
تلازم العقل والوحي في الميتافيزيقا البَعدية
تحيل الميتافيزيقا البَعديَّة كلَّ باب من أبواب المعرفة إلى مصدرها الوحيانيّ. هذه الإحالة تقوم على مسلَّمة مفادها أنَّ الميول الوحيانيَّة لدى الإنسان هي ميول فطريَّة، وعليه، لا يمكن معرفة المبدأ، ولا التعرُّف على المُبدئ بما يتخالف والفطرة الإنسانيَّة في شيء. وليس من ريبٍ أنَّ ما يسمَّى البديهيَّات – أي الأوَّليَّات والمشاهدات والتجريبيَّات والحدسيَّات والمتواترات – كلَّها تُبنى على القياس، في حين أنَّ الفطريَّات هي قضايا قياساتها معها. ومع الالتفات إلى أنَّ الحدسيَّات والتجريبيَّات تستبطن قياسًا مخفيًّا فيها، فإنَّ اليقين في المتواترات راجعٌ إلى حدٍّ أوسطَ وقياس. وبناءً على هذا، تُعدُّ جميع هذه القضايا من البديهيَّات، ويمكن اعتبارها أساسًا لمعرفة سائر القضايا، إلَّا أنَّ مجموعتين منها لا تستندان إلى دليل آخر؛ عنينا بذلك الأوَّليَّات والمشاهدات[3].
بحسب ما تفترضه الميتافيزيقا البَعديَّة في سياق بلورتها لنظريَّة معرفة تتوخَّى إثبات كونها علمًا، يمكن الاستفادة من “الشهود” في مشتغلات الفلسفة، لأنَّ المشاهدات أو المحسوسات داخلة في أنواع البديهيَّات، وهذه بدورها تشمل المحسوس بالحسِّ الظاهر والمحسوس بالحسِّ الباطن، أو ما يُعرف بالعلم الوجدانيِّ، كعِلم الإنسان بنفسه وبأحواله الباطنيَّة. من أجل ذلك، يمضي علماء الإلهيَّات إلى أنَّ الشهود لا ينحصر بالحسيِّ، بل يشتمل على “الشهود العقليِّ” وفوقه “الشهود القلبيّ”. هنا تجب الإشارة إلى ثلاثة أنواع من الشهود هي: الحسّيُّ، والعقليُّ، والقلبيّ. وبقبول هذه الثلاثيَّة ينفتح الباب أمام دخول الشهود إلى عالم الفلسفة، وبيان حجِّيَّته وقيمته المعرفيَّة. في السياق، يذهب العرفان النظريُّ إلى ما يسمُّونه بالحجِّيَّة الذاتيَّة للشهود. فالشهود هو العلم الحضوريُّ ذاته، وفي العلم الحضوريِّ يكون المعلوم حاضرًا عند العالم، وكلُّ شيء بحسبه.
أمَّا في الشهود الحسّيِّ فلا يتمُّ حضور كُنه الشيء والعلم به. ومعيار الشهود والعلم الحضوريِّ هو الارتباط المباشر، فلإثبات وجود النفس والذات مثلًا، ليس ثمَّة حاجة إلى دليل آخر؛ فإنَّ كلَّ شخص حاضر لنفسه ويشهد نفسه. وعلى هذا، فبيان حجِّيَّة الشهود يتمُّ على أساس الارتباط الحضوريِّ والمباشر. وما ذاك إلَّا لأنَّ الموجود العاقل المُدرِك إذا حصل له ارتباطٌ حضوريٌّ مع شيء ما – وفي أيِّ مجال كان – سيُدرِك ذاك الشيء الذي حصل له معه ارتباطٌ حضوريّ، ويعتمد إدراكه لذلك الشيء حضوريًّا على مقدار قوَّة ذلك الارتباط. فالمفهوم والاستدلال لا يُعتبران واسطة في العلم الشهوديِّ، بسبب أنَّ العلم الحصوليَّ محكومٌ بالانفصال والانفكاك بين المعلوم بالذات والمعلوم بالعرض. أمَّا في العلم الحضوريِّ فالأمر خلاف ذلك، حيث إنَّ واقعيَّة المعلوم تكون حاضرة لدى العالِم؛ ولذا فليس لأحدٍ الشكُّ في شكِّه هو نفسه[1].
كذلك،تتواصل حجّيَّة الشهود في الميتافيزيقا البَعديَّة من خلال العروة الوثقى الرابطة بين النظر العقليِّ والأثر السلوكيّ. فهما معًا يؤلِّفان وحدة بين نوعين من الشهود: الشهود العقليِّ والشهود القلبيّ. بخصوص النظر والأثر كإمكان فلسفيٍّ فإنَّ كلًّا منهما ينتمي إلى سلالة العلم والعمل.. ففي حين يشتمل منطق النظر على الكيفيَّات التي ينشط فيها العقل المتَّصل بالغيب سعيًا للتعرُّف على الحقِّ المُبدئِ للخلق.. يكون منطق الأثر على رباط وثيق بنظيره، وهو أقرب إلى الرباط المنطقيِّ بين المقدِّمات والنتائج. معنى هذا أنَّ الأثر المترتِّب على الكشف الواقع وراء طور العقل، يدخل دخولًا بيِّنًا في نظريَّة المعرفة المؤسِّسة للميتافيزيقا البَعديَّة. ما يعني أن ليس ثمَّة انقطاعٌ في هذه المنظومة بين النظر والأثر، وإنْ كان لكلٍّ منهما منهَجُه المخصوص وتمظهُراته المختلفة. أمَّا العناية الإلهيَّة في منظور الميتافيزيقا البَعديَّة فهي حاضرة في المنطِقَين معًا؛ وتعمل على نحوَيْن متوازيين يوصلان إلى غاية واحدة:
أ- العناية الإلهيَّة المتعالية المباشرة التي تعرب عن نفسها في أعمال تاريخيَّة خاصَّة وفريدة، عبر الأنبياء والرُّسل والأولياء، الذين خصَّهم الله بعطاءات وقدرات وأفعال فوق طبيعيَّة لا تمنح لسواهم من البشر.
ب- العناية الإلهيَّة الباطنيَّة أو الكامنة في التاريخ، وهي التي تعمل وفق قوانين موحّدة، وتستخدم وسائل طبيعيَّة، وبوساطة البشر أنفسهم.
وفقًا لما مرَّ، لا يكتفي النظام المعرفيُّ المفترض للميتافيزيقا البَعديَّة ببيان القواعد العقليَّة والأسُس النظريَّة للمكاشفات القلبيَّة والمشاهدات الباطنيَّة، بل يعتني بدور آخر بالغ الأهميَّة، هو تقرير هذه المكاشفات وإخراجها من كمونها في عالم الباطن إلى عالم الظهور، ومن مكمون الغيب إلى الواقع المشهود. من الباحثين في العرفان النظريِّ من عدَّ العلاقة بين العقل والقلب كالعلاقة بين العين والنفس. فكما أنَّه لولا العين لحرم الإنسان الرؤية والإبصار، كذلك لولا العقل لحرم القلب من حكمة الاستبصار. فالعقل الذي يتمتَّع بقابليَّة الاستدلال، يتمتَّع بقابليَّة المشاهدة والكشف، ولولاه لما كان بمقدور القلب أن يشاهد أو أن يتحقَّق له الكشف. وإذا ما عُدَّ العقل عين القلب، فلا بدَّ من أن يُعدَّ عملُه -أي العقل- نوعًا من المشاهدة.
فإذا تنوَّر العقل بنور القدس واتحد العقل بالقلب، وحصلت البصيرة في القلب، وصار العقل يرى بواسطة القلب، عندها تتفجَّر المعرفة الَّلدنيَّة من الله، وتُفاض المعارف والحقائق الإلهيَّة على قلب السالك، فيشاهدها عيانًا بواسطة قلبه وعقله معًا لجهة الاتحاد والوحدة الحاصلة بينهما، ولكنْ كلٌّ بحسب سعته ومرتبته الوجوديَّة؛ لأنَّ المعرفة العقليَّة مهما ترقَّت في مراتب الكشف، تبقَ محدودة إذا ما قيست بحدود المعرفة القلبيَّة وسعتها، والمقام الأسمى الذي يمكن أن تصل إليه. أمَّا بلوغ المعرفة القلبيَّة مقامات الكشف، فإنَّما هي صيرورة متدرِّجة حينًا ودفعيَّة حينًا آخر، الأمر الذي تكشف عنه التجارب والمعايشات الروحيَّة والمعنويَّة، وهو ما يُعرف عند العرفاء بالإلهام، أي الَّلحظة التي يتلقَّى فيها العارف فيوضات معارفه من لدُن الروح القدس في ما يتعلَّق بتدبير دنياه وآخرته.
عند هذه المنزلة تترقَّى معرفيَّة الميتافيزيقا البَعديَّة، لتنظر إلى الفطرة كمعرفة بدئيَّة أصيلة لتظهير الشهود كمعرفة عقلانيَّة. والمراد من هذا أنَّ الوحي كعلم لامتناهٍ مبنيٌّ على الفطرة بما هي الغرسة الإلهيَّة البدئيَّة لعلم التوحُّد. وهنا نلاحظ ثلاث مميِّزات للأمور الفطريَّة:
-الأمور الفطريَّة لكلِّ نوع من أنواع الموجودات مشتركة في الموجودات كلِّها، وإن اختلفت كيفيَّة وجودها في الأفراد ضعفًا وقوة.
-لا يمكن لفطرة موجودٍ ما أن يكون لها اقتضاءٌ معيَّن في مرحلة زمنيَّة، بينما لها اقتضاءٌ آخر في زمنيَّة أخرى.
-الأمور الفطريَّة بما هي فطريَّة، وتقتضيها خلقة الموجود، لا تحتاج في وجودها إلى التعليم والتعلّم، وإن احتاجت إلى التربية والتعليم في تقويتها وتنميتها، أو في توجيهها وهدايتها.
وَفق واحديَّة العقليِّ / الشهوديِّ تستوي معرفيَّات الميتافيزيقا البَعديَّة على خطٍ واحدٍ بين المعرفة الوحيانيَّة في أفقها الغيبيِّ والمعرفة العقليَّة في أفقها الطبيعانيّ”. وإذا اتّفق أنَّ هذه الأخيرة، أي “المعرفة العقليَّة” تتعامل مع الاستدلال والمفاهيم والتصوُّرات والألفاظ، تقوم المعرفة الوحيانيَّة على الكشف والشهود وعلم الفطرة. ومن هنا ندرك أنَّه لا يوجد خلافٌ جوهريٌّ بين هذين الَّلونين من المعرفة وإنَّما يقع كلُّ واحد منهما في مقابل الآخر. وعلى هذا الأساس تصبح “الفلسفة”- وهي العلم الذي يدرس بالاستدلال العقليِّ – مرتبة أوَّليَّة في معارف الميتافيزيقا البَعديَّة، ذلك أنَّ مهمَّة الفلسفة معرفة الحقائق، والأداة التي تستخدمها لهذا الغرض وتثبت بها مسائلها هي “العقل” و”المفاهيم الذهنيَّة”. وعليه، من المُحال أن نتوقَّع منها الإقرار بالكشف والشهود.
استخلاص
تتغيَّا الميتافيزيقا البَعديَّة متاخمة المقصد الأعلى لعلم الوجود وتسييل حكمة الإيجاد بوصفها علمًا عقليًّا مفارقًا. أمَّا غايتها ممَّا ستمضي إليه فعلى وجهين: أوَّلهما، إثبات نسبة المعارف والعلوم الحكميَّة إلى فضاء الميتافيزيقا، ثانيهما، تمييز ما هي عليه الحكمة الإلهيَّة البالغة، ممَّا هي عليه “الميتافيزيقا القبْليَّة” أي الفلسفة الأولى في نظرتها إلى حقائق الوجود. وهذان الوجهان يحيلان إلى قضيَّة تتَّصل بالإختلاف المنهجيِّ بين ما به صارت الحكمة علمًا، يرقى إلى استشعار كُنهِ الوجود، وما به صارت مباحث الفلسفة الأولى ميتافيزيقا قَبْليَّة قَصَرت غايتها على فهم الوجود في حقله الفينومينولوجيّ.
ماهيَّة الميتافيزيقا البَعديَّة وهويَّتها تتعيَّنان إذًا، في اختبارها لمنظومة معرفة توحيديَّة ترمي إلى مجاوزة ثنائيَّة الوجود والموجود، لتستظهر قيوميَّة الموِجد على الموجود واعتنائه به. ولهذه الغاية أقامت دُربتها المعرفيَّة على جدليَّة الوصل والفصل بين الحقِّ والخَلْق؛ حيث لا فصل على تمامه، ولا وصل على تمامه. ذاك أنَّ الحقَّ الذي أوجد الموجود الأول بالإيحاء الأمريِّ، منزَّهٌ من حيث ذاته عن كلِّ وصلٍ ووصفٍ وتقييد. أمَّا الأمر الإيحائيُّ، أو إيجاد الوجود بالأمر والخلق، ففهمُه في الميتافيزيقا البَعديَّة يسري وفق سيريَّة جوهريَّة تنتظم عن طريقها صلات الغيب بالواقع، والواقع بالغيب. هي حركة وحيانيَّة تشتمل على سُنَن التطوُّر الطبيعيِّ وقانون السببيَّة، وكذلك على العناية الإلهيَّة كحقيقة سارية في الوجود؛ ذلك بأنَّ المسرى الإمتداديَّ المحفوظ بالعناية الإلهيَّة لا ينشط في الميتافيزيقا البَعديَّة على سياق آليٍّ من النقطة ألف إلى النقطة ياء، إنما هو فعاليَّة سارية في مكمون الحركة التاريخيَّة، وتحوُّلاتها التي تتأبَّى الانقطاع والفراغ.
منتهى القول.. أنَّنا بإزاء مقترح أملاه اعتلالٌ أنطولوجيٌّ بلغ ذروته في تاريخ الإنسان الحديث. وما مسعانا إلى الميتافيزيقا البَعديَّة إلَّا استجابة لنداء خافت يقضُّ عالم التفلسف باستفهامات كبرى تغشَّاها النسيان.
الإيمان والعمل الصالح
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (أيك) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
التمهيد إلى ميتافيزيقا إسلاميّة بَعديّة (4)
محمود حيدر
ما الذي ينقصنا في عصر المعرفة؟
السيد عباس نور الدين
انظر.. تبصّر.. هو الله
الشيخ شفيق جرادي
قرية كافرة بأنعم الله
الشيخ محمد جواد مغنية
لا مُعين سواه
السيد محمد حسين الطبطبائي
بيوت تحيا فيها المحبّة (2)
الشيخ حسين مظاهري
الأصل اللّغوي لكلمتي يأجوج ومأجوج
الشيخ محمد صنقور
القضاء في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
السيدة الزهراء: وداع في عتمة الظلمات
حسين حسن آل جامع
واشٍ في صورة حفيد
حبيب المعاتيق
أيقونة في ذرى العرش
فريد عبد الله النمر
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
خارطةُ الحَنين
ناجي حرابة
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
رَجْعٌ على جدار القصر
أحمد الماجد
خذني
علي النمر
الإيمان والعمل الصالح
معنى (أيك) في القرآن الكريم
(قبلة على جبين الضوء) جديد الشّاعرة نازك الخنيزي
التمهيد إلى ميتافيزيقا إسلاميّة بَعديّة (4)
ما الذي ينقصنا في عصر المعرفة؟
انظر.. تبصّر.. هو الله
أحمد آل سعيد: لكلّ حالة سلوكيّة أسلوب معالجة خاصّ
مادة ثورية فائقة التوصيل ذات خصائص حطمت الأرقام القياسية
الحرب العالمية في عصر الظهور
قرية كافرة بأنعم الله