قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ مرتضى الباشا
عن الكاتب :
الشيخ مرتضى الباشا، من مواليد سيهات في 1395 هـ، التحق بالحوزة العلميّة ودرس على مجموعة من علمائها، له كثير من النّشاطات والمشاركات عبر مواقع الإنترنت، وله العديد من المؤلفات منها: الحبوة في مناسك الحج، أسرار الحج في كلمات العلماء، ذبائح أهل الكتاب (دراسة مقارنة)، فيه آيات بينات، ومذاكرات في التقريب والوحدة (المنهج التقريبي السليم).

معرفة الإنسان في القرآن (10)

قال الله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى(7)﴾ العلق.

 

لماذا بدأت الآية الكريمة بكلمة (كلا)؟

 

تحدثت الآية السابقة على هذه الآيات عن بعض صفات الله تعالى وأفعاله، وتفضلّه على الإنسان بخلقه وتعليمه، والمفترض من الإنسان بعد تلك المنن التي حصل عليها من الله سبحانه، أن يشكر النعمة ويقوم بما أمكنه من الطاعة والعبودية لله، إلا أنّ ذلك لم يحدث، فجاءت كلمة (كلا) وهي للرّدع، فلا تظن أيها القارئ أنّ الإنسان أدى شكر النعمة، بل طغى واستكبر. فدّلت كلمة (كلا) على أنّ الإنسان لم يقم بواجبه تجاه ما سبق، ولم يقم بالمتوقع من مقابلة الإحسان بالإحسان.

 

الطغيان هو مجاوزة الحدود.

 

والرؤية هنا لا يقصد بها الرؤية البصرية، بل الاعتقاد والرأي. فالإنسان إذا اعتقد بأنه في غنى عن الله تعالى، فسرعان ما يطغى ويتجبر، وذلك أنه يشتغل بنفسه والأسباب الظاهرية التي يتوصل بها إلى مقاصده فيغفل عن ربّه. الإنسان عادة إذا لم يرَ حاجة منه تبعثه إلى ذكر الله وشكره على نعمه؛ ينسى الله ويطغى.

 

ويجب أن نعلم أن الطغيان مستويات ودرجات:

 

هناك من يطغي على الأمة جمعاء، كفرعون (اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ). وهناك من يطغي على العمّال الموظفين الذين يعلمون عنده، فيستعبدهم. وهناك من يطغي على زوجته وأولاده، فيعاملهم معاملة خشنة فظّة قاسية. وغير ذلك. وعلى كل حال، فكل درجة من تجاوز الحدود الإلهية هو مرتبة من مراتب الطغيان.

 

الإنسان إذا أدرك حاجته إلى ربّه، واشتدت حاجته، تراه يكثر من العبادة والصلاة والذكر والزيارة، وأمثال ذلك. فلاحظ مثلاً بعض الطلاب قبل أيام الامتحانات؛ تجدهم يحرصون على الصلاة. ولاحظ بعض من يبحث عن وظيفة؛ تجده يحرص على الأذكار. ولاحظ بعض من يريد زيادة الرزق؛ تجده يكثر من الاستغفار. ولاحظ بعض المرضى؛ تجدهم يكثرون من الدعاء والاستغاثة بالله تعالى. ولكن ماذا يحدث بعد أن يقضي الله تعالى لهم تلك الحوائج؟؟!!

 

صلّى المصلّي لأمر كان يطلبه   

لما انقضى الأمر لا صلّى ولا صاما

 

قال الله سبحانه (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ).

 

إذن دعاؤهم كان وقت حاجتهم، وكان يخرج من قلوبهم (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ولكن بمجرد أن وصلوا إلى البر، فإذا بهم يرجعون إلى الشرك مرة أخرى.

 

قال الله سبحانه وتعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78)) (التوبة).

 

قيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب، وكان من الأنصار، فقال للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): ادع الله أن يرزقني مالاً.  فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه، أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ والذي نفسي بيده! لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبًا وفضة، لسارت، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه!

 

فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): اللهم ارزق ثعلبة مالاً. قال: فاتخذ غنمًا، فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، فنزل واديًا من أوديتها، ثم كثرت نموًّا حتى تباعد عن المدينة، فاشتغل بذلك عن الجمعة والجماعة [وأصبح لا يحضر المسجد حتى في يوم الجمعة، ولا يحضر للاستفادة من رسول الله].

 

وبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إليه المصدّق [جابي الزكاة] ليأخذ الصدقة، فأبى وبخل وقال: ما هذه إلا أخت الجزية! [ورفض أن يدفع الزكاة الواجبة، بل ورفض فكرة وجوب الزكاة] فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة! وأنزل الله الآيات السابقة، وهناك آراء أخرى في تفاصيل هذه القصة فراجع: (تفسير مجمع البيان 5: 93، مجمع الزوائد 7: 31)

 

كم مرة أنا وأمثالي نزعم ونقسم ونحلف بالله تعالى، إن رزقنا الله مالاً، أو صحة، أو وظيفة، لنفعلنّ الخير الفلاني والفلاني، ثم لا يجد الله تعالى عندنا صدقًا ولا وفاء.

 

والخطورة العظمى في العاقبة (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) هذه المسألة تحدث نفاقًا في القلوب، ولا يزول ذلك النفاق إلى يوم نلقى الله تعالى، أي يوم القيامة، فما جزاء من يأتي يوم القيامة وهو منافق؟!!

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد