
لقد ابتسم الدهر للمعتزلة في عصر أبي جعفر المنصور (136 - 158 ه) وقد كان بينه وبين عمرو بن عبيد صلة وثيقة، ولـمّا هلك المنصور لم ير للمعتزلة بعد زمانه نشاط يُذكر خصوصاً في أيّام المهدي الّذي كان عدوّ المعتزلة، إلى أن أخذ المأمون زمام الحكم وكان محبّاً للعلم والتعقّل، فنرى في عصره رجالًا من المعتزلة يتّصلون ببلاطه، وكان لهم تأثير بالغ عليه، ولـمّا استفحلت دعوة المحدّثين إلى قدم القرآن، كتب المأمون (عام 218 ه) إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة والمحدّثين في خلق القرآن، فأحضر إسحاق بن إبراهيم المحدّثين فأقرّوا بحدوث القرآن فخلّى سبيلهم، ثم أحضرهم مرة أخرى وبلغ عددهم إلى 26 فسأل عن عقيدتهم في خلق القرآن، فأقر أكثرهم - تقية - بحدوث القرآن إلّا قليلًا منهم وعلى رأسهم أحمد بن حنبل.
ثم دعا المنكرين مراراً وفي كل مرة يستجيب عدد آخر ويقرّ بحدوث القرآن حتّى لم يبق منهم إلّا أربعة أشخاص، فدعاهم إسحاق بن إبراهيم مرّة أخرى فأقرّ اثنان منهم بحدوث القرآن وبقى شخصان - أعني: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح - على قولهما، فشدّا بالحديد وبعثا إلى طرسوس وكتب معهما كتاباً، فلمّا صار إلى الرقة بلغتهم وفاة المأمون، فأمر والي الرقة بإرجاعهم إلى إسحاق بن إبراهيم، فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم ثم أطلق سراحهم. «1» ولـمّا تسلم المعتصم مقاليد الحكم ضرب أحمد بن حنبل 38 سوطاً ليقول بخلق القرآن، وكان ذلك عام 219 ه. وهذا هو المعروف بمحنة أحمد أو محنة خلق القرآن.
قضى المعتصم نحبه وخلفه ابنه الواثق (227 - 232 ه) وكان للمعتزلة في عصره شوكة، ولـمّا قضى الواثق نحبه قام مقامه المتوكل فأمر الناس بترك النظر والبحث وترك ما كانوا عليه في أيام الخلفاء الثلاثة، وأمر شيخ المحدثين بالتحديث وإظهار السنّة، ومن هنا أخذ نجم المعتزلة بالأُفول وإقصائهم عن الساحة الفكرية وفسح المجال للمحدّثين، وكانوا يجلسون في المساجد ويروون الأحاديث ضد الاعتزال ويكفّرون المعتزلة. سأل أحدهم أحمد عمّن يقول إنّ القرآن مخلوق، فقال: كافر، قال: فابن دؤاد؟ قال: كافر باللَّه العظيم. «2»
ثمّ إنّ ممّا أعان على انقراضهم هو تشتّت مذاهبهم وفرقهم، فإنّ القوم تفرّقوا إلى مدرستين: مدرسة معتزلة بغداد ومدرسة معتزلة البصرة، ولم تكن حتّى في نفس كلِّ واحدة منهما وحدة في التّفكير، فصاروا فرقاً تنوف على العشرين، وعند ذلك بلغوا إلى درجة من الضّعف والانحلال، وإن كان ينجم بينهم رجال مفكّرون كأبي عليّ الجبّائي (المتوفّى 303 ه) وولده أبي هاشم (المتوفّى 321 ه).
وجاءت الضّربة الأخيرة من جانب أبي الحسن الأشعريّ الّذي كان ربيب أبي عليّ الجبّائي وتلميذه، ورجوعه عن الاعتزال بالتحاقه بأهل الحديث، فقد رقى في البصرة يوم الجمعة كرسيّاً ونادى بأعلى صوته: «من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأنّ اللَّه لا تراه الأبصار، وأنّ أفعال الشّرّ أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد للردّ على المعتزلة، مخرج لفضائحهم ومعايبهم» «3».
فقد كان لرجوع من كان من أكابر تلاميذ أبي عليّ الجبّائي أثر بارز في النّفوس، وبذلك أخذ الدهر يقلب عليهم ظهر المجنّ، تقلّب لجّة البحر بالسفن المشحونة والفلك المصنوعة، بين بالغ إلى ساحل النّجاة وهالك في أمواج الدّهر.
هذا هو القادر باللَّه أحد خلفاء العبّاسيين قام في سنة (408 ه) بنفس العمل الّذي قامت به المعتزلة في عصر المعتصم والواثق. يقول الحافظ ابن كثير: وفي سنة (408 ه)، استتاب القادر باللَّه الخليفة فقهاء المعتزلة فأظهروا الرّجوع وتبرّأوا من الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذت خطوطهم بذلك وأنّهم متى خالفوا أحلّ فيهم من النّكال والعقوبة ما يتّعظ به أمثالهم، وامتثل محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك واستنّ بسنّته في أعماله الّتي استخلفه عليها من بلاد خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيليّة والقرامطة والجهميّة والمشبّهة وصلبهم وحبسهم ونفاهم وأمر بلعنهم على المنابر وأبعد جميع طوائف أهل البدع ونفاهم عن ديارهم وصار ذلك سنّة في الإسلام. «4»
قال الخطيب: «وصنّف القادر باللَّه كتاباً في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن، وكان الكتاب يقرأ كلّ جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي ويحضر النّاس سماعه». «5»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1). تاريخ الطبري: 7 / 195 - 206 بتلخيص.
(2). تاريخ بغداد: 3 / 285.
(3). فهرست ابن النديم: 231، الفن الثالث من المقالة الخامسة؛ وفيات الأعيان: 3 / 275.
(4). البداية والنهاية: 12 / 6.
(5). تاريخ بغداد: 4 / 37 و 38.
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
الإمام الكاظم (ع): معراج حوائج السّائلين
حسين حسن آل جامع
حتى تغاضيت
محمد أبو عبدالله
لقد حرمني الشّعر!
أحمد الرويعي
أسباب الحبّ
حبيب المعاتيق
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
وجهة
ناجي حرابة
الحدث بين القصّة والمسرح، أمسية حواريّة لنادي صوت المجاز
(صدى اليامال) كتاب جديد للباحث سلمان العيد
الإمام الكاظم (ع): معراج حوائج السّائلين
(الباذل مهجته) الديوان الإلكترونيّ الخامس لعبدالشّهيد الثّور
بيعة من نهج الغدير
(الأدب الشّفهيّ: ذاكرة الشّعوب الحيّة) محاضرة للحسن في (كوب كتاب)
أنت السّبيل إلى الإله
أبجديّة علويّة
عيد الغدير.. ملتقى العهد والولاية
قوافل حجّاج القطيف والأحساء: رحلة شوق ولقاء