فجر الجمعة

الشيخ عبد الجليل بن سعد: ما يتفاضل فيه الناس بين الحقيقة والوهم

ألقى سماحة الشيخ عبد الجليل البن سعد خطبة الجمعة، 19- 01- 1446هـ في جامع الإمام الحسين عليه السلام بالحليلة في الأحساء، وفيها تناول موضوعًا بعنوان: ما يتفاضل فيه الناس بين الحقيقة والوهم تحدّث فيه حول مسارين من مسارات التّفاضل الأول لله تعالى والثاني للناس.

 

نص الخطبة

في كتاب الله المنزل بسم الله الرحمن الرحيم: "قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون".
صدق الله العلي العظيم.

مساران من مساراتِ التفاضل، والتفاضل طبع الإنسان، كل إنسان مؤمن أو غير مؤمن. وقد نخص المؤمن بالكلام لعلاقتنا به ولعلاقته بنا فقط. فكل إنسان مؤمن تنزع نفسه لمفاضلة الآخرين ومنافستهم. ولكن هناك مساران للتفاضل والتنافس خصوصًا في المجتمعات التي تحط تحت ظلال الدين، وتعيش تحت الظلال الدينية.

فهناك مجالات كثيرة جدًّا للتفاضل مع الآخرين. فإذا كان المسار لله، أصبح أمام الإنسان مجالات عديدة، وإذا كان التفاضل للدنيا فإن الإنسان أيضًا يصبح أمامه مجالات كثيرة. فهذان مساران: حينما يكون التفاضل لله سبحانه وتعالى والتنافس إلى الله عز وجل، فيجب أن نذكر فيما يذكر العبادة، هناك العبادة، هناك الأخلاق، هناك العلم والتعلم، هناك التضحية في سبيلها، وما سبيلها؟ سبيلها الدين والإنسانية، لأن التضحية إذا لم تكن للدين ولم تكن للإنسانية، فتلك التضحية هي نوع من الخبال.

المؤمن يعيش نشوة المنافسة والمفاضلة مع الآخرين في هذه المجالات الأربعة: العبادة، لأن المؤمن إذا وقف يتعبد ويتحنف لله عز وجل، فإنه يعرف بأنه ليس الوحيد في ذلك المجال، ويعرف أن العبادة سوف توفر له منزلة، وأن منزلته إذا كانت في المراتب المتأخرة، فإن ذلك سوف يجرحه ويحرجه يوم القيامة، وأن ذلك سوف يجعله يعيش الحسرة بقدر تقهقره وبقدر الرتب التي فاتته وأفلتت من يده. صاحب السهم يعيش الحسرة المستبدة إذا رأى صاحب السهمين، وصاحب السهمين أيضًا لا يبارحه الألم إذا رأى نصيب صاحب الأسهم الثلاثة، وهكذا دواليك.

 

هكذا هي العبادة. لذلك الإنسان المؤمن المخلص صاحب العمل المخلص كما وصفت الآية المباركة يعيش التنافس، أن يحرص على أن يكون المثال الذي تشهد له الملائكة في عبادته، على أن يكون الإنسان الذي حقق العبادة المطلوبة نوعًا وكمًّا وكيفًا وعددًا. لماذا؟ لأن العبادة بالنسبة له تعني اقتحام عالم، والاتصال بعالم خارج هذا العالم الذي نعيشه. سل العابدين المخلصين الذين يدهشونك دائمًا بأن قلبهم لا يعرف اليأس، ولا يعرف البؤس، ولا يعرف القلق، ولا يعرف الاكتئاب، ولا يعرف المحنة، ولا يعرف الشكوى. لماذا؟ وهم أشد الناس بلاءً عادة. لماذا وكيف توفرت كل هذه الطمأنينة؟ إن هذه الطمأنينة تقول: "إننا وضعنا في صدورنا قلبًا من عبادة". وإذا كان في صدرك قلب من عبادة، فأنت لا تشعر بالصدمات أيًّا كانت وكيفما كانت، بل كل تلك الصدمات بالنسبة ل،ك ستكون مجرد أرقام وهمية لا حقيقة لها. بل يفاجئك شيء من حقيقة أولئك العبّاد، أنهم ربما عاشوا السعادة مع الصدمات والبلاي،ا أكثر مما عاشوها مع العافية. إلى هنا يتوقف الكلام لأنني لست منهم، ولا أستطيع أن أتحدث عن حقيقتهم، لكن هذه حقيقة، حقيقة جامدة، حقيقة راسخة، حقيقة مثيرة، يكفي أن يؤمن بها الإنسان لتتحرك فيه نفس المنافسة والمفاضلة على هذا الخط.

الآخر هو الأخلاق، فالأخلاق مجال من مجالات التفاضل في الله عز وجل، والتنافس مع الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأن الإنسان الذي يجمع عناصر الأخلاق كلها، أو جلها، يبدأ يشعر بأنه لا يعيش في الحياة عيشة المملوك، بل إنه يعيش عيشة الملك. الملوك الحقيقيين، الملوك الذين لا تستوعبهم قواميس اللغة هم ملوك الأخلاق. لماذا؟ لأن هؤلاء لا يملكون رقاب الناس، ولكنهم يملكون قلوب الناس. لذلك حينما يسأل المأمون أباه هارون: لم كل هذا الوجد على كاظم آل محمد صلى الله عليه وآله؟ لم كل هذا الوجد؟ لم كل هذا السخط وأنت ملك ملكت الشرق والغرب من الأرض؟ قال: "بني، أنا ملكت أبدان الناس، ولكن هذا ملك قلوب الناس". هؤلاء هم الملوك الحقيقيون. لذا فالمؤمنون يخلصون، يتنافسون على هذا الخط ويتفاضلون على هذا. أي يؤمنون بأن التفاضل الذي يشبع غريزة التفاضل والتنافس هو خط الأخلاق.

 

كخط بديل من أربعة خطوط نضيف إليه خط العلم والتعلم. فهذا أيضًا ميدان تنافس، أن يتنافس الشباب وتتنافس الشابات على العلم والتعلم. لماذا؟ لأننا إذا كنا نعرف أن العبادة هي نور القلب، وأن الأخلاق نور العقل والروح، فإن العلم والتعلم هو ماذا؟ هو نور التفكر والتفكير ونفصل بين العقل والفكر، هو نور الفكر. لأن العقل يفكر لكن لا يعصم نفسه عن الخطأ، لكن بالعلم يعصم الإنسان فكره عن الخطأ. ولذلك فالعلم هو نور التفكر.

والتضحية في سبيلها، أي في سبيل دين الله عز وجل أو في سبيل الإنسانية، هذه التضحية أيضًا هي نور الحياة. لأن المضحين الأبطال هم نور بالنسبة إلى غيرهم، تاريخهم نور، وسيرتهم نور بالنسبة لمن يأتي بعدهم. كيف كانت تضحية الحسين عليه السلام؟ الحسين صلوات الله وسلامه عليه، كتب بالبند العريض درس التضحية. التضحية في دين الله. الحسين لم يُبق لأحد من المتفاضلين في العبادة، ولم يبق لأحد من المتفاضلين في الأخلاق، ولم يبق لأحد من المتفاضلين في العلم والتعلم، ولم يبق لأحد من المتفاضلين في التضحية في سبيلها، أي سبيل الدين وسبيل الإنسانية. هذه حقيقة التفاضل.

لكن هناك أوهام تمتزج بالحقيقة، لذلك هناك من يتفاضل على الدنيا، والتفاضل الدنيوي له مجالاته أيضًا وله خطوطه. من خطوطه المال، أن يتفاضل الإنسان على المال. يتفاضل الإنسان على النسل والعشيرة. "ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون" تعقيبها بالعلم، أي أنكم عشتم الوهم بكل جدية، ولكن جدكم قد أخطأ، والحقيقة هي أنكم ستصدمون بالعلم، وسترون أنكم كنتم في لبس وكنتم في وهم. التفاضل على المقامات والمناصب والعناوين: "أنا ذو شهادة، أنا موهوب، صاحب موهبة" وغير ذلك.

 

شتان ما بين المجالين من مجالات التفاضل: التفاضل في الخط الإلهي، وعلى الخط الإلهي ذاك تفاضل يورث حسن الظن. فالعابد الصادق تحسن الناس الظن به وتحترمه وتخلد ذكره، كما تحسن الظن وتحترم وتخلد ذكر صاحب الخلق الرفيع، ومَن قطع شوطًا في العلم والتعلم، ومَن سجل أروع الملاحم في التضحية. بينما ما هو احترام الناس لذي المال؟ احترامهم له حقيقته الغش، يحترمه من يريد أن يغشه في ماله. ما هي حقيقة احترام الناس لذي العشيرة والأولاد؟ احترام المجاملة. ما هي حقيقة احترام الناس لذي المناصب والمقامات؟ هي النفاق. فلم يجن المتفاضل على الدنيا شيئًا، ولكن كل العطاء مع من قال: "قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون". والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد