علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

وحدة الاختبار الروحي بين ابن عربي ولاوتسو (2)

مفهوم التجلِّي.. فلسفياً

 

في الفضاء المعرفي الغربي جرى النظر إلى التصوف من وجهين متلازمين: الأول بما هو تنظير فلسفي لظاهرة سوسيوتاريخية، والثاني بما هو اختبار معنوي وروحي يكابده الصوفي داخل دين ما أو خارجه، قصد التعرّف على الله. وقد يكون الفيلسوف الألماني المعاصر مارتن هايدغر أحد أكثر أقرانه ممن استطاعوا خرق الجدار الإسمنتي الذي أقامته ميتافيزيقا الحداثة بين الله والعالم.

 

يتحدث هايدغر عن نموذج أعظم من التجلِّي الذي تفضي إليه التجربة الأولية المتعالية، وهو يطلق على هذا النموذج عبارة “القلق الأساسي”. ويعني بذلك ذاك النوع من القلق الذي “يكشف عن اللاَّشيء” الكامن “في داخل” كل كينونات العالم الداخلي (What is Metaphysics, 103).. وهذا الصنف من التجربة يمكن أن يعتبر مماثلاً إلى حد كبير لتجربة الصحوة كما يمكن اعتباره مثالاً عليها.

 

“القلق الأساسي” هو مثل الصحوات، مفاجئ ويحصل من غير توقع، وهذا ما يسبب انسحاباً من الشؤون الدنيوية وينتج عادة خلال الترتيبات البعيدة المدى لأنشطة الشخص تجاه الأهداف المتعالية. يرى هايدغر أن “القلق الأساسي يمكن أن يستيقظ في الوجود في أي لحظة، ولا يحتاج إلى أي حدث غير اعتيادي لإيقاظه”. وأما الحقيقة المتعالية التي تكشف عنها الصحوة فلا يمكن بلوغها عبر وسائل التفكير العقلي الميتافيزيقي، ذلك لأنها تتجاوز كل مفهوم عقلي قد يسعى هذا النوع من التفكير لحبسه في الداخل[1].

 

في مسعاه إلى الكشف عن أبعاد جديدة للميتافيزيقا يرى الفيلسوف الألماني فرانز فون بادر (1756-1841) أن الفلسفة تبدأ بالسؤال عن الذي يؤسّس بنية الكينونة والتفكير.. أي العقل الأول الذي يُحدِث ويؤيِّد ويساعد؛ ذاك الذي يُحدث الكينونة ويؤسّسها، ويؤيّدها، ويساعدها. وهذا وحده المبدأ الذي يخلق ويؤسّس ويدعم في الوقت نفسه، وهو أكثر من مجرد سبب أوّل، أو محرك أول كما وصفه أرسطو. فعندما يكون الذي يُحدث ويؤيّد ويساعد هو المؤسّس، هو الذي يُحدث ويؤيّد ويساعد. لكن الذي يحُدث أولاً، يمكن أن يكون الذي يُحدث نفسه وبالتالي يؤسس نفسه وحسب. فالمحدِث والمؤسّس الأول لا يمكن أن يُحدث ويؤسّس غيره قبل أن يُحدث ويؤسّس نفسه أولاً. ومن خلال كونه مؤسساً لذاته فقط، يمكن لذاتيّ التأسيس أن يؤسّس[2].

 

إن مبدأ التأسيس – كما يضيف بادر –  ينبغي أن يكون مؤسِّساً ذاته بمعنى محدَثٌ بالذات، وعالم بالذات وخلاَّق. المبدأ المؤسِّس بحق هو الذي يولّد المعرفة وكل ما يتعلق فيها، أو إن المعرفة المطلقة والخالقية المطلقة يتماهيان في المبدأ. وكذلك فإن تعليم تماهي الذات والموضوع في العقل الواعي لذاته أو كون العقل مع ذاته هو تعليم أن الإدراك الكامل هو إدراك منتج، يدرَكُ عندما يُحدِث. عندما لا يكون وعي الذات تماهياً أزلياً بين الذات والموضوع لا يكون تماهياً حقيقياً؛ لأن التماهي بين ما يُحدِث وبين ما يُحدَث، والتماهي بين ذات وموضوع الوعي الذاتي الذي لا ينشأ إلا في الزمن، ليس تماهياً، بل هو تعاقب إلغاء للفوارق. إن وعياً ذاتياً كهذا الذي يتماهى في حالة تعاقبية ليس أولياً ولا أصيلاً، بل هو ثانوي ومستخلص.

 

وهذه المعرفة اللاأولية أو الثانوية هي المعرفة الذاتية لكل عقل متناه. فكل عقل متناهٍ يعرفه لا يحدِث نفسه وبالتالي لا يعرف نفسه، وهكذا يُعرَف بكونه معروفاً من الروح المطلق[3] الذي أحدثه. وكل معرفة ذاتية أو تفكير ذاتي للموجود المحدود هو أيضاً مفكَّر فيه ويعرِف بمعرفته أنه مفكَّر فيه في الوقت نفسه. “الأنا أفكر” (الكوجيتو) هي دائماً في الوقت نفسه “أنا مفكّرٌ فيّ إذا أنا أفكٍّر (cogitor ergo cogito)[4].

 

يريد بادر مما مرّ اقتباسه أن يؤسس لكوجيتو جديد يعيد الميتافيزيقا إلى التطلع نحو الأفق الأعلى بعد أن سدُّت في وجهها آفاق التسامي الإلهي. والسبب في ذلك كله يعود إلى ما يسميه هايدغر بـ “نسيان الكينونة”. أو بحسب التعبير القرآني نسيان الله. كما في الآية: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ}[5].

 

“كوجيتو” بادر له سمتٌ مخصوص ومفارق. إنه يروم فتح السبيل أمام الميتافيزيقا لتتعرف الملأ الأعلى عبر العقل المتدبِّر. لقد انطلق بادر من نقد منظومة ديكارت في “الأنا أفكر، إذن أنا موجود” ليقدم منظومته الفلسفية العرفانية التي تقوم على نظرية التعرٌّف على المتعالي المطلق من خلال المقولة التالية: أنا مفكّر فيه وبه من الله، إذن أنا يمكن أن أكون وأفكر”. وما من شك فإن انتماءه إلى البيئة الرومانسية في الفلسفة المثالية الألمانية جعلته يمضي بعيداً نحو ميتافيزيقاه الخاص. ولقد تأثر إلى حد كبير باللاَّهوتي وفيلسوف التصوف الكبير يعقوب بوهم (Jacob Boehme) الذي منه توصل بادر إلى تواصل المتناهي واللاّمتناهي ولكن عن طريق سكن المطلق في المتناهي، وتعلّق المتناهي بالمطلق عبر تمثل صفاته وأفعاله. ففي معرفة الذات مقرونة بتأمل الذات الحكيمة الإلهية يكمن مصدر وهدف المعرفة والوجود الإنسانيين[6].

 

التصوف كمعادل للإيمان الأقصى

 

دلّت الاختبارات الروحية لدى العرفاء والقديِّسين، على أن فهم الأمر القدسي وإدراك أسراره يمكث في المنطقة العليا من الإيمان. والمعني بهذا، هو الدرجة التي يصل إليها المؤمنون بالسير والسلوك إلى معرفة أنفسهم، ومعرفة الموجودات وصولاً إلى معرفة الله. والذين يصلون إلى هذه الدرجة المتعالية، هم الذين يطلق على كل فرد منهم صفة العارف أو الإنسان السالك في طريق الكمال.

 

فالإيمان الأقصى – كما يقول الفيلسوف واللاّهوتي الألماني بول تيليتش – هو الذي يوفّر لصاحبه القدرة على التجاوز والتعالي والاستيعاب والإحاطة. ومن يبلغ تلك الدرجة القصوى يستطيع أن يعيش المجاز والحقيقة بنفس المقدار. وأن يعيش الغيب والشهود كما لو كان معهما في عالم واحد. فهو في حالة انسجام ووئام ولو ظن الآخرون خلاف ذلك. إيمان المؤمن بما يؤمن لا يمكن وصفه، بل لا يمكن تحديده. فهو ليس مجرد ظاهرة تماثل الظاهرات الطبيعية الأخرى، بل إنه الظاهرة المركزية في حياة الإنسان الشخصية الجلية والخفية في الوقت نفسه.

 

فالإيمان في حده الأقصى هو إمكانية جوهرية للإنسان، ولذلك فوجوده ضروري وكلي، وهو ممكن وضروري أيضاً في كل زمان ومكان. وإذا فُهِمَ الإيمان في جوهره على أنه همُّ أقصى، فلا يمكن إذّاك أن يثلمه العلم الحديث أو أي نوع من الفلسفة. ثم إنه يسوغ ذاته ضد من يهاجمونه، لأنهم لا يستطيعون أن يهاجموه إلا باسم إيمان آخر. ولعل أبرز ما في واقعية الإيمان أن الذين يرفضونه إنما يعبِّرون، وهم يفعلون ذلك عن إيمان ما[7].

 

مع ذلك فإن جانباً مهماً تستظهره منزلة القدسي في الاجتماع الإنساني. وهذا الجانب هو ما يفضي إليه التصور الدنيوي المحض القائل بالتناظر الضدي بين الإيمان والعقل. فعلى هذا الصعيد يجب أن يسأل المرء أولاً: بأي معنى تُستعمل كلمة “عقل” حين تُواجَه بالإيمان؟ هل المقصود بها، كما هي الحالة الشائعة اليوم، أن تُطلّق بمعنى المنهج العلمي والصرامة المنطقية والحساب التقني أم أنها تُستعَمل، كما كان الحال في كثير الحضارات البشرية ولا سيما الحضارة الغربية، بمعنى منبع المعنى والبنية والمعايير والمبادئ؟

 

ثمة إجابات لا حصر لها وردت حول ثنائية العقلي – الغيبي والعلاقة الناظمة بينهما. ومنها ما جاء على لسان تيليش في سياق مساجلاته مع لاهوتيين علمانيين قالوا بالتناقض بين الإيمان والعق. فقد رأى أن الإيمان لو كان نقيضاً للعقل لكان يميل إلى نزع الصفة الإنسانية عن الإنسان. فالإيمان الذي يدمِّر العقل، يدمر في المقابل نفسه ويدمر إنسانية الإنسان. إذ لا يقدر سوى كائن يمتلك بنية العقل على ان يكون لديه هماً أقصى. أي أن يكون شغوفاً بالله والإنسان في آن، وذلك إلى الدرجة التي يؤول به هذا الشغف إلى تخطي الثنائية السلبية التي تصنع القطيعة بين طرفيها.

 

وحده من يمتلك ملكة “العقل المتصل” ـ أي العقل الجامع بين الإيمان بالله والإيمان بالإنسانية ـ هو الذي يفلح بفتح البـاب العالي على الوصل بين الواقع الفيزيائي للإنسان وحضـور المقـدس في حياته. وما نعنيه بالعقل المتصل هـو العقـل الذي يشكل البنية المعنويــة للذهن والواقع، لا العقل بوصفه أداة تقنية بحتة. وبهذا المعنى يصير العقل شرطاً تأسيسياً للإيمان: ذلك لأن الإيمان هو الفعل الذي يصل به العقل في نشوته الإنجذابية إلى ما وراء ذاته. أي إلى ما بعد أنانيته التي يتجاوزها بالإيثار والعطاء والجود والغيرية.

 

بتوضيح آخر، أن عقل الإنسان متناهٍ ومحدود، ويتحرك داخل علاقات متناهية ومحددة حين يهتم بالعالم وبالإنسان نفسه. ولجميع الفعاليات الثقافية التي يتلقى فيها الإنسان عالمه هذه الخاصية في التناهي والمحدودية. لكن العقل ليس مقيداً بتناهيه، بل هو يعيه، وبهذا الوعي يرتفع فوقه وعندها يجرب الإنسان انتماءً إلى اللامتناهي الذي هو مع ذلك ليس جزءاً منه ولا يقع في متناوله، ولكن لا بد له من الاستحواذ عليه. وحين يستحوذ على الإنسان يصير بالنسبة إليه هماً لا متناهياً أي مقدساً ونبيلاً. وحين يكون العقل ـ بهذه الصيرورة ـ مسلّمة للإيمان، يكون بهذا المعنى تحققاً للعقل. ومقام الإيمان بوصفه حالة هم أقصى هو نفسه مقام العقل في طور نشوته الإنجذابية. والنتيجة أن لا تناقض بين طبيعة الإيمان وطبيعة العقل بل يقع كل منهما في داخل الآخر[8].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – Martin Heidegger. Contributions to Philosophy, Trans. Richard Rojcewicz. And Daniela Vallega

Indiana University Press 2012. 88-89

[2]– Franz von Baader، Vorlesungen über religiöse Philosophie (abbr. VP)، in SW، Vol. I، p. 551.

[3] – IPID. P. 552.

[4]– See. Franz von Baader، Über das Verhältnis des Wissens zum Glauben، in SW I، p 185؛ Vorlesungen über spekulative Dogmatik (abbr. VD)، in: SW، Vol. VIII، 115؛ Erläuterungen zu sämtlichen Schriften von Louis Claude de Saint-Martin (abbr. E)، in SW، Vol. XII، p. 714، 178-171 and others.

[5] – سورة الحشر – الآية 19.

[6] – Jacob Boehme, Apologia Contra Baltnasar Tilken. 11.67

[7] – بول تيلتش – بواعث الإيمان – ترجمة سعد الغانمي – دار الجمل – بيروت – برلين – ص 90.

[8]– تيليتش – المصدر نفسه – ص 95.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد