
الشيخ عبدالله اليوسف
حثّ الله سبحانه وتعالى على الدعاء فقال عز وجل في كتابه العزيز ﴿... ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ...﴾ (1) وضمن لمن يدعوه أن يستجيب له، ولذلك يجب على المؤمن عند الحاجة التوجه إلى الله تعالى بالدعاء لقضاء حوائج الدنيا والآخرة.
وقد كان الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في جميع أوقاته يلهج بذكر الله عز وجل، ويدعوه دعاء المنيب إليه في كل وقت، ليستمد منه العون والقوة في مواجهة أعداء الإسلام، وليقوي من علاقته بالله تعالى.
وكان الإمام الكاظم (عليه السلام) يحث على الدعاء لما فيه من الفوائد، فقد قال: «عَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ لِلَّهِ وَالطَّلَبَ إِلَى اللَّهِ يَرُدُّ الْبَلَاءَ وَقَدْ قُدِّرَ وَقُضِيَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا إِمْضَاؤُهُ فَإِذَا دُعِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَسُئِلَ صُرِفَ الْبَلَاءُ صَرْفَةً» (2).
ويشير في حديث آخر أيضاً إلى فوائد الدعاء قائلاً: «مَا مِنْ بَلَاءٍ يَنْزِلُ عَلَى عَبْدٍ مُؤْمِنٍ فَيُلْهِمُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الدُّعَاءَ إِلَّا كَانَ كَشْفُ ذَلِكَ الْبَلَاءِ وَشِيكاً وَمَا مِنْ بَلَاءٍ يَنْزِلُ عَلَى عَبْدٍ مُؤْمِنٍ فَيُمْسِكُ عَنِ الدُّعَاءِ إِلَّا كَانَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ طَوِيلًا فَإِذَا نَزَلَ الْبَلَاءُ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (3).
وروى ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ يَقُولُ: «إِنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ مَا قَدْ قُدِّرَ وَمَا لَمْ يُقَدَّرْ. قُلْتُ: وَمَا قَدْ قُدِّرَ عَرَفْتُهُ فَمَا لَمْ يُقَدَّرْ؟ قَالَ: حَتَّى لَا يَكُونَ» (4).
وقد استخدم الأئمة الدعاء كوسيلة من وسائل التربية وتهذيب النفس وتكاملها، وهو أسلوب ناجح ومؤثر، ولم تقتصر مضامين الأدعية على الجانب الروحي والنفسي فقط، بل كانت تشتمل على مفاهيم عقائدية وفكرية وأخلاقية وتربوية مهمة، وعندما نتأمل في أدعية الإمام الكاظم سنجد أنها في نفس هذا الإطار، فهي ذات مضامين أخلاقية وعقدية وروحية وتربوية.
وقد حفلت كتب الأدعية والزيارات بالكثير من أدعية الإمام الكاظم ومناجاته لله تعالى؛ ومن أهم أدعيته «دعاء الجوشن الصغير» وهذا الدعاء رفيع الشأن، عظيم المنزلة، دعا به الإمام الكاظم عندما همّ موسى الهادي العباسي بقتله فأنجاه الله تعالى من ذلك.
ومن أدعيته المهمة دعاؤه على أحد حكام بني العباس الظلمة؛ فقد دعا الإمام الكاظم في إحدى قنوتاته بهذا الدعاء الشريف على ظالم له، والأقرب أنه كان يقصد أحد حكام بني العباس الذين ظلموا الإمام وأذاقوه المحن والآلام، حيث يقول الإمام في مطلع دعائه:
«اللَّهُمَّ إِنِّي وَفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ عَبْدَانِ مِنْ عَبِيدِكَ نَوَاصِينَا بِيَدِكَ تَعْلَمُ مُسْتَقَرَّنَا وَمُسْتَوْدَعَنَا وَمُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا وَسِرَّنَا وَعَلَانِيَتَنَا تَطَّلِعُ عَلَى نِيَّاتِنَا وَتُحِيطُ بِضَمَائِرِنَا عِلْمُكَ بِمَا نُبْدِيهِ كَعِلْمِكَ بِمَا نُخْفِيهِ وَمَعْرِفَتُكَ بِمَا نُبْطِنُهُ كَمَعْرِفَتِكَ بِمَا نُظْهِرُهُ وَلَا يَنْطَوِي عِنْدَكَ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِنَا وَلَا يَسْتَتِرُ دُونَكَ حَالٌ مِنْ أَحْوَالِنَا وَلَا مِنْكَ مَعْقِلٌ يُحْصِنُنُا وَلَا حِرْزٌ يُحْرِزُنَا وَلَا مَهْرَبٌ لَنَا نَفُوتُكَ بِهِ وَلَا يَمْنَعُ الظَّالِمَ مِنْكَ حُصُونُهُ وَلَا يُجَاهِدُكَ عَنْهُ جُنُودُهُ وَلَا يُغَالِبُكَ مُغَالِبٌ بِمَنْعِهِ وَلَا يُعَازُّكَ مُعَازٌّ بِكَثْرَةٍ أَنْتَ مُدْرِكُهُ أَيْنَمَا سَلَكَ وَقَادِرٌ عَلَيْهِ أَيْنَمَا لَجَأَ» والدعاء بكامله مذكور في كتاب بحار الأنوار وغيره. فالإمام الكاظم يستخدم الدعاء هنا كوسيلة لدفع شرور الظلمة والظالمين عنه وعن أهله وشيعته ومحبيه.
وكان الإمام الكاظم يتحجب بهذا الدعاء للأمن من شر من يخاف شره، ونصه ما يلي: «تَوَكَّلْتُ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَتَحَصَّنْتُ بِذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ وَاسْتَعَنْتُ بِذِي الْكِبْرِيَاءِ وَالْمَلَكُوتِ مَوْلَايَ اسْتَسْلَمْتُ إِلَيْكَ فَلَا تُسَلِّمْنِي وَتَوَكَّلْتُ عَلَيْكَ فَلَا تَخْذُلْنِي وَلَجَأْتُ إِلَى ظِلِّكَ الْبَسِيطِ فَلَا تَطْرَحْنِي أَنْتَ الطَّلَبُ وَإِلَيْكَ الْمَهْرَبُ تَعْلَمُ مَا أُخْفِيَ وَمَا أُعْلِنَ وَتَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ فَأَمْسِكْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيْدِي الظَّالِمِينَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَجْمَعِينَ وَاشْفِنِي وَعَافِنِي يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» (5).
ومن أدعيته المهمة أيضاً ما رواه الشيخ الطوسي «قدس سره» في كتابه «مصباح المتهجد» بإسناده عن الإمام موسى الكاظم من أدعية الأسبوع كاملة.
وكان من أدعية الإمام الكاظم في طلب الرزق قوله في دعائه الشريف: «يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَنْ حَقُّهُ عَلَيْكَ عَظِيمٌ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تَرْزُقَنِيَ الْعَمَلَ بِمَا عَلَّمْتَنِي مِنْ مَعْرِفَةِ حَقِّكَ وَأَنْ تَبْسُطَ عَلَيَّ مَا حَظَرْتَ مِنْ رِزْقِكَ» (6).
إن أدعية الإمام الكاظم - كأدعية آبائه الطاهرين - تحتوي على مفاهيم عميقة ومضامين مهمة في العقائد والأخلاق والسلوك، والمداومة على قراءتها يؤدي إلى تقوية تلك المفاهيم في شخصية المؤمن.
فالدعاء عند الأئمة الطاهرين كان عبارة عن برنامج عملي وسلوكي لتهذيب النفس، وتعديل الميول، وتخليص النفس من الرذائل، وتنمية الفضائل، والتحلي بمكارم الأخلاق.
إن الدعاء ينمي الرصيد الروحي عند الإنسان، فالدعاء له أثر كبير في تنمية الجانب الروحي والمعنوي، خصوصاً إذا ما داوم الإنسان على قراءة الأدعية المأثورة الواردة عن أئمة أهل البيت، حيث تشتمل أدعيتهم على التذلل والخشوع والخضوع والتسليم لله تعالى.
وبالدعاء يستطيع الإنسان أن يحقق حاجاته في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿... ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ...﴾ (1) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (7).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. القرآن الكريم: سورة غافر (40)، الآية: 60، الصفحة: 474.
2. أصول الكافي، ج2، ص 441، رقم 8.
3. أصول الكافي، ج2، ص 442، رقم 2.
4. أصول الكافي، ج2، ص 440، رقم2.
5. بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج91، ص 376.
6. أصول الكافي، ج2، ص520، رقم11.
7. القرآن الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 186، الصفحة: 28.
معنى أنَّ الإمام الرضا (ع) رضيَ به المخالفون
الشيخ محمد صنقور
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)
محمود حيدر
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
معنى (ولج) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
دراسة تؤكّد: التدخين يهيّج الرئتين وقد يسبّب الخرف
عدنان الحاجي
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
لا تبذل المجهود!
عبدالعزيز آل زايد
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
حسين حسن آل جامع
حين ينبض القلب مسكا
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
معنى أنَّ الإمام الرضا (ع) رضيَ به المخالفون
الإمام الرضا عليه السلام: 19 عاماً من الجهاد
الصداقة الناجحة في كلمات الإمام الرضا (ع)
الحادي عشر من شهر ذي القعدة سنة 148 ه: ولادة الإمام الرّضا (عليه السّلام)
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
علاج ضوئي جديد يمكنه كبح أحد أهم مؤشرات تساقط الشعر
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)
العدل في المدينة المهدويّة
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله