المترجم: عدنان أحمد الحاجي
عندما يسألك طفلك: "ما معنى الحياة؟" ربما تستغرب منه ذلك السؤال وتتبسّم (كم هو لطيف؟!) أو تحتار (من أين تبدأ في الإجابة؟).
قد يكون من المغري أن نصرف أذهاننا عن مثل أسئلة الساعة هذه باعتبارها أسئلة أعلى بكثير من مستوى الطفل. يعتقد كل من أفلاطون (1) وأرسطو (2) أن الأطفال ليسوا مستعدين بعد للفلسفة. في الواقع، كانا يعتقدان أن الناس لا يصبحون مستعدين لدراسة الفلسفة إلا ببلوغهم الثلاثين من أعمارهم (3).
لكن الأطفال يعرفون ما لا يعرف غيرهم. ويطرحون أسئلة بهذا الحجم مثل: "لماذا نحن موجودون؟" ماذا يعني أن نكون منصفين؟ لماذا نداوم على إطعام القطة رغم أنها لم تشكرنا قط؟
لقد قامت الباحثة والمؤلفة الأمريكية جانا موهر لون Jana Mohr Lone بتدريس الفلسفة للأطفال الصغار لأكثر من عشرين سنة. في يوم من الأيام قال لها أحد تلاميذ الصف الثاني الابتدائي: الأطفال لا يعرفون الكثير عن العالم، لذا فإن عقولهم غير مشغولة، ولذلك فهي متاحة ويمكن إطلاق العنان لها للخيال.
هذا الانفتاح على الخيال يجعل الأطفال فلاسفة طبيعيين. وبتشجيع هذه الحوارات الفلسفية، بإمكان الوالدين مساعدة أطفالهما على النمو والتطور إلى أطفال فضوليين، ومتأملين ومفكرين بعمق.
كيف يشجع الوالدان طفلهما على الحوار الفلسفي؟
هناك 3 خطوات للحوار الفلسفي
إحدى الصعوبات التي يواجهها المهتمون بالحوارات الفلسفية هي أن الناس قد لا يعرفون كيف يقومون بها. ولكن بالإمكان إجراء حوار فلسفي باتباع ثلاث خطوات:
الممارسة التأملية (4)
التعميم [وهي خواص سائدة يمكن تطبيقها على أنها مفاهيم عامة على جميع عناصر أو مكونات مجموعة ما (5)].
التجريد (6).
عندما يسأل طفلك سؤالًا عميقًا، مثلًا، "ما معنى الحياة؟" لا تحتاج إلى إجابة مباشرة، كل ما تحتاج هو بدء حوار معه. أولاً، شجعه على أن يتأمل في سؤاله. بإمكانك أن تسأله: "ماذا ترى؟" وهذا يسمح لطفلك باستكشاف تجاربه بنفسه. قد يقول: "كل ما أستمتع به هو كرة القدم ومسلسل الأطفال بلووي Bluey التلفزيوني أكثر من استمتاعي بأي شيء آخر!"
ثانياً، انتقل إلى سوال التعميم. اسأله، "هل تظن أن ذلك هو معنى الحياة (7) لكل الناس؟" هذا السوال من شأنه أن يفتح نقاشا فلسفيًّا يتجاوز الذات. قد يقول طفلك، "حسنًا، كل ما تهتم به فلانة هو رياضة الجمباز والاستمتاع بتناول الجبنة".
وأخيرًا، توجه إلى سؤال التجريد، وذلك بطرح السؤال التالي: "ما الذي يجعل للحياة معنى عامًّا لجميع الناس؟"
كرة القدم ومسلسل بلووي وتمرين الوقوف على اليدين لا تروق لكل أحد، ولكنّ شيئًا آخر قد يروق للكل. والآن نحن نبحث عن أمثلة (أو أمثلة مضادة) كطريقة للاستعلام أو الاستفسار.
وهذا يدفع طفلك إلى البحث عمّا هو مشترك بين جميع الناس في البحث عن العيش حياة لها معنى. قد تكون إجابته بشيء مثل:
الكثير قد يحبون الشوكولاتة، ولكنّ عمتي لا تحبها. معظم الناس قد يحبون الحيوانات الأليفة ولكن بعضهم قد لا يحبون القطط. لكن كل الناس يحبون قضاء بعض الوقت مع أصدقائهم وعائلاتهم.
فجأة، تجد نفسك في حوار فلسفي ثري. يمكنك مواصلة الاستعلام عن أجوبة أسئلة، مثلًا ماذا يعني الحب بالفعل، أو ما العوامل التي تجعل بعض العلاقات أهم من غيرها.
ما نفعله هنا هو إجراء حوار من خلال المفاهيم، وهو ما يعرف أكاديميًّا بالتحليل المفاهيمي [والتي تنطوي على تفكيك الأفكار المعقدة إلى مكوناتها البسيطة القابلة للفهم] (8، 9).
ما الفائدة المرجوة؟
توصلت الأبحاث التربوية إلى أن الحوار الفلسفي (10) يعمل على تحسين التفكير المنطقي (11) لدى الأطفال، وفهمهم للقراءة والرياضيات، وتقدير الذات (12)، وقدرتهم على تبادل الأدوار في الحوارات [بحيث أن كل طرف يأخذ دوره في الحديث].
وقد وجدت الدراسات أن الحوار الفلسفي مفيد للتنمية الأكاديمية والاجتماعية للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة والمدرسة الابتدائية والثانوية.
ولكن إلى جانب هذه المهارات، تعمل الفلسفة على تمكين الأطفال من التفاعل بشكل هادف مع من حولهم.
السعادة، الهوية، الإنصاف، الموت، الواقع، الوقت، الطبيعة، الخير، المعرفة والغاية، هي كلها أشياء يواجهها الأطفال يوميًّا. قد يكون الحوار الفلسفي مع طفلك مجرد استكشاف لما تعنيه هذه المفاهيم وكيف تؤثر في حياتنا.
فهم المفاهيم والقدرة على تطبيق هذا الفهم في الحياة هو أساس الفلسفة.
أسئلة تسألها لطفلك
لإشراك طفلك في الحوار الفلسفي، ابدأ معه الحوار عن المفاهيم التي يمارسها.
إذا كان يرسم، يمكنك أن تسأله: ما الفن؟ وما الخيال؟
إذا لم يرغب في مشاركة لعبته المفضلة مع غيره: بإمكانك أن تسأله؛ ما الإنصاف؟ ما الطيبة؟
إذا كان يتحدث إلى حيوان أليف: اسأله ما اللغة؟ وما الفهم؟
إذا كان عاطفيًّا (انفعاليًّا): ما السعادة؟ ما الحزن؟
إذا أراد أن يعرف لماذا عليه أن يذهب إلى المدرسة: اسأله ما المعرفة؟
إذا أخبرك عن حلم رأه في الليلة الماضية: اسأله ما الواقع أو الحقيقة؟
في المرة القادمة عندما يسألك طفلك سؤالاً عميقًا، استغل اللحظة. من خلال استكشاف مفاهيم مثل الإنصاف والحب والسعادة، فإنك بذلك تساعده على تفسير ما يجري له في المحيط ليصبح طفلًا عميق التفكير.
بمطالبته بالتأمل واستكشاف وجهات نظر مختلفة والتفكير بالصورة الكبيرة "ينظر إلى الفكرة بصورة شاملة، لا إلى تفاصيلها" (13)، ستشرع معه في رحلة فلسفية يمكن أن تتطور إلى شيء مفيد لكليكما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- https://classics.mit.edu/Plato/republic.8.vii.html
2- https://classics.mit.edu/Aristotle/nicomachaen.1.i.html
3- https://edwardfeser.blogspot.com/2024/04/plato-and-aristotle-on-youth-and.html
4- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/ممارسة_تأملية
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/تعميم
6- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/تجريد
7- https://ar.wikipedia.org/wiki/حياة_ذات_معنى
8- https://ar.wikipedia.org/wiki/تحليل_فلسفي
9- https://philosophy.institute/research-methodology/conceptual-analysis-philosophical-inquiry/
10- https://oracycambridge.org/absolutely-gripping/
11- https://ar.wikipedia.org/wiki/تفكير_منطقي
12- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/تقدير_الذات
13- http://https://www.meemapps.com/term/big-picture-thinking
المصدر الرئيس
الشيخ حسن المصطفوي
الشيخ محمد مصباح يزدي
الشيخ جعفر السبحاني
السيد عبد الحسين دستغيب
السيد محمد حسين الطبطبائي
الفيض الكاشاني
الشيخ محمد صنقور
السيد عادل العلوي
عدنان الحاجي
السيد محمد حسين الطهراني
عبد الوهّاب أبو زيد
فريد عبد الله النمر
جاسم الصحيح
حبيب المعاتيق
الشيخ علي الجشي
حسين حسن آل جامع
الشيخ عبد الحميد المرهون
ناجي حرابة
عبدالله طاهر المعيبد
جاسم بن محمد بن عساكر
الرُّشْد، الرَّشَد، الرَّشَاد
ملّا صدرا شارحاً (الأصول من الكافي) للكليني
﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾
التأسيس القرآني لقواعد سير الإنسان
ناصر الرّاشد: نحو تربية أسريّة إيجابيّة
الإيمان: كماله بالتّقوى، وثمَرتُه الطّاعات
أخوّة إلى الجنّة
زكي السّالم: حين تصدر كتابًا.. احذر هذا الخطأ القاتل
حرّيةُ الإنسان: لا حرّيّة أمام كلمة الحقّ
ألفاظ القرآن الكريم: وجوه المعاني وأنواعها