قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ هل هو تكرار؟

المسألة:

 

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾(1) أليس الأسفُ بمعنى الغضب؟ فيكون ذلك من التكرار الذي لا ضرورة له؟

 

الجواب:

 

يُستعمل الأسف بمعنى الغضب كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾(2) أي فلمَّا أغضبونا انتقمنا منهم، ويُستعمل الأسفُ بمعنى الحزن الشديد كما في قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾(3) أي واحزناه على يوسف، وكذلك هو معنى الأسف -ظاهراً- في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾(4) أي لعلَّك مهلكٌ نفسَك حزناً لعدم إيمانهم بما جئتَ به، ويقال -في كلام العرب- للرجل السريع الحزن والكآبة -أسيف.

 

فالأسَف إذن يُطلق في كلام العرب - ويراد منه الغضب، ويُطلق كذلك ويُراد منه الحزن، فتوصيف الآية حال نبيِّ الله موسى (ع) حين رجع إلى قومه توصيفه بأنَّه رجع غضبان أسِفاً يكون معناه أنَّه رجع غضبان حزيناً، فلا يكون ذلك من التكرار. فهو عليه السلام قد انتابه الغضبُ على قومِه لعبادتهم العجل وتمرُّدهم على الله جلَّ وعلا وتجاوزهم لحدوده، وهو في ذات الوقت حزين على المصير البائس الذي آلوا إليه رغم الجهد الذي كان قد بذله لهدايتهم واستنقاذهم من الضلال، فاختلطت مشاعرُ الغضب والحزن في نفسه على قومه، ولهذا صحَّ توصيف حاله أنَّه رجع غضبان أسِفاً.

 

هذا وقد قيل إنَّ الأسف مرتبةٌ شديدة من الغضب، فالأسف من جنس الغضب ولكنَّه مرتبة متقدمة منه، تماماً كما هي سائر المشاعر، فإنَّها ذات مراتب، فمشاعر الحب ليست على مرتبةٍ واحدة، وكذلك هي مشاعر الحقد والرضا والفرح والخوف والندم.

 

وعليه فالأسف وإنْ كان بمعنى الغضب ولكنَّه الغضب الشديد - كما أفاد اللغويُّون - فذكرُه بعد الغضب يُضيف معنىً لا يؤدِّيه لفظ الغضب وحده، فلا يكون إرداف الأسف بالغضب من التكرار، وعليه فمؤدَّى قوله تعالى: {غَضْبَانَ أَسِفًا} هو إفادة الترقِّي، فكأنَّه قال رجع غضبان بل أسِفاً، كما يقال هذا أمر صعبٌ شاقٌ أي هو صعبٌ بل هو شاقٌّ ويقال هذا محبٌ عاشق أي هو محبٌ بل عاشق، وهو نحوٌ من التأكيد الذي كثيراً ما يتعلَّق به غرض المتكلِّم.

 

وحتى بناءً على أنَّ الأسف بمعنى الغضب وأنَّ ذكر الأسف بعد الغضب من التكرار فإنَّ التكرار حتى بذات اللفظ فضلاً عن مرادفِه يُضفي معنىً زائداً لا يودَّى بغيره، وهو التأكيد وهو أسلوبٌ بلاغي قد يتعلَّق به غرضُ المتكلِّم، وقد تعارف استعمال هذا الأسلوب لدى فصحاء العرب بل وغيرهم من أرباب البيان والمحاورة من أهل كلِّ لغة فمِن ذلك قول طرفة بن العبد:

 

فما لي أراني وابن عميَ مالكاً

متى أدنُ منه ينأَ عني ويبعد(5)

 

فكلمة ينأى ويبعد بمعنىً واحد أي هما مترادفان، والغرض من عطف أحدهما على الآخر رغم أنَّ مؤداهما واحد هو التأكيد الذي كثيراً ما يتعلَّق به غرضُ المتكلِّم.

 

ومن ذلك أيضاً قول عديِّ بن زيد:

 

وقدمتُ الأديم لراهشيه

وألفا قولها كذباً ومِيناً(6)

 

فالمِين هو الكذب، وغرضُ الشاعر من عطف المِين على الكذب رغم أنَّهما بمعنىً واحد هو التأكيد والذي هو أساليب البلاغة في الكلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- سورة الأعراف / 150.

2- سورة الزخرف / 55.

3- سورة يوسف / 84.

4- سورة الكهف / 6.

5- الأمالي -الشريف الرضي- ج4 / ص169.

6- الأمالي -الشريف الرضي- ج4 / ص169.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد