
1- الصراحة في بيان الحقائق
إنّ الصراحة إحدى الميزات الّتي يتصف بها القرآن الكريم، وتظهر بوضوح في آياته. فمن ذلك صراحته في التنديد بالوثنية، والطعن في الأصنام المعبودة يومذاك، ودعوته إلى تحطيمها.
يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب﴾(الحج:72).
إنّ الصراحة وليدة الشجاعة المختمرة بالإيمان، في حين أنّ السكوت عن الحق، أو التلوّن والتحفظ في الحديث، دليلٌ على جُبْن القائل وعدم اعتقاده بالقول الّذي يلقيه على الناس، وتخوّفه من المستمعين.
غير انّ هذا الكتاب المعجز، منزّه عن هذه الوصمات. فهذا هتافه في أُذن الكافرين، يقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ *وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِي دِين﴾(سورة الكافرون).
هذه هي سيرة الأنبياء العظام، فهم يمتلكون الصراحة في البيان، ويمتازون بها عن غيرهم، فيعلنون الحقائق، بلا تتعتع ولا تحفّظ. هذا هو إبراهيم الخليل بطل التوحد يندد بعمل عبدة الأصنام بقوله: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾(الأنبياء:66-67).
قل لي بربِّك، هل تجدُ كلاماً أصرح وأمتن وأبلغ في التنديد بمن يتحذ ولياً غير الله من قوله سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتا ًوَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون﴾(العنكبوت:41).
وليست الصراحة ميزة القرآن في مجال المعارف والعقائد فحسب، بل هي سارية أيضاً في مجال العلاقات السياسية فها هو يقول: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(التوبة:16).
هذه إلمامَةٌ عابرة في تبيين هذه الميزة تُعْرِب عن إيمان القائل وإذعانه بما يقول ويطرح في مختلف المجالات والأصعدة.
2- علو الجهة المنزل منها القرآن
ومن مزايا بيان القرآن، تَكَلُّمه من موقع الإستعلاء وتحدّثه بلسان من يملك الأمر كلّه، ومن بيده ملكوت السموات والأرض، وفي قبضته كلُّ شيء. فهو في مخاطباته ومجادلاته وأَوامره ونواهيه، وفي وعده ووعيده، وفي أمثاله وقصصه، وفي مواعظه ونُذُره، يتَّسم بالعلو الشامخ، ويتصدر المقام الرفيع الّذي لا يُنال، ويتحدث إلى الناس حديث من يملك كل شيء، ومن يقول على كل شيء، ومن يُدَبّر ويُقَدّر، دون أن يقف أحد أمام سلطانه، فاستمع لقوله سبحانه:
﴿تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ * الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَات طِبَاقاً مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَ هُوَ حَسِير﴾(المُلْك:1-4).
وقوله سبحانه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾(المُلْك:13-14).
وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنى تُصْرَفُون﴾(يونس:31-32)
3- العفة والإحتشام
إِمتاز القرآن المجيد في تعابيره بالنزاهة والعفة، مع أنّه ظهر في بيئة لا تعرف للعفَّة مفهوماً، فلا تجد فيه تعبيراً سيئاً، ومَنْهجاً ركيكاً، يخالف الأدب حتى في سرده لقصة غرامية، هي قصة يوسف وزُلَيْخاء، قِصَّةُ عشق امرأة حسنة فاتنة، لفتى طاهر جميل، يُخْجِل وجهُهُ القَمرَ.
إنّ الكاتب في حقل القصص عندما يسرد أمثال هذه القصة الغرامية، لا يملك زمام قلمه، ويخرج عن النزاهة والعفة، ولكن القرآن قد شرح تلك القصة وصوّرها ووضع خطوطها الغرامية بدقة فائقة في البيان، مع وافر الإحتشام والإتزان.
فعندما يعرض اجتماع هذه المرأة الجميلة، مع ذاك الشاب الطاهر، واختلاءهما في بيتها، وتعلّقها به، يشرح تلك الواقعة من غير أن يثير الغريزة الجنسية الحيوانية، لئلا يناقض هدفه الّذي لأجله جاء بها ويقول: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُون﴾(يوسف:23).
ففي هذه الآية تتجلى عفة القرآن واحتشامه من جهات:
أولاً: استعمل كلمة "راود"، وهي تستعمل في الإصرار على الطلب مع اللّين والعطف، فكأنّ زليخا طلبت من يوسف ما طلبت بإصرار وحنان.
وثانياً: لم يصرّح باسم المرأة، حفظاً لكرامتها، وإنّما عبّر عنها بقوله: "الّتي هو في بيته"، مشيراً إضافة إلى ذلك إلى قوة الضغط وشدّة سيطرتها على يوسف، فزمام أمره بيدها، ولا مجال للهروب والتخلص منها، لأنّه في بيتها.
وثالثاً: قالت الآية: (وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ)، إعراباً عن أَنً يوسف لم يجد باباً للفرار، وكانت مقدمات الإستسلام مهيئة.
ورابعاً: وقالت الآية: (هَيْتَ لَكَ)، وهذه كناية عن دعوتها إيّاه إلى التلذذ الجنسي، لكن بكناية فائقة، فإنّ هَيْتَ لك، اسم فعل بمعنى هَلمّ.
خامساً: أجاب يوسف طلبها بقوله: (مَعاذَ الله إنّه ربيّ أحسن مثواي)، أي أعوذ بالله معاذاً. فيعرب عن أنّ يوسف لم يعرف خيانة، ولم يَدُرْ بخلده أنْ يخون صاحبه (العزيز) ومُنْعِمَه ومربّيه، في امرأته. والضمير في "إنّه"، يرجع إلى "العزيز". ولأجل ذلك بعدما اتّضحت الحقيقة، وبانت خيانة الإمرأة، أرسل يوسف من أعماق زنزانته إلى الملك، ووزيره "العزيز"، بقوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِين﴾(يوسف:52)1.
وفي القصة مسرحية غرامية أُخرى هي دعوة إمرأة العزيز، نِسْوَةَ أَشرافِ المدينة إلى مأدُبة ليقفن على بهاء جمال هذا الفتى، وأَنّ التعلق به ليس أَمْراً اختيارياً، بل كل من رآه يتعلق فؤاده به في أول لقاء. ويحكيه القرآن بقوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَل مُبِين * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾(يوسف:30-31).
أنظر إلى العفة والإحتشام في التعبير عن جمال يوسف حيث قال: (أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ).
كل ذلك يعرب عن أنّ القصة سُردت على أساس الدعوة إلى العفة والعبرة، والإنصراف عن الإنهماك في الشهوات. فهل يستطيع إنسان أُمِّي، غير متعلم، ترعرع بين شعب متوحش، أن يعرض تلك المسرحية الغرامية، ولا يخرج عن حدود العفة ونطاق النزاهة؟ كلا، لا.
هذه بعض الميزات الموجودة في بيان القرآن الكريم، والممعن في الذكر الحكيم يجد له ميزات كثيرة سامية يستنتج من مجموعها أنّ هذا الكتاب ليس نتاج وإبداع إنسان أُمي ولد ونشأَ في أُمّة متقهقرة، بل هو كتاب إلهي نزل على ضميره وقلبه; (لِيَكُونَ مِنَ المُنْذِرينَ)"اقتباس من قوله سبحانه: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾3".
*الإلهيات.آية الله جعفر السبحاني،مؤسسة الامام الصادق عليه السلام،ج3،ص331-336
1- لاحظ الميزان، ج 11، ص 215.
2- أضف إلى ذلك أنّ القرآن يستمد في بيان ما يستقبح التصريح به، بالكلمات الكنائية، ككلمات "الفَرْج" (المؤمنون:5) و"الغائظ" (المائدة:16) فإنّ الفرج ليس عَلَماً للموضع الخاص من المرأة، وإنّما يراد منه الخلل بين الشيئين. كما أنّ الغائظ، بمعنى الموضع المنخفض، وقس على ذلك غيرها من الكلمات الّتي جاءت في بيان المسائل الراجعة إلى الزوج والزوجة كقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْض وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظا﴾(النساء:21)، وغيره، فكلها كنايات.
3- إقتباس من قوله سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾(الشعراء:193-194).
مجسّات النص الشّعري وكبسولات الرّؤيا
هادي رسول
نكِّروا لها عرشها
الشاعر هادي رسول
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
معارج الشّوق
زهراء الشوكان
عند النّهوض بماذا أجازف؟
محمد أبو عبدالله
كوثر الغيب
حبيب المعاتيق
أيقونة في ذرى العرش
فريد عبد الله النمر
مولد على مفارق الوجود
حسين حسن آل جامع
يعلق الحافر في أضلع الصّدى
أحمد الرويعي
لا تقتلوه
إبراهيم بوشفيع
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
الشّوكان توقّع ديوانها الشّعريّ الجديد (ممسكة بغص الفردوس)
أن ينسب الخليج إلى مدينة
الدكتورة الجامع خلال برنامج (لتسكنوا إليها): الاستقرار العاطفيّ أوّلاً ثمّ الإنجاب
حبيب المعاتيق عبر بودكاست (كنّاش): الشّعر والضّوء والمعنى الواحد
معارج الشّوق
(فخّ التّوقّعات الصّامتة) محاضرة لآل حسين في جمعيّة العطاء النّسائيّة الأهليّة في القطيف
جاسم الصّحيح عبر بودكاست (كناية): رحلة في التّكوين والحضور
تاروت في خارطة عمرها نحو 1900 عام
فاطمة الحمودي حارسة النّقوش الأحسائية
جمعيّة سيهات تسلّط الضّوء على أثر نبرة الصوت في العلاقات المهنيّة