قصبات

الشّيخ محمّد بن حسن الصّائغ: حكيم الأحساء وطبيبها

أورد الباحث الشّيخ محمّد علي الحرز في كتابه «الطّبابة والأوضاع الصّحّيّة في الأحساء.. ملامح تاريخيّة»، سيرة الشّيخ محمّد بن حسن آل بن سليمان الصّائغ، أحد أعلام الطّبابة الذين عرفتهم الأحساء في القرن الثّالث عشر الهجريّ، مسلّطًا الضّوء على مصنّفه الذي يحمل العنوان: «تبصرة العارفين في علم الطّبّ».

 

ويذكر الحرز أنّ الصّائغ ينتمي إلى أسرة علميّة سكنت حيّ الفوارس بمدينة الهفوف، وأنّه هاجر من الأحساء في العام 1210هـ، واستقرّ في مدينة شيراز الإيرانيّة، وكان حيًّا في العام 1222هـ، دون أن يورد تاريخًا دقيقًا لوفاته، وقد ارتبط بعلاقات علميّة مع عدد من علماء عصره، منهم الشّيخ علي نقي بن أحمد بن زين الدين الأحسائي، والشيخ نصر الله أبي السّعود القطيفي.

 

وقد اشتهر الصّائغ بممارسة الطّبّ الشّعبيّ، فكان معروفًا بين النّاس بـ «الحكيم»، لما امتلكه من معرفة بالعقاقير وأساليب العلاج، ودرس الطّبّ على يد أحد علماء أسرة أبي السّعود في القطيف، وهي أسرة عُرف بعض أفرادها بالطّبابة.

 

ويصل الحرز في بحثه إلى الحديث عن كتاب «تبصرة العارفين في علم الطّبّ» الذي يعدّ أبرز ما عُرف من آثاره الطّبّيّة، قائلاً إنّه مصنّف ظلّ مجهولًا لسنوات طويلة، قبل أن يعثر على نسخة منه بخطّ ابن المؤلف، الشّيخ عبدالمحسن بن محمد بن سليمان، ضمن محفوظات مكتبة مخطوطات أسرة آل أبي خمسين في الأحساء.

 

تعود كتابة هذه النّسخة إلى غرّة جمادى الآخرة سنة 1271هـ، وتقع في 196 صفحة، تضمّ كلّ صفحة 16 سطرًا، بقياس 10.4 × 16.5 سم، وقد كُتبت بخط النّسخ والحبر الأسود، مع تمييز العناوين باللّون الأحمر. أمّا عنوان الكتاب، فقد ورد في مقدّمته باسم «تبصرة العارفين في علم الطب»، فيما حملت صفحته الأولى تسمية «تبصرة العارفين في علم الحكمة»، وهي تسمية تتّصل بالمفهوم القديم للطّبيب الذي كان يُعرف بالحكيم.

 

ويكشف الشّيخ الحرز عن اطّلاع الصّائغ على التّراث الطّبّيّ العربيّ والإسلاميّ واليونانيّ، إذ استند إلى مؤلّفات وآراء عدد من أعلام الطّبّ، مثل جالينوس وبقراط وابن سينا والرازي، واستعمل رموزًا مختصرة للإشارة إليهم عند نقل المعلومات والوصفات العلاجيّة، كما اعتمد  منهجًا يقوم على تحديد المرض، وشرح طبيعته وأنواعه، قبل أن يستعرض مجموعة من العلاجات والعقاقير المناسبة له.

 

وقسّم الصّائغ بحسب الحرز كتابه إلى أبواب وفصول تتناول أمراض الرّأس والصّداع والشّقيقة، واضطرابات الّنوم والنّسيان، والصّرع والفالج والتّشنجّ، وأمراض العيون والأذن والأنف والفمّ والأسنان والحلق، فضلًا عن أمراض القلب والمعدة والجهاز الهضميّ والرّحم والمفاصل والجلد، كما خصّص فصولًا لحالات نفسيّة وعصبيّة.

 

وفي طيّات هذا المصنّف الطّبيّ تتنوّع الموادّ العلاجيّة، ويظهر اعتماد المؤلّف بشكل رئيس على عناصر طبيعيّة في وصفاته، وعلى وصفات مركّبة ذات مقادير محدّدة، وطرق مختلفة لاستعمالها، بين الشّرب والتّضميد والدهان. ويورد الحرز نماذج من هذه الوصفات، منها استعمال البنفسج والبابونج في معالجة الصّداع، ودهن الجوز والحلبة في قروح الرّأس، والزّنجبيل والنّعناع في تحسين الهضم، إلى جانب وصفات متعدّدة لأوجاع الأسنان والعيون والأذن وبحّة الصّوت.

 

يكشف مصنّف «تبصرة العارفين في علم الطّبّ» حضور التّأليف الطّبّيّ في الحياة العلميّة الأحسائيّة، ويبقى كأثر علميّ تاريخيّ، يشكّل قيمة معرفيّة وتراثيّة أصيلة.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد