
العنصر الثالث: التسديد والتعليم والهداية
ثم ماذا تحتاج الفئة القليلة بعد القوة والمال؟ إنها تحتاج إلى التسديد والتعليم والهداية؛ لتعلم ماذا تعمل؟ وكيف تتحرك؟ وكيف تدعو الناس إلى الله تعالى؟ ومتى تختفي؟ ومتى تظهر؟ ومتى تتكلم بهمس؟ ومتى تصرخ بالحق جهاراً؟ ومتى تتجنب الموجة؟ ومتى تتصدى للموجة؟ ومتى تواجه الطغاة بعنف وقوة؟ ومتى تكلمهم برفق ولين؟ ومتى تتحمل الظلم وتصبر؟ ومتى تتصدى وتقاتل؟ وكيف تتعامل مع الناس؟ وكيف تجتذب الفارين من الله تعالى إلى الله؟ وكيف تداري الناس؟ وكيف تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؟ وكيف تتصرف تجاه الأحداث؟ وفي ظلال الطغيان تصمد وتصبر أم تهاجر وتفر بدينها؟ ومتى تنزوي داخل البيوت؟ ومتى تخرج إلى الشارع؟ ومتى تعلن الحرب وتفجير الشارع؟ وكيف تنظم الناس؟ وكيف تستقطبهم إلى جانبها؟ وكيف تكسب الرأي العام لصالحها؟ ومتى تظهر للناس مظلومة مضطهدة؟ ومتى تظهر قويةً عزيزةً؟ وكيف تقاتل؟ وكيف تعدّ للقتال؟ وكيف تخطط للمواجهة والحرب؟ وكيف تلقي الرعب في قلوب الأعداء؟ وكيف تمكر بهم؟ وكيف تستأصلهم؟ … إلى آخر هذه التساؤلات.
ولا شك أن هذا كله علم قائم بالذات، علم الدعوة، ونور يلقيه الله في نفوس الدعاة إليه، يمشون به في الناس، ويتعاملون به مع الناس، ولا شك أن على الدعاة إلى الله تعالى أن يكتسبوا هذا العلم، ويتزودوا بتجارب من قبلهم، ولا شك أنهم في حركتهم الكبرى في التاريخ يصيبون الهدف حيناً، ويخطؤون آخر، وأن أعداء الإسلام في المقابل يفرّغون لهذه المهمة في حركتهم المعادية لله ولرسوله، أجهزة وأشخاصًا ودراسات واسعة.
ولابد للقلة المؤمنة أن تتفرغ لهذا الجانب وتعطيه اهتمامها، كما لابد لها أن تولي جانب القوة والمال أيضاً اهتمامها، ولا تتركهما للصدفة…
ولكن، مما لا شك فيه، مع ذلك كله، أن الله تعالى لن يترك القلة المؤمنة لجهدها وعملها في هذا الحقل فقط، ولن تتخلّى عنهم المعية الإلهية في التسديد والتعليم، كما لم تتخلّ عنهم في ساحات القتال. والقرآن الكريم صريح في ذلك:
(وَكَفىٰ بِرَبِّكَ هٰادِياً وَنَصِيراً)[1]. (وَالَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا وَإِنَّ اللّٰهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)[2].
وكل ما يحتاجه الداعية في حركته هو أن يشير عليه أحد بالرأي الصحيح والدلالة، ويسدده في الرأي، ثم يضم يده إلى يده، وقوته إلى قوته، ويعينه على مسؤولياته وحمل ما لا يطيق حمله. وقد ضمن الله له كلّا من هذين الأمرين: «الدلالة» و«العون»، فضمن تعالى له الدلالة بقوله: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا)، والعون بقوله: (وَإِنَّ اللّٰهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).
ويرزق الله تعالى الدعاة إليه نوراً يمشون به في الناس، يعرفون كيف يتعاملون مع الناس من أعدائهم وأصدقائهم، والمتفرجين على الطرفين، وكيف يتعاملون مع القلوب، والعواطف، والعقول، في الوقت الذي يسلب تعالى هذا النور من القلوب الكافرة: (أَوَمَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَجَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّٰاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمٰاتِ لَيْسَ بِخٰارِجٍ مِنْهٰا كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكٰافِرِينَ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ)[3].
العنصر الرابع: التثبيت والثقة بالنصر
من عناصر النصر التثبيتُ والثقة بالنصر، وارتفاع الحالة المعنوية في نفوس الدعاة. وهذه الأمور من خصائص الدعاة المؤمنين بالله، والنفوس المؤمنة هي وحدها التي يمنحها الله تعالى الثقة، والطمأنينة، والسكينة، والاستقرار، والثبات. (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدٰادُوا إِيمٰاناً)[4]. (فَعَلِمَ مٰا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)[5]. (ثُمَّ أَنْزَلَ اللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)[6].
وهذه هي السكينة التي تمنح الإنسان استقرارًا في النفس، وسكوناً لها من القلق والاضطراب في أحرج ساعات المحنة. وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن الله تعالى يمنح المؤمنين الدعاة ثباتاً على أرض المعركة، وثباتاً في الموقف، وثباتاً في الإيمان، وثباتاً في القول، وثباتاً في الدنيا، وثباتاً في الآخرة. (يُثَبِّتُ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّٰابِتِ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَفِي الْآخِرَةِ)[7]. (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللّٰهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدٰامَكُمْ)[8].
وليس هذا فحسب؛ وإنما يربط القلوب أيضاً، فإن القلوب تضعف في ساعة المحنة، ويتسرب إليها الضعف إذا قست المحنة وطالت، فيتساقط فيها أكثر الناس قوة واستقامة، إلاّ المؤمنين، فإن الله تعالى يربط على قلوبهم. (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ)[9].
فما أروع القلوب المؤمنة في ساعات المحنة، وفي ساحات القتال، وداخل زنزانات السجون، وتحت سياط الجلادين! إنها ثابتة مطمئنةً، مرتبطةً بالله، ساكنة، مستقرةً، كأنها قُدّت من زُبر الحديد، وما قيمة الحديد تجاه صلابتهم واستقرار قلوبهم؟! ومن أوضح الحقائق وأبسطها أنّ أصحاب هذه القلوب لا يتخطاهم النصر، مهما طالت محنتهم وتعاظمت.
وفي قبال هذه القلوب، قلوب المنافقين والكافرين والطغاة، فإنها في قمة سطوتها، واستكبارها، وتطاولها على الله ورسوله… ضعيفة، مهزوزة، مرعوبة، يساورها القلق، ولا يفارقها الخوف والاضطراب. (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمٰا أَشْرَكُوا بِاللّٰهِ)[10]. (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مٰانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللّٰهِ فَأَتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي الْأَبْصٰار)[11].
ولقد حسب هؤلاء اليهود كل حساب، وحصّنوا حصونهم وفق هذه الحسابات، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، من داخل قلوبهم، فأدخل الرعب فيها، وهزمهم من حيث لم يكونوا يحتسبون. ويصف القرآن الكريم حال هؤلاء المهزومين من المنافقين وصفاً رائعاً في حالتي الخوف والأمن: (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذٰا جٰاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)[12].
تلك هي الحالة النفسية لكل من المعسكرَين؛ معسكر الدعاة إلى الله، ومعسكر أعداء الله ورسوله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الفرقان: 31.
[2] العنكبوت: 69.
[3] الأنعام: 122.
[4] الفتح: 4.
[5] الفتح: 18.
[6] التوبة: 56.
[7] إبراهيم: 27.
[8] محمد: 7.
[9] الأنفال: 11.
[10] آل عمران: 151.
[11] الحشر: 2.
[12] الأحزاب: 19.
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
ظلال الذاكرة الأولى
محمد أبو عبدالله
الإمام الباقر (ع): مستودع علوم الإمامة
حسين حسن آل جامع
لقد حرمني الشّعر!
أحمد الرويعي
أسباب الحبّ
حبيب المعاتيق
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
وجهة
ناجي حرابة
ظلال الذاكرة الأولى
تمائم من الملاذ الباقر (ع)
مسجد أم مازن: جوهرة الأحساء التاريخية
الإمام الباقر (ع): مستودع علوم الإمامة
الكرورو بهار الأجداد وذاكرة الأبناء
(إدارة سلوكيّات الأطفال) محاضرة لآل عبّاس في برّ سنابس
الإمام الجواد: بكاء على ربيع العصمة
النّسخة الرّابعة من معرض (أنامل واعدة): (حين ترسم البراءة أحلامها)
خبز مريم: من تنّور الداغ إلى ذاكرة القطيف
(تمثّلات المكان في الشّعر) أمسية لآل غريب في نادي صوت المجاز