مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد مصباح يزدي
عن الكاتب :
فيلسوف إسلامي شيعي، ولد في مدينة يزد في إيران عام 1935 م، كان عضو مجلس خبراء القيادة، وهو مؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي، له مؤلفات و كتب عدیدة فی الفلسفة الإسلامیة والإلهیات والأخلاق والعقیدة الإسلامیة، توفي في الأول من شهر يناير عام 2021 م.

ما هي ليلة القدر

من خصائص شهر رمضان المبارك أن الله تعالى جعل في هذا الشهر ليلة هي خير من ألف شهر. {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر}.

 

محور هذه الآية الكريمة هو ليلة القدر.

 

ما هي ليلة القدر؟

 

ذكر المفسرون للقدر معنيين:

 

المعنى الأول هو "الشرف والمنزلة والعظمة". وعلى هذا المعنى فإن ليلة القدر هي ليلة ذات شرف وعظمة خاصة وعالية ويمكن تسمية هذه الليلة ليلة الشرف.

 

وذهب البعض الآخر من المفسرين، بالاستفادة من الروايات المتحدثة عن خصوصيات ليلة القدر، إلى أن القدر هنا مصدر بمعنى "التقدير". فيكون معنى قدر يقدر قدرًا هو نفسه معنى قدّر يقدّر تقديرًا بمعنى "تقدير القضاء والقدر".

 

وعلى أساس الكثير من الروايات فإن تقديرات السنة المقبلة تُعيّن في ليلة القدر. إلا أن الروايات لم تصرح بأن سبب تسمية الليلة بهذا الاسم هو تَعيّن التقديرات فيها، إذ لا تنافي بين كون القدر بمعنى الشرف وتعين تقديرات العالم في هذه الليلة أيضًا.

 

ماذا يعني كون ليلة القدر خير من ألف شهر؟

 

جاء في كتاب فروع الكافي روايات تحكي عن أفضلية ليلة القدر على سائر ليالي السنة بل وعلى ألف شهر أي ما يفوق السبعين سنة من العمر.

 

إن العبادة التي تنجز في ليلة القدر خير من عبادة ألف شهر. ومن يوفق في ليلة القدر لأداء ركعتين فهو كمن صلى في كل ليلة ركعتين على مدى ألف شهر.

 

وإن هذا الامتياز توفيق منحه الله لنبي الإسلام وللمسلمين، كي يتشجع الناس ويقضوا هذه الليلة بالعبادة ويستفيدوا من مزاياها وبركاتها.

 

ليلة القدر بمثابة المحفل العام الذي يقيمه العظماء والسلاطين لرعاياهم وعبيدهم ويوزعون فيه الهداية. والله تعالى، الذي هو أرحم الراحمين، ورحمته لا تقبل المقايسة بأي رحمة وفضل، قد منّ على الأمة الإسلامية وجعل لهم ليلة القدر كمحفل عام. وهي ليلة المغفرة، وليلة تفوق عبادتها أيضًا عبادة ألف شهر.

 

التقدير، الإبرام، الإمضاء

 

جاء في الرواية التي عينت ليلة القدر أن:

 

مقدرات السنة تقدر في ليلة التاسع عشر (قُسّم فيها الأرزاق وكتب فيها الآجال وخرج فيها صكاك الحاج) ففي ليلة التاسع عشر تعين أرزاق الناس ومداخيلهم، وكذلك أعمارهم في العام المقبل. وبالإضافة إلى ذلك يعين من سيذهب إلى الحج.

 

ثم في ليلة الواحد والعشرين يتم إبرام وتأكيد ما قدر في ليلة التاسع عشر. بمعنى أن ما عُيّن وقُدر في التاسع عشر يصبح غير قابل للتغيير في ليلة الواحد والعشرين، فما كان مقدرًا وقابلًا للتغيير من الليلة التاسعة عشرة إلى الليلة الحادية والعشرين، يُبرم في الليلة الواحدة والعشرين. ومن ثم يصبح قطعيًّا ونهائيًّا. يمضى في الليلة الثالثة والعشرين. وبحسب هذه الرواية فإن كل هذه الليالي الثلاثة تعتبر ليلة القدر.

 

نزول الملائكة مستمر

 

يعتقد معظم علماء السنة وجميع علماء الشيعة ومحدثيهم، أن ليلة القدر تتكرر كل عام خلال شهر رمضان، وأنه في كل عام هناك ليلة أفضل من ألف شهر، تنزل فيها الملائكة والروح. ولكن ما هو سبب نزول الملائكة والروح؟

 

أولئك الذين يعتقدون أن نزول الملائكة قد تم في مرحلة واحدة فقط، وهو النزول علی رسول الله، ليسوا بحاجة للإجابة على هذا السؤال. لأن نزول الملائكة والروح قد تمّ مرة واحدة فقط من أجل نزول القرآن. إلا أن هذا الرأي لا ينسجم مع لفظ القرآن والروايات الموجودة في هذا المجال. "تَنَزَّل" هو فعل المضارع.

 

يقول القرآن حول تنزيل القران في ليلة القدر "إنا أنزَلناه"، وكلمة "أنزلناه" هي فعل ماضٍ. هذا النزول كان مرة واحدة وانتهى.

 

وبحسب تعبير المرحوم العلامة الطباطبائي، كان نزول نور القرآن الكريم على قلب النبيّ الأكرم (ص) في هذه الليلة. ولكن عندما يقال "تَنَزَّل الملائكة"  كلمة "تَنَزَّل" هي المضارع، أي أن لهذا النزول استمرار. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه سيستمر في المستقبل أيضًا.

 

نزول الملائكة على حجة الله

 

وهنا يطرح السؤال التالي: "الآن حيث ليس هناك أيّ نزول آخر للقرآن كي تنزل الملائكة على النبي (ص)، إذن في ليلة القدر، على من تنزل الملائكة ولماذا؟

 

جاء في أصول الكافي في باب رواية عن المعصوم (ع) يخاطب شخصًا ويقول: لإثبات ولايتنا، عليك بالاحتجاج على المخالفين بسورة القدر، لأنّ أحد أدلّة ضرورة (وجود) "الإمام" بعد النبي الأكرم (ص) هو هذه السورة. 

 

فيقول هذا الشخص بدهشة أنه لا يوجد ذكر للإمامة والولاية في هذه السورة، فكيف يُمكن الاحتجاج بهذه السورة لإثبات قضية الإمامة؟

 

قال الإمام (ع): اسأل المخالفين على من تنزل الملائكة في ليلة القدر؟ هل ادعى أحد من قبل أن الملائكة نزلت عليه في ليلة القدر؟ لا يمكن لأحد أن يدّعي أنه قد أدرك نزول الملائكة في ليلة القدر. حتى الآن لم يدعِّ أحد هذا الأمر.

 

 والحال أن القرآن يقول (عن طريق فعل المضارع بمعنى استمرار نزول الملائكة) {تَنَزَّلُ الملائِكَةُ وَ الرُّوحُ} لذلك لا بد من أن يكون هناك شخص بعد النبي (ص) كي تنزل عليه الملائكة. وهو ليس إلا حجة الله وإمام العصر صلوات الله عليه.

 

ماذا ستفعل الملائكة عند النزول على الإمام (ع) ؟

 

يقول القرآن: "سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجرِ"

 

أيّ أن الملائكة تنزل أفواجًا أفواجًا على إمام الزمان (ع)  "وتُسلّم عليه". وبالنسبة للملائكة، إنه لمن الشرف والتوفيق أن يُسمح لهم بأن يزوروا إمام العصر في ليلة القدر وأن يُؤدّوا له أشكال الاحترام.

 

لكن النقطة الثانية، التي في الروايات الشيعية تتجاوز مستوى خبر الواحد، هي أن الملائكة تنزل "لتقديم مقدرات السنة" لإمام الزمان (ع). وخاصّة في الليلة الثالثة والعشرين، عندما يتمّ إمضاء تقديرات العالم وتصبح قطعية، يتمّ تقديمها إلى الإمام (ع) ، الذي يعلم جميع مقدرات الأمة حتى نهاية العام المقبل وليلة القدر القادمة.

 

يقول الإمام سجاد  في الدعاء الرابع والأربعين من الصحيفة السجادية: "سَلامٌ دَائِمُ الْبَرَكَةِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ". يفسر الإمام آية "سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" في هذه الفقرة. أي أن بركة هذه الليلة تستمر حتى طلوع الفجر. ثم يقول: "عَلَى مَن  يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بِما أحْكَمَ مِن قَضَائِهِ". في "عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ" لا يقول الإمام السجاد (ع) صراحة على من تنزل [الملائكة]، لكنه يقول بالكناية أن هناك شخصًا يعرفه الله ، يجب أن تنزل عليه الملائكة.

 

وبالنظر إلى أن الإمام السجاد هو الإمام الرابع، لو أنه عرّف عن نفسه أو عن الأئمة السابقين، فلن يكون قد أشار إلى  الذين ستنزل الملائكة عليهم بعد الإمام الرابع. وبهذه الكناية، قال الإمام إن كل عام هناك شخص يريد الله أن تنزل عليه الملائكة. تشير هذه الفقرة إلى وجود الإمام وحجة الله.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد