علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

التعرّف على الفائق (3)

كيف تسأل المعرفة الفائقة عمَّا تبتغيه، وأيُّ ضربٍ من الأسئلة تتَّخذ لكي تبلغ مقاصدها؟

 

يتَّخذ السؤال مكانة تأسيسيَّة في سيرورة التعرُّف على الفائق، لكن الاستفهام هنا لا يسلك السبيل الذي تسالمت عليه المعارف المحصَّلة من حقول البحث العلميِّ، بل هو ينحو نحوًا تتآزر فيه إلهامات التجربة الشهوديَّة وكشوفاتها، مع تساؤلات العقل النظريِّ وحدوساته.

 

من أظهر مزايا هذا السؤال أنَّ العارف يستفهم به عن الغيب والواقع من دون أن يشوب استفهامُه عنهما أيُّ تناقض. وما ذاك إلَّا لأن سؤاله يبقى على وصلٍ وثيقٍ بالدائرتين الغيبيَّة والواقعيَّة، ويقدِّر لكلِّ دائرة الاستفهام الذي يناسبها. فالسؤال في دائرة التعرُّف على الفائق يكتسب صفة مركَّبة، ليكون استفهامًا عن حقيقة الموجودات والترقّي نحو الاستفهام عن واجد الوجود الأتمّْ.

 

ولأنه سؤال عن المبدأ والغاية فهو بهذا المعنى سؤال مؤسِّس، يؤسِّس عليه. فالسؤال المؤسِّس متعلِّقٌ بعلم المبدأ؛ وتعيينًا بمعرفة الأفعال الإلهية التي هي أعلى العلوم مطلقًا. لهذا السبب كان استفهام المتعرف على الوجود الفائق استفهامًا عن أتمِّ الموضوعات حيطة وشمولًا، وعن أبْينِها معنىً، وأقدمِها تصوُّرًا وتعقُّلًا. لهذا قيل إنَّ علوّ العلوم يكون بحسب عموم الموضوع وشمول حيطته.

 

فالعلم إنما يكون أعلى مطلقًا إذا كان موضوعه أعمَّ مطلقًا بالنسبة إلى سائر الموضوعات، وتكون موضوعات العلوم جميعها من جزئيَّاته. ولأن علم المبدأ هو سليل العلم الإلهيِّ فإن له من الخصائص ما يفارق سائر المعارف والعلوم الإنسانيَّة، وعليه، فمن البديهيِّ أن تتأتَّى أسئلتُه مطابقة لماهيَّته وهُويَّته ومقاصده. وعلى ذلك، يكتسب السؤال عن الفائق صفة كونه سؤالًا مؤسِّسًا لمعرفة حقائق الموجودات. ما يعني أن مقولة التأسيس التي يتَّخذها دُربَةً له، مبنيَّةٌ على تلازم وطيد بين مسعَيَيْن متلازمين: المسعى الأنطولوجيّ (علم الوجود) والمسعى الفينومينولوجيّ (علم ظواهر الوجود). لكن جلاء هذه الحقيقة لن يتأتَّى من تشطير المسعَيَيْن المذكورين والفصل بينهما، وإنما من تكاملهما، حيث يكون السؤال حينئذٍ مطابقًا لكلِّ مرتبة وجوديَّة بقَدَرِها.

 

ها هنا لا ينبغي السؤال عن إمكان معرفة الفائق بمنأى من السؤال عن إمكان ميتافيزيقا فائقة حيث كل إمكان منهما متَّصل بالآخر اتصال المبدأ المؤسِّس بمبادئه الفرعيَّة المؤسَّسة عليه والصادرة منه والمحايثه لظهوره. ولذا فلا إمكان لولادة معرفة فائقة خارج رحم ميتافيزيقي يحتضنها ويمنحها سماته وخصائصه مبادئه. ولكي تجتنب المعرفة الفائقة الهبوط الى مجرَّد كونها معرفة ظلِّيَّة عارضة فلا مناط لها من ملازمة ميتافيزيقاها طلبًا لتأييدها ورعايتها والتزوُّد من فيوضاتها. لهذا أشكل على المعرفة الظلِّيَّة التعرُّف على الحقيقيِّ والأصيل بحكم انفصالها عنه وإيثارها دربة الإلتزام بحدود العقل الاستدلاليِّ ومخابر التجربة الحسِّيَّة.

 

أمَّا معرفة الفائق فلزومها الشغف بالتعرُّف على المابعد؛ أي بما يتعدَّى السؤال عما هو بائن، من أجل أن يتحرَّى علَّة بائنيَّته الكامنة في فضاء أنطولوجيٍّ ما بعديٍّ سمتُه البحث عما يحتجب وراء الحواسّ. وعليه ستؤسِّس معرفة الفائق مسلكها التنظيريَّ على كشوفات الميتافيزقا البَعديَّة ومسلَّماتها. وهذا ما يفترض الإلتفات إلى القاعدة التالية: حين كان مقتضى التعرُّف على الفائق مجاوزة المتناهي والمحدود، فقد لزم على المتعرِّف أن يتوجَّه شطر الَّلامتناهي. ولزوم التوجُّه التحرُّر من تعقيدات العقل المثقل بالمفاهيم حتى يتسنَّى له الانتقال الى الأرض المفتوحة على بسيط الحقيقة. هنالك سينفتح له أفق التعرُّف على ما لا قَبِلَ له به، فلا يحتاج حيثئذِ إلى الاستفسار عمَّا يتناهى ويظهر.

 

بناءً على ما مرَّ، لن يكون للتعرُّف ثمرة متى أمست المعرفةُ لهوًا كسولًا بالمفاهيم، أو خزنًا للمعلومات في الحافظة. فالمعرفة الحقَّة المتَّجهة بدأب نحو الفائق، هي شغفٌ وفضولٌ وتطلُّع في ما يتعدَّى أحوال المتناهي ومعارفه. فلئن لم تكن المعرفة سرحًا في الخيال الممتدِّ إلى ما وراء الأفق، فلن تحظى بشرف المنزلة، ذلك بأنها استكشاف للمابعد وفق سيْريَّة جوهريَّة تتَّصل بما قبلها وتفارقه على نحو المجاوزة، لا على نحو النفي والقطيعة.

 

المعرفة الفائقة - على كلِّ حال - فعل رجاء. والرجاء علم يجود به القدسيُّ على طالبه بالصبر والدعاء. ولأنَّ المعرفة الصبورة شأنٌ ذاتيٌّ للمعرفة الفائقة، بل هي ترقى إلى منزلة الذروة إذ تتلقَّى الإفاضة بالصبر، ولذا كان لزومها الصمتْ والإعراضُ عن السؤال العجول، فليس لطالب المعرفة من سبيل حيثئذٍ إلَّا الإصغاء لنداء الألوهيَّة ليعرف الفائق ويحياه.

 

في هذا المحور، دخولٌ إلى أرض مستحدَثة قصد التعرُّف على أفق ما بَعديّ لنظريَّة المعرفة. ولقد سَعَينا إلى معاينة الكيفيَّات التي توفِّر إمكانات قيام معرفة فائقة، وتدبُّر السبيل الذي تتَّخذه حين تتاخم قضاياها الفرعيَّة وحقولها الحيَّة. في مسعانا لتظهير هذا القصد، حرصنا على ألَّا نحمِّل القارئ مشقَّة التعريف بنظريَّة المعرفة كمفهوم ومصطلح، وهو ما أوفت به الصروح البحثيَّة والأكاديميَّة الكلاسيكيَّة. فما ذهبنا إليه هو بيان أنَّ الحاكم على كلِّ معرفة أمران: أن يكون لدى المتعرِّف اعتقادٌ بالافتراض الذي يتكلَّم عنه، وأن هذا الاعتقاد لا مناص من أن يكون حقيقيًّا...

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد