علمٌ وفكر

الدليل على وحدانية اللّه تعالى

السيد عبدالله شبر

 

إن الذي يدل على التوحيد بمعنى نفي الشريك أمور:

 

الأول: إلهي فوقاني وهو إن من تأمل بفكر سليم وعقل مستقيم في هذا العالم الذي هو ما سوى الله رآه من مبدئه، وهو عالم العقول والأرواح إلى منتهاه، وهو عالم الأجسام كسلسلة مشتبكة منتظمة بعضها في بعض وكل جزء منها متربط بما يليه كالدور المعي، فإن الفقير محتاج إلى الغني وبالعكس، والعالم إلى الجاهل وبالعكس، وهكذا الصغير والكبير والجليل والحقير والأرض والسماء وكذا جميع الموجودات بقضها وقضيضها، فالعالم كبيت واحد يفسده تعدد المدبر، أو كبدن يفسد تعدد الروح، وكما أنه إذا تعدد رئيسان في منزل أو حاكمان في بلد أو سلطانان في مملكة أورث اختلال نظامهما وأوضاعها، فكذا لا تنتظم السماوات والأرضون وما فيهما وما بينهما بإلهين، وكما أن ائتلاف أعضاء الشخص الواحد الإنساني منتظمة في رباط واحد منتفعًا بعضها من بعض مع اختلافها وامتياز بعضها عن بعض يدل على أن مدبرها واحد وممسكها عن الانحلال قوة واحدة ومبدأ واحد، فكذلك ارتباط الموجودات بعضها ببعض على الوصف الحقيقي والنظم الحكمي دليل على أن مبدعها ومدبرها وممسك رباطها أن تنفصم واحد حقيقي يمسك السموات والأرض أن تزولا، وإلى هذا أشير في القران الكريم بقوله : {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91].

 

الثاني: علوي وحاصله، أنه كما أن وجود آثار الصانع من خلق مخلوقاته وإرسال ‌رسله دليل عليه، فانتفاء ذلك مما يفرض شريكه دليل على انتفائه إذ الفطرة السليمة شاهدة والعلم العادي قاض بأنه لو كان مع الصانع إله آخر لم تحتجب عن أحد آثاره، ولوصل خبره‌ إلى الناس ولعلم حاله مع الباري جل ذكره من التوافق وعدمه، ولأرسل إلى الخلق رسلاً بأوامر ونواهٍ ووعد ووعيد وتجويز، وجرده مع عدم وصول خبره والمعرفة بأحواله احتمال ‌غير قادح، كما أن تجويز صيرورة الأواني المعهودة أفاضل مدققين غير قادح في العلم ‌ببقائها على حالها، وهذا البرهان بزغ نيره من مشرق باب مدينة العلم حيث قال عليه السّلام في وصيته لولده الحسن أو محمد بن الحنفية على اختلاف الرواية: واعلم يا بني أنه لو كان ‌لربك شريك لأتتك رسله ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ولعرفت أفعاله وصفاته ولكنه إله‌ واحد كما وصف نفسه.

 

الثالث: أن التفرد بالصنع كمال فوق كل كمال، وسلب الكمال عن ذات الواجب‌ محال فلا يكون له شريك ولا نظير.

 

الرابع: اأنه تعالى غني بوجوب ذاته عما سواه فيكون غنيًّا عن الشريك ولأن الشركة نقص إذ التصرف الكامل لا يجوز لأحد الشريكين فيكون كل منهما ناقصًا.

 

الخامس: أن كلّا منهما إن لم يقدر على إقامة النظام كانا عاجزين فيكونا بالألوهية غير لائقين، وإن قدر كل منهما على إقامة النظام كان الآخر عبثًا، أو إن كان أحدهما قادر أو الآخر عاجزًا تعين الأول للألوهية.

 

السادس: أنهما لو تعدّدا لزم كون كل منهما مركبًا من الوجوب والمائز، وكل ‌مركب محتاج إلى أجزائه والحاجة من خواص الممكن والمفروض كونه واجبًا.

 

السابع: أن كل من جاء من الأنبياء وأصحاب الكتب المنزلة إنما دعا الاستناد إلى‌ واحد استند إليه الآخر ونفي الشريك وأخبر عن الإله بأنه لا شريك له. فإن كان من أرسلهم صادقًا في ذلك ثبت المطلوب، وإن كان كاذبًا لم يكن لائقًا للإلهية حتى يكون شريكًا، وفرض كونه من أرسلهم ليس بمتفرد ولا شريك وكون الشريكين لم يرسلا أحدًا لا يخفى ‌قبحه...

 

الثامن: أنه لو كان القديم اثنين متغايرين لزم أن يكون بينهما فرجة قديمة فيكون ‌القدماء ثلاثة وإذا كانوا ثلاثة كانوا خمسة وإذا كانوا خمسة كانوا سبعة... وهكذا إلى‌ ما لا نهاية له والمدعي معترف بالبطلان فيما زاد على اثنين فالملزوم مثله.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد