
﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [ البقرة: 23]
كلمة «فأتوا» هي أمر تعجيزي، وهي من أجل إظهار إعجاز القرآن، وعجز الكفار والمنافقين عن الإتيان بمثله. والأمر التعجيزي بخصوص الإعجاز هو نظير الأمر التعجيزي بالنسبة للربوبية. فقد قيل لمن يرتاب في ربوبية الله عز وجل، ويخال نفسه أنه هو الرب. {فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: 258]؛ أي فاجعل الشمس تطلع من المغرب.
والمراد من السورة في هذه الآية هو الجنس، وليس السورة التي تقع فيها هذه الآية. بناء على ذلك، فإن كل آيات التحدي، كالآية مورد البحث، تفيد إعجاز أصغر سور القرآن مثل «الكوثر» و«العصر» أيضاً.
إذن، فليس المراد من التحدي هنا هو أن يأتي المعارضون بسورة من قبيل سورة البقرة، بل المراد هو أن يأتوا بسورة تشبه أي سورة في القرآن الكريم، وإن كانت تماثل أقصر سور القرآن؛ فإن المراد من قوله عز اسمه في سورة هود: (فأتوا بعشر سور مثله)، أو قوله في سورة يونس: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يونس: 38] هو جنس السورة؛ إذ لا ينبغي الاقتراح على من يساوره الشك والريب في سورة صغيرة أن يأتي بسورة كالبقرة؛ فالتحدي في مقابل من يرتاب في سور القرآن القصار، إنما يكون في أن يطلب الله منه الإتيان بسورة مشابهة لإحدى سور القرآن، طالت أم قصرت.
ويكون التحدي أحياناً بأصل القرآن الكريم، كما في قوله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، وهذه الآية تنطوي على التعجيز وعلى الإخبار بالغيب معاً؛ بمعنى، تأييد وتصديق إعجاز بواسطة إعجاز آخر يكون إخباراً بالغيب، ويأتي التحادي أحياناً أخرى بعشر سور؛ مثل: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود: 13]، وفي الآية محل البحث جاء التحدي بسورة واحدة؛ إذ إن التنوين في (بسورة) يفيد الوحدة.
فالقرآن الكريم ليس بالكتاب الذي يتسنى للمرء جعله من عنده ونسبته إلى الله؛ ذلك لأن القرآن لا نظير له، وما لا يكون له نظير فإنه لا يكون قابلاً للافتراء. فالقرآن كتاب وكلام إله لا مثيل له: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، ولما كان المتكلم الذي لا مثيل له يظهر في كلامه بنفس تلك الصفة، فإن كلامه يكون أيضاً بلا مثيل.
يقول المرحوم الشيخ الطوسي: إن المجموعة القرآنية لا مثيل لها، وإن سياق الآية (فأتوا بسورة من مثله) بخصوص القرآن يناظر سياق الآية {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [البقرة: 111] فيما يخص الشرك، حيث أراد به نفي الموضوع (البرهان)؛ بمعنى أن الشرك لا يقبل البرهان أصلاً، لا أن له برهاناً، لكن المشركين لا يقدرون على إقامته (2). وهذا يماثل قول الباري سبحانه في موضع آخر: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [المؤمنون: 117]. فعبارة «لا برهان له» هي صفة لقوله (إلهًا آخر)؛ وهذا يعني أن الشرك لا برهان له أصلاً؛ لأن الممتنع بالذات، لا ذات له كي يقام البرهان عليها. فالله عز وجل يقول في مقام التحدي القرآني: إن القرآن لا مثيل له، وليس أنه له مثيل، ولكن الآخرين عاجزون عن الإتيان بمثله.
إذا كان التحدي بخصوص القرآن، لأمكن - إلى حد ما - قبول هذا الكلام، وهو أن القرآن بمجموعه لا نظير له، إلا أن التحدي قد حصل بسورة وبعشر سور أيضاً، مع أن كل سورة هي مثل السور الأخرى في كونها كلام الله، وكل السور والآيات تشترك فيما بينها ببعض المزايا. ومن هنا فإن لكل سورة هناك مثلًا.
يقول المرحوم الكليني، بعد نقله لخطبة توحيدية لأمير المؤمنين (عليه السلام) : فلو اجتمع ألسنة الجن والإنس ليس فيها لسان نبي، على أن يبينوا التوحيد بمثل ما أتى به - بأبي وأمي - ما قدروا عليه (3).
وقد أضاف صدر المتألهين في شرح جملة المرحوم الكليني: أن لا يكون بينهم أعاظم الأنبياء، كنوح، وإبراهيم، وإدريس، وشيث، وداود، وموسى، وعيسى(4) (عليهم السلام): والمراد أن محتوى هذا الكلام هو رسالة قرآنية وليس بمستطاع أحد الإتيان بمثل الرسالة القرآنية، لكن هذا الأمر لا يستبعد من هؤلاء العظام.
إن إعجاز القرآن الكريم عائد إلى أنه مستند إلى حقيقة أسمى؛ وهي تلك الحقيقة التي يعبر عنها الله عز وجل بقوله: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 77 - 79]، ولما لم يكن للكفار والمنافقين اطلاع على تلك الحقيقة الأسمى، فإنهم ينكرون أن القرآن الكريم حق. {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } [يونس: 39]. فبما أن هؤلاء لا يحيطون علماً بتأويل القرآن أو حقيقته الأسمى، فقد نهضوا بعزيمة لمقارعته متصورين أن القرآن ما هو إلا سلسلة من العلوم البشرية نظمت على هيئة كتاب، الأمر الذي حاد بهم إلى الهزيمة. وهذا الاحتجاج والتحدي ما زال باقيًا بقوته وحياً إلى يومنا هذا، حيث لا يزال الجن والإنس إلى الآن عاجزين عن الإتيان بسورة من مثله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. الأمالي للصدوق، ص157؛ وبحار الانوار، ج 9، ص294.
2. راجع تفسير التبيان، ج 1، ص104.
3. الكافي، ج 1ص 136 .
4. شرح أصول الكافي للملا صدرا، مج 4، ص47.
مرض الذهن
الشيخ علي رضا بناهيان
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (2)
محمود حيدر
لماذا الخوف من الموت؟
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (فرث) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
الخامس من ذي القعدة: رفع القواعد من البيت على يد إبراهيم (ع) وإسماعيل (ع)
الفيض الكاشاني
ثمرات الذّكر
السيد عادل العلوي
الحياة الرغيدة تتطلب أمرين: معرفة الذات والأصدقاء
عدنان الحاجي
بمن يستعين العبد الضعيف؟ وكيف؟
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
البساطة واجتناب التكلّف
الشهيد مرتضى مطهري
شهادة في سبيل الله
الشيخ شفيق جرادي
أثر لم يحدث بعد
محمد أبو عبدالله
السيّدة المعصومة: جمانة عقد الإمامة
حسين حسن آل جامع
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
مرض الذهن
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (2)
لماذا الخوف من الموت؟
معنى (فرث) في القرآن الكريم
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (22)
فعاليّة فنيّة في مساحة طبيعيّة مفتوحة في تاروت
اختتام حملة التبرع بالدّم (ومن أحياها) بنسختها السادسة والعشرين
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (1)
الخامس من ذي القعدة: رفع القواعد من البيت على يد إبراهيم (ع) وإسماعيل (ع)
معنى (لذّ) في القرآن الكريم