
الظهور نقطة تحوّل تاريخيّ
لا شكّ في أنّ ظهور صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف لا يمثّل بدايةً لمرحلةٍ تاريخيّةٍ وضّاءةٍ فحسب، بل هو نقطة تحوّل تاريخيّ كبير في تاريخ البشريّة، من خلال:
1- أنّه يعطف الهوى على الهدى: يصف أمير المؤمنين عليه السلام ظهوره عجل الله تعالى فرجه الشريف، بالأوصاف الآتية: "يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي"(1).
ولعلّ التعبير بنقطة عطف، أو نقطة تحوّل الذي كثر استعماله في زماننا الحاضر، مأخوذٌ من هذا البيان النوريّ. فإذا كان مسار حركة المجتمعات الإنسانيّة عبارة عن خطّ، فلا مفرّ لهذه المجتمعات من أن تتّبع مساراً يقودها إلى غاية ومقصد ما. وثمّة جملة من الأحداث الواقعة في طيّ تاريخ البشريّة، تمثّل نقطة تحوّل فيه؛ لأنّ هذه الحوادث - بقطع النظر عن قيمتها المعياريّة - غيّرت مسار حركة المجتمع، وأدّت إلى أن تتّجه القافلة الإنسانيّة إلى اتّجاه جديد، وكأنّ قبلة هذا المسار انحرفت قليلاً عن قبلة المسار السابق، ويسمّى هذا النحو من الأحداث نقطة عطف، أو نقطة تحوّل.
ولكلّ نقطة عطف جهةٌ خاصّةٌ وامتدادٌ مخصوصٌ، فقد يكون تحوّل مسار المجتمع الإنسانيّ بواسطة هذه النقاط من العدل إلى الظلم، ومن العلم إلى الجهل، عندها لن تكون نقطة التحوّل هذه إلّا مثالاً لسقوط المجتمع البشريّ. كما أنّ الذين يحدثون مثل هذا التحوّل نحو السقوط، إمّا يكونون من منكري الوحي المتجاهلين له، وإمّا من المستندين إلى أفكارهم وأوهامهم الباطلة، فيعرضون على المجتمع عقيدةً بلا أساسٍ باعتبارها ديناً لهم، فيكونون مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ﴾ (البقرة: 79). وإذ عطفوا الهداية على الهوى، وعطفوا كلام الله على آرائهم وأوهامهم؛ (أيّ حوّلوا الهداية بحسب الهوى)، والمعطوف تابعٌ للمعطوف عليه وفرعٌ له، فصوّر هؤلاء أنّ رأيهم هو الأصل، وسعوا إلى تأويل كلام الله حسب رأيهم الباطل وزعمهم الآفل.
2- نقطة عطف عالميّة: كان لأنبياء الله عليهم السلام وللأئمّة المعصومين عليهم السلام وتلاميذهم تأثيرٌ عميقٌ في تاريخ البشريّة؛ إذ حوّلوا حركة المجتمعات الإنسانيّة من الانحطاط والتشرذم إلى النور والفلاح. إنّ هذه النقاط التاريخيّة المنيرة، وإن قادت الناس إلى قبلةٍ واحدةٍ، إلّا أنّها تختلف فيما بينها بلحاظ سَعة تأثير كلّ نقطة منها في دائرة المكان والزمان. وأمّا ظهور الوجود المبارك لإمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، فهو نقطة عطف عالميّة شاملة، تعطف مسار المجتمع البشريّ، ضمن دائرة تشمل الأمكنة والأزمنة كافّة، نحو الهداية والسموّ والرقيّ.
3- إدارة الفكر والعمل نحو الحقّ: لا شكّ في أنّ كلّاً من: العلم/ الفكر أوّلاً، والعمل/ الدافع ثانياً، عاملان يؤمّنان تحوّلات المجتمع الإنسانيّ. فإنّ للوجود المبارك لإمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف تأثيراً عميقاً في هذين الجانبين، ما يعدّ معه نقطة عطف نهائيّة. فعلى المستوى الأوّل: العلميّ والفكريّ، يثير الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف دفائن عقول البشر، فيعود الحسّ والخيال والوهم تحت إدارة العقل. كما أنّ العقل يصير تابعاً وخادماً للوحي، فيهتدي بهدي الكلام الإلهيّ، فتتحوّل مسارات الإدراك البشريّ نحو الحقّ؛ لتصل إلى الرقيّ المنشود.
وعلى المستوى الثاني: الدافع أو العمل، تكون الميول والتوجّهات والانجذاب والنفور والشهوة والغضب كلّها تحت إدارة العقل العمليّ، كما أنّ الأخير يكون تحت إمرة الوحي، فيكتمل وينضج، فيتحوّل وينعطف كلّ انحرافٍ نحو طريق الهداية المستقيم، فتتشكّل أكمل نقطة تحوّل وعطف للعالم الإنسانيّ: نقطة عطف يعود فيها هوى النفس إلى الهداية، وآراء البشر إلى محور الوحي، فتتحقّق سعادة المجتمع الإنسانيّ.
ثمرة جهود المجتمعات الإنسانيّة
يتقدّم المجتمع البشريّ كلّ يوم خطوةً إلى الأمام في مسار تكامله، إلّا أنّ هذا التقدّم إمّا أن ينصبّ على جانب ماديّ من قبيل التقدّم الصناعيّ، وإمّا أن يقتصر على جانبٍ واحدٍ من ضمن مختلف جوانب تكامل الإنسان المعنوي. ويلاحظ، أنّ شجرة المجتمع تثمر حين يجتمع فيها الرأي الصائب على مستوى الفكر، والالتزام بمباني الحقّ والعدالة على مستوى العمل. ولا يتحقّق هذا النحو من الكمال الذي يؤمّن حقيقة الحياة الإنسانيّة إلّا في ظلّ شمس الوحي والنبوّة وشعاع نور الولاية والإمامة.
وكما أنّ الأرض تشعّ بنور الشمس، وتنجو من الظلمات فتكون حياتها رهينةً بهذا الفيض، فإنّ أرض القلوب البشريّة بأمسّ الحاجة إلى النور الإلهيّ الذي يرفع عنها ظلمات الجهل، فتعمّها أنوار الهداية، ويزول عنها الظلم والجور، وتمتلئ عدلاً وإحساناً، ويضمحلّ عنها الباطل بإشراق شمس الفكر الساطع من شمس الهداية الإلهيّة.
وهذا النحو من الثمار الطيّبة إنّما هو نتاج ظهور وليّ الله الأعظم عجل الله تعالى فرجه الشريف وعناياته وبركاته، التي تقضي على آفات الفكر والدوافع البشريّة، بإثارة دفائن العقول، وإحياء القلوب الميّتة، كما أنّه يطفئ بظهوره كلّ حرب أجّج نارها الطغاة: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ (المائدة: 64)، وسيتمُّ اللهُ به نوره، ويقضي به على من سعى إلى إطفاء نور كلمته وشعاعها: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8)، فيهيّئ نور الله الأرضيّة لحياة البشر: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ (الزمر: 69).
الظهور تجلٍّ للمنّة الإلهيّة
المنّة هي النعمة الإلهيّة التي يمنّ الله بها على الخواصّ من عباده الصالحين. وهي ليست كسائر النعم؛ إذ إنّ النعم، وإن وسعت كلّ شيء في السماوات والأرض، إلّا أنّها غير دائمة؛ إذ قد يأتي يومٌ وتزول فيه؛ فالشمس -رغم عظمة أنوارها- سيأتي يومٌ عليها تنطمس فيه أنوارها وإشراقها، فينطبق عليها حكم قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (التكوير:1)، والقمر -رغم تمام جلائه وضيائه- سيأتي عليه يومٌ يصير محكوماً بحكم: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (القيامة: 8). وعليه، كلّ آفلٍ لا يليق به أن يُسمّى منّة؛ فهي العطيّة التي لا تعرف الأُفول.
لقد أطلق الله سبحانه وتعالى على نبوّة رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم صفة المنّة:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (آل عمران: 164). والإمامة امتدادٌ لخطّ النبوّة، فهي منّةٌ إلهيّةٌ على العباد، وظهورٌ تامٌّ للنعمة الإلهيّة العظيمة، وحين تظهر شمس جمال المهديّ الموجود الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف بعد غيبتها، ستنير العالم بنور ربّها: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة، الخطبة 138.
معنى (هجد) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
في وجوب التنظير من أجل هندسة معرفيَّة لتفكير عربي إسلامي مفارق (1)
محمود حيدر
علم الأعصاب وفهم ما يحدث في الدماغ أثناء الحزن والفقد
عدنان الحاجي
مناجاة المريدين (7): على المُقْبِلين عليه مُقْبلٌ
الشيخ محمد مصباح يزدي
حتّى ظهور الشمس (2)
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
عاقبة البهتان
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
العبادة على سبعين وجهًا
الشيخ مرتضى الباشا
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
الإمامُ السّجّاد سراج محاريب الأسحار
حسين حسن آل جامع
إلى سادن السّماء
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
(بصمات باقية) كتاب إلكترونيّ جديد للشّاعر والرّادود عبدالشّهيد الثّور
معنى (هجد) في القرآن الكريم
مزايا القرآن الكريم
في وجوب التنظير من أجل هندسة معرفيَّة لتفكير عربي إسلامي مفارق (1)
علم الأعصاب وفهم ما يحدث في الدماغ أثناء الحزن والفقد
مناجاة المريدين (7): على المُقْبِلين عليه مُقْبلٌ
حتّى ظهور الشمس (2)
(الحكمة في التّوازن) محاضرة في الأحساء للدّكتورة زهراء الموسوي
معنى (همس) في القرآن الكريم
{جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}