من التاريخ

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

حروب عليٍّ (ع) كانت بأمر الرسول (ص) (1)

المسألة:

 

هل ثبت من طرق العامة أنَّ قتال الإمام عليٍّ(ع) أيام خلافته للناكثين والقاسطين والمارقين كان بأمرٍ من رسول الله (ص)؟ وما هو سبب وصف الفئات الثلاث -الذين قاتلهم الإمام (ع)- بهذه الأوصاف؟

 

الجواب:

 

الروايات الواردة من طرق العامَّة -والتي أفادت أنَّ قتال الإمام عليٍّ (ع) أيام خلافته الظاهريَّة للناكثين والقاسطين والمارقين كان بعهدٍ من رسول الله (ص)- هذه الروايات تبلغ من الكثرة حدًّا لا يسعُ منصف الارتياب في صدورها في الجملة، فقد وردت من طرقٍ مختلفة عن عددٍ من الصحابة منهم أبو أيوب الأنصاري وهو الذي استضاف الرسول (ص) أول أيام الهجرة، ورُويت عن عبد الله بن مسعود، وعن الإمام علي (ع) وعن عمار بن ياسر وعن أبي سعيدٍ الخدري وعن عبد الله بن عباس وعن امِّ سلمة زوجة الرسول (ص) وعن جابر بن عبد الله الأنصاري فهؤلاء ثمانية من الصحابة الكرام رُويت عنهم في طرق العامة ما عهِد به الرسول الكريم (ص) لعليٍّ (ع) في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

 

ولهذا أفاد ابن عبد البر في الاستيعاب قال: ويروى من وجوه عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر أنَّه قال: ما آسى على شيءٍ إلَّا أنِّى لم أُقاتل مع عليّ الفئة الباغية، وقال الشعبي: ما مات مسروقٌ حتى تاب إلى الله عن تخلَّفه عن القتال مع عليّ. ولهذه الأخبار طرقٌ صحاح قد ذكرناها في موضعها. ورُوي من حديث عليّ، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي أيوب الأنصاري أنَّه أمر (ص) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين"(1).

 

وقال الحافظ ابنُ حجر العسقلاني في التلخيص الحبير: ثبت أنَّ أهل الجمل وصفين والنهروان بغاة، ويدلُّ عليه حديث عليٍّ أُمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. رواه النسائي في الخصائص والبزَّار الطبراني، والناكثين أهل الجمل لأنهم نكثوا بيعته والقاسطين أهل الشام لأنهم جاروا عن الحق في عدم مبايعته، والمارقين أهل النهروان لثبوت الخبر الصحيح فيهم أنَّهم يمرقون من الدين كما يمرقُ السهم من الرمية، وثبت في أهل الشام حديث عمار: "تقتلك الفئةُ الباغية وأنَّ عليًّا قاتل أصحاب الجمل وأهل الشام والنهروان ولم يتبع بعد الاستيلاء ما أخذوه من الحقوق، وهذا معروف في التواريخ الثابتة وقد استوفاه أبو جعفر بن جرير الطبري وغيره"(2).

 

وهنا سننقل بعض ما وقفنا عليه من الروايات الواردة في هذا الشأن:

 

ما رُوي عن أبي أيوب الأنصاري:

 

الأول: ما أورده الحاكم في المستدرك على الصحيحين بسنده عن عتاب بن ثعلبة حدَّثني أبو أيوب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطاب قال: أمر رسولُ الله صلى الله عليه وآله عليَّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين"(3) وأورده الحافظ ابنُ عساكر في تاريخ مدينة دمشق، وكذلك الموفق الخوارزمي في المناقب(4).

 

الثاني: ما أورده الحاكم في المستدرك على الصحيحين بسنده عن الأصبغ بن نباتة عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وآله يقولُ لعليِّ بن أبي طالب: تُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بالطرقات والنهروانات وبالشعفات قال: أبو أيوب قلتُ يا رسول الله مع من نقاتل هؤلاء الأقوام قال: مع عليِّ بن أبي طالب(5).

 

الثالث: ما أورده الطبراني في المعجم الكبير بسنده عن مخنف بن سليم قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري وهو يعلف خيلاً له بصنعاء فقلنا عنده فقلتٌ له: يا أبا أيوب قاتلتَ المشركين مع رسول الله (ص) ثم جئتَ تُقاتل المسلمين قال: كان رسولُ الله (ص) أمرني بقتال ثلاثة الناكثين والقاسطين والمارقين، فقد قاتلتُ الناكثين، وقاتلتُ القاسطين، وأنا مقاتلٌ إنْ شاء الله المارقين بالسعفات بالطرقات بالنهروانات، وما أدري ما هم". وأورده الحافظ ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق، وأورد المتقي الهندي في كنز العمال وقال أخرجه ابن جرير(6).

 

الرابع: ما أورده الحافظ ابن عساكر بسنده عن أبي صادق قال: قدم علينا أبو أيوب الأنصاري العراق فقلتُ له: يا أبا أيوب قد كرَّمك الله بصحبة نبيِّه محمد (ص) وبنزوله عليك فما لي أراك تستقبل الناس تُقاتلهم؟ تستقبل هؤلاء مرَّة وهؤلاء مرَّة، فقال: إنَّ رسول الله (ص) عهِدَ إلينا أنْ نُقاتل مع عليٍّ الناكثين فقد قاتلناهم، وعهد إلينا أنْ نُقاتل معه القاسطين فهذا وجهنا إليهم، وعهد إلينا أنْ نُقاتل مع عليٍّ المارقين فلم أرهم بعد" وأورده المتقي الهندي في كنز العمال(7).

 

الخامس: ما أورده المتقي الهندي عن ابن جرير بسنده عن مخنف بن سليم قال: أتينا أبا أيوب فقلنا: يا أبا أيوب قاتلتَ المشركين بسيفك مع رسول الله (ص) ثم جئتَ تُقاتل المسلمين! قال: إنَّ رسول الله (ص) أمرنا بقتال ثلاثة: الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فقد قاتلتُ الناكثين والقاسطين وأنا مقاتلٌ إن شاء الله المارقين(8).

 

السادس: ما أورده الخطيبُ البغدادي بسنده علقمة والأسود قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفين، فقلنا له: يا أبا أيوب إنَّ الله أكرمك بنزول محمد (ص) وبمجيء ناقته تفضُّلاً من الله وإكراماً لك حتى أناخت ببابك دون الناس، ثم جئتَ بسيفك على عاتقك تضربُ به أهل لا إله إلا الله! فقال: يا هذا إنَّ الرائد لا يكذبُ أهله، وإنَّ رسول الله (ص) أمرنا بقتال ثلاثة مع عليٍّ، بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين. فأمَّا الناكثون فقد قابلناهم -أهل الجمل- وأمَّا القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم -يعني أهل الشام- وأمَّا المارقون فهم أهل الطرفاوات، وأهل السعيفات، وأهل النخيلات، وأهل النهروانات، والله ما أدري أين هم ولكن لا بدَّ من قتالهم إنْ شاء الله، قال: وسمعتُ رسول الله (ص) يقول لعمار: "يا عمار تقتلك الفئة الباغية، وأنت إذ ذاك مع الحقِّ، والحقُّ معك، يا عمار بن ياسر، إنْ رأيت عليًّا قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره فاسلك مع عليٍّ فإنَّه لن يدليك في ردى، ولن يخرجك من هدى، يا عمار مَن تقلَّد سيفا أعان به عليًّا على عدوه قلَّده الله يوم القيامة وشاحين من دُرٍّ، ومن تقلد سيفاً أعان به عدوَّ عليٍّ عليه قلَّده الله يوم القيامة وشاحين مِن نار" قلنا: يا هذا حسبُك رحمك الله، حسبُك رحمك الله" وأورده ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق وأورده الخوازمي في المناقب(9).

 

ما رُوي عن الإمام علي بن أبي طالب (ع):

 

الأول: ما أورده الطبراني في الأوسط بسنده عن ربيعة بن ناجد قال: سمعتُ عليًّا يقول: أُمرتُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين" وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وعلَّق عليه بقوله: رواه البزار والطبراني في الأوسط وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد ووثَّقه ابن حبان"، وورد من طريق آخر عن علقمة ومن طريق ثالث عن أبي سعيد التيمي كما في تاريخ مدينة دمشق(10).

 

وفي أنساب الأشراف للبلاذري روى بسنده حكيم بن جبير قال: سمعتُ إبراهيم يقول: سمعتُ علقمة قال: سمعتُ عليًّا يقول: أُمرتُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين" وحُدثتُ أنَّ أبا نعيم قال لنا: الناكثون أهل الجمل، والقاسطون أصحاب صفّين، والمارقون أصحاب النهر"(11).

 

الثاني: ما أورده في مسند ابن أبي يعلى بسنده عن علي بن ربيعة قال: سمعتُ عليًّا على المنبر وأتاه رجلٌ فقال: يا أمير المؤمنين ما لي أراك تستحيل الناس استحالة الرجل إبله، أبعهدٍ من رسول الله (ص) أو شيئاً رأيتَه؟ قال: "والله ما كذبتُ ولا كذبت، ولا ضللتُ ولا ضُلَّ بي، بل عهدٌ من رسول الله (ص) عهده إليَّ، وقد خاب من افترى، وقال عليُّ بن ربيعة: سمعتُ عليًّا على منبركم هذا يقول: عهِد إليَّ النبيُّ (ص) أنْ أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين(12).

 

وفي مسند البزاز عن عليٍّ قال: عهد إليَّ رسول الله (ص) في قتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين" قال الهيثمي في مجمع الزوائد وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد ووثقه ابن حبان(13).

 

الثالث: ما أورده الخطيب البغدادي بسنده عن خليد العصري قال: سمعتُ أميرَ المؤمنين عليًّا يقول يوم النهروان: أمرني رسولُ الله (ص) بقتال الناكثين، والمارقين، والقاسطين" وأورده الحافظ ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق(14).

 

الرابع: ما أورده الحافظ ابن عساكر بسنده عن زيد بن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ عن أبيه عن جدِّه عن عليٍّ قال: أمرني رسولُ الله (ص) بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين" وأورده المتَّقي الهندي في كنز العمال(15).

 

الخامس: ما أورده ابنُ أبي عاصم في السنَّة عن علقمة قال: سمعتُ عليَّ بن أبي طالب يوم النهروان يقول: أُمرتُ بقتال المارقين، وهؤلاء المارقون" وأورده الحافظ ابن عساكر، والمتقي الهندي في كنز العمال(16).

 

السادس: ما أورده ابن مردويه بسنده عن أبي سعيد التميمي عن عليّ (عليه السلام) قال: عهِد إليّ رسول (صلى الله عليه وآله) أنْ أُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. فقيل له: يا أمير المؤمنين مَن الناكثون؟ قال: الناكثون أصحاب الجمل، والمارقون الخوارج، والقاسطون أهل الشام" وأورده الموفَّق الخوارزمي في المناقب(17).

 

السابع: ما أورده الحافظ ابن عساكر بسنده عن سعد بن جنادة عن عليٍّ قال: أُمرتُ بقتال ثلاثة القاسطين والناكثين والمارقين، فأمَّا القاسطون فأهل الشام، وأمَّا الناكثون فذكرهم وأمَّا المارقون فأهلُ النهروان يعني الحرورية" وأورده الموفق الخوارزمي في المناقب وأورده السيوطي في جامع الأحاديث وقال رواه الحاكم في الأربعين وابنُ عساكر"(18).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- الاستيعاب -ابن عبد البر- ج3 / ص1117.

2- التلخيص الحبير -ابن حجر العسقلاني- ج4 / ص84.

3- المستدرك على الصحيحين -الحاكم النيسابوري- ج3 / ص139

4- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص472، المناقب -الموفق الخوارزمي- ص190.

5- المستدرك على الصحيحين -الحاكم النيسابوري- ج3 / ص140

6- العجم الكبير -الطبراني- ج4 / ص172، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص473، كنز العمال -المتقي الهندي- ج11 / ص352.

7- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج16 / ص54، ج 42 / ص471، كنز العمال -المتقي الهندي- ج11 / ص352.

8- كنز العمال -المتقي الهندي- ج11 / ص352.

9- تاريخ بغداد -الخطيب البغدادي- ج 13 / ص189، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص472، المناقب -الموفق الخوارزمي- ص105.

10- المعجم الأوسط -الطبراني- ج8 / ص213، مجمع الزوائد -الهيثمي- ج7 / ص238، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص469.

11- أنساب الأشراف- البلاذري- ج2 / ص138.

12- مسند ابن أبي يعلى الموصلي -ابو يعلى الموصلي- ج1 / ص397، 186، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص468، اسد الغابة -ابن الأثير- ج4 / ص33.

13- مسند البزاز -البزاز- ج3 / ص26، مجمع الزوائد- الهيثمي- ج7 / ص238.

14- تاريخ بغداد -الخطيب البغدادي- ج8 / ص336، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص470.

15- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر-ج 42 / ص468، كنز العمال -المتقي الهندي- ج13 / ص112.

16- السنة -ابن أبي عاصم- ص425، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص469، 470، كنز العمال -المتقي الهندي- ج11 / ص300.

17- مناقب علي بن أبي طالب -ابن مردويه الأصفهاني- ص161، المناقب -الموفق الخوارزمي- ص176.

18- تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص469. المناقب -الموفق الخوارزمي- ص194، جامع الأحاديث -السيوطي- ج29 / ص328.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد