
المسألة:
ما معنى قوله تعالى من سورة الانشقاق: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ / وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ / وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ / لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾(1)
الجواب:
الآياتُ المذكورة من سورة الانشقاق تُقسِم بالشفق وبالليل وما وسق، وتقسم بالقمر إذا اتَّسق فالمُقسَم به هو الشفق والليل، وما وسق والقمر إذا اتَّسق، وجوابُ القسَم هو قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾.
المراد من الشفق:
والمراد من الشفَق هي القطعة الزمنيَّة التي تبدأ بغروب الشمس وتمتدُ إلى العتمة، وتمتازُ هذه القطعة الزمنية - والتي تُؤذِن بدخول الليل - بظهور حمرةٍ في الأفق من آثار غروب الشمس ثم تميل الحمرةُ إلى صفرة ثم تبدأُ في الخفوت إلى أنْ تعمَّ الظلمةُ الأفقَ، فإذا عمَّت الظلمةُ تمام الأفق سقط الشفق، وبه ينتهي الوقتُ الفضيلي لصلاة المغرب، ويُعبَّر عن وقت سقوط الشفق بالعتمة.
معنى الوسق:
وأمَّا الوسق فهو مصدر من وسقتُ الشيء بمعنى جمعتُه ضممتُه أو حملته فكلُّ شيءٍ حملته، فقد وَسَقْته، وكذلك فإنَّ كلَّ شيء ضممته إليك فقد وسقته، يقال: وَسَقْت الشيء أَسِقُه وَسْقاً إذا حملتُه أو ضممته، ويقال: وَسَقَت النخلةُ إذا حملت، ووَسَقَت الناقة تَسِقُ أَي حملت، ومن أمثال العرب: لا أفعل كذا وكذا ما وَسَقَت عيني الماءَ أَي ما حملته(2). وعليه فمعنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ هو القسم بالليل وما حمل وما ضمَّ، وما جمع.
فهو قسَمٌ بالليل وبالجبال وبالسهول والهضاب والبحار والأنهار والأشجار والطير والبهائم وغيرها مما تعمُّه ظلمة الليل، فكأنَّ ظلمة الليل إذا عمَّتِ الآفاق وعاءٌ جُمع فيه كلُّ هذه الأشياء، فالآية تُقسم بالليل وما جمع في كنف ظلمته من الجبال والسهول والبحار والطيور والدواب وغيرها. لذلك فهو قسَم بالظرف وهو الليل، والمظروف وهي الكائنات التي جلَّلتها ظلمتُه.
وقد يكون المراد من قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ هو القسَم بالليل وبالكواكب والنجوم، وذلك لأنَّها تظهر في الليل للناظر، وتختفي عن الناظر في النهار، فكأنَّ الليل يجمعها في كنفه.
وقد يكون المراد من قوله: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ هو القسَم بالليل إذا ضمَّ وجمع ما كان منتشراً في النهار، فهو قسَم بالليل وبمثلِ الإنسان والطيور والبهائم وسائر الدواب والتي تنتشر في النهار، فإذا حلَّ الليلُ آوتْ إلى مساكنها وأوكارها وجحورها ومرابضها، فكأنَّ الليل قد ضمَّها وجمعها بعد انتشارها في النهار.
معنى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾:
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ هو القسَم بالقمر إذا تمَّ ضوؤه واكتمل فصار بدراً، فهو قسَمٌ بالقمر في ليالي البدر، والمعبَّر عنها بليالي البِيض.
والاتِّساق يعني الاجتماع والانضمام والامتلاء، فاتَّسق بمعنى انضمَّ، وهو من الوسق والذي هو ضمُّ الشيء إلى الشيء، واستَوسَقوا بمعنى استَجْمَعوا وانْضَمّوا ومنه ما قيل من حديث النّجاشيّ: "واسْتَوسَقَ عليه أمْر الحَبَشة" أي: اجتَمعوا على طاعَتِه واستقرّ المُلْكُ فيه" ومنه قولهم: اتّسَقَت الإبِلُ أي اجتَمَعت(3).
ومن ذلك يتَّضح منشأ استظهار معنى الاكتمال والاستواء من قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ فالقمر في ليالي البدر تكون أجزاؤه قد ظهرت للناظر واكتمل ضوؤها من جهته، لذلك صحَّ أنْ يُقال إنَّ القمر في ليالي البدر قد اتَّسق أي اجتمع وانضمَّ بعض ضوئه إلى بعض فاكتمل وتمَّ نوره بظهور صفحته للناظر مجتماً.
المراد من قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾:
وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ فهو جوابٌ للقسَم والخطاب في "لتركبنَّ" موجَّه للناس ومؤدَّى الآية هو التأكيد بالقسَم على وقوع ما أخبر به القرآن من تنقُّل الناس من مرحلةٍ إلى مرحلة إلى أنْ يلاقوا ربَّهم كما قال تعالى في صدر السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾(4) وأنَّه حينذاك سوف يُحاسب ويلقى جزاء عملِه في هذه الدنيا، فإمَّا أنْ ينقلبَ مسروراً أو يدعو ثبوراً ويصلى سعيراً، وأمَّا ظنُّه أنَّه لن يحور ولن يعود وينتقل إلى هذه المرحلة فهو وهمٌ كاذب فقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ معناه أنَّ ذلك سيقع وأنَّه حتمٌ على الإنسان أن يتنقَّل من مرحلة إلى مرحلة، فمِنَ الحياة في الدنيا إلى الموت، ومنه إلى حياة البرزخ، ومنها إلى البعث والنشور، ومنه إلى الحساب، ومِن الحساب إلى الجزاء بالجنَّة أو النار، فتلك هي الطبقاتُ التي قدَّر اللهُ تعالى على الإنسان أن يركبها ويجتازها واحدةً تلو الأخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الانشقاق / 16-19.
2- لسان العرب -ابن منظور- ج10 / ص379، تاج العروس -الزبيدي- ج13 / ص483.
3- لسان العرب -ابن منظور- ج10 / ص379، تاج العروس -الزبيدي- ج13 / ص483.
4- سورة الانشقاق / 6.
مجسّات النص الشّعري وكبسولات الرّؤيا
هادي رسول
نكِّروا لها عرشها
الشاعر هادي رسول
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
أولى انتصاراتي أن أريدا
أحمد الرويعي
السّيّدة المعصومة: كريمة بيت العصمة
حسين حسن آل جامع
على قدر عمقك يكون الغرق
علي الخويلدي
مقام الحبّ
فريد عبد الله النمر
معارج الشّوق
زهراء الشوكان
عند النّهوض بماذا أجازف؟
محمد أبو عبدالله
كوثر الغيب
حبيب المعاتيق
لا تقتلوه
إبراهيم بوشفيع
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
قصائد تحتفي بالشّاي وثقافته في معرض دوليّ في الصّين
برنامج لتنمية مهارات الأطفال الشخصية والاجتماعية في الأحساء
فنّ النقش على الجصّ: ملامح من ذاكرة البيوت في القطيف
أولى انتصاراتي أن أريدا
صور ووثائق تستعيد سيرة الشيخ حسن بن سالم أبو مجلّي
عين الخسيف: قوّة وجريان وصمود
جبل رأس القارة العجيب
عبّاس الحايك: أهمّيّة الصّراع في بناء القصّة والأحداث
(ديوان بنت محمّد) جديد الشّاعر والرّادود عبدالشّهيد الثّور
السّيّدة المعصومة: كريمة بيت العصمة