فِيهْ، لِتَتَجَلَّى بذلكَ قَدَاسَةُ العبَّاسِ عليهِ السّلامْ:

 

مَشَيْتَ كما تَـمْـِشـي القَصِيْدَةُ في الـهَوَى

مَـجَازًا شَجِيًّا أوْ بَدِيْعًا مُتَيَّمَا

حُسَامُكَ أهدَى الأبجديَّةَ حَدَّهُ

وباللُّغَةِ الفُصْحَى جَوَادُكَ حَـمْحَمَا

هُنَا القِرْبَةُ الـحُبلَـى أَرَاقُوْا جَنِيْنَهَا

مِنَ الـمَاءِ فَاْغْتَالُوكَ وَرْدًا وَمَوسِما

 

وبِكُلِّ عُنْفَوانٍ شِعْريْ، وإِبَاءٍ تَرْسُمُهُ الـمَعَاني، يَـحْمِلُ الشّاعرُ جاسم الصّحَيِّحْ وَجَعَ الصّحراءِ الـمُمْتَزِجَ بِدَمِ العبّاسِ عليهِ السّلامْ، وَذِرَاعَيْهِ الْـمُمْتَدَّيْنِ إلى اللهِ تعالى، وَروحَهُ السَّائِلَةَ مَاءً عَذْبًا، وَعِرَاقًا مُعَظَّمًا، لِيَخْلُدَ على مَرِّ التّاريخِ جُرْحُهْ:

 

هُنَا رُوْحُكَ انْصَبَّتْ فُرَاتًا ودِجْلَةً

وَأَهْدَتْكَ للدُّنْيَا عِرَاقًا مُعَظَّمَا

وجُرْحُكَ مِنْ فَرْطِ القَدَاسَةِ لمْ يَزَلْ

علـى هَامَةِ التّارِيْخِ جُرْحًا مُعَمَّمَا

وكُلُّ ذِرَاعٍ مِنْ ذِرَاعَيْكِ كَوْكَبٌ

تَـجَلَّـى لِيَمْحُو عَنْ سَـمَاوَاتِنَا العَمَىْ

 

وفي خِتَامِ القصيدةْ، يَتَقَدَّمُ الصّحَيِّحْ إلى العبّاسِ عليهِ السّلامُ بطَلَبِ سُقْيَا القَلْبِ والرُّوْحِ وَالأَدَبْ، طالِبًا منهُ البَيَانْ، قائِلاً إنَّهُ لِفَرْطِ خُشُوْعِهِ في نَـجْوَاهْ، أَقَامَ لِنَفْسِهِ مَأْتَمًا في رِحَابِهْ:

 

أَتَيتُكَ لِلسُّقيا فَفِي القَلْبِ صَارِمٌ

مِنَ العَطَشِ الـمَسْلِولِ جَـمْرًا وَعَلْقَمَا

فَهَبْني بَيَانًا يَسْتَعِيْدُكَ مُعْجَمًا

مِنَ الشِّيَمِ الكبرَى وَيَـجْلُوْكَ مَنْجِمَا

فيَا طَالَـمَا اشْتَاقَتْ مَدَائِنُ خَاطِرِيْ

أُقَلِّدُها أَبْـهَـى مَعَانِيْكَ أَنْجُمَا

وَلَكِنْ تَـخَطَّفْتَ العِبَارَةَ مِنْ فَمِيْ

وَعُدْتَ وَهَذا أَنْتَ تَـخْتَطِفُ الفَمَا

كَأنِّـيَ في نَـجْوَاكَ مِنْ فَرْطِ خَشْعَتي

أُقِيْـمُ لِنَـفْسِـي في رِحَابِكَ مَأْتَـمَا

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد