قصبات

الشّيخ حسن التّاروتي في كربلاء: اللّراعبيّة بالأجرع

الشّيخ حسن بن محمد بن مرهون التّاروتيّ، شاعر مفلق شهير طائر الصّيت، كان - بحسب ترجمة الشّيخ عليّ المرهون له - من الشّعراء الأفذاذ، ممّن ذاع صيته واشتهر واستغنى عن التّعريف والبيان.

 

اشتهر بجودة شعره، فكان شعره جزل اللّفظ جيّد السّبك، توفّي في أواسط القرن الثّالث عشر الهجري، مخلّفًا وراءه مجموعة من المراثي الخالدة في أهل البيت عليهم السّلام، ما أوجب له - بحسب المرهون - أن يعيش في عمره الثّاني المؤبّد. وجاء في أنوار البدرين، أنّه كان شاعرًا ماهرًا بليغًا مصقعًا، له شعر بليغ جيّد، ومراث قلّما يوجد مثلها في المراثي.

 

كان جميل الوجه حسن الصّورة، مضيافًا سخيّ النّفس، يحمل فضيلة مشفوعة بتقى وصلاح، ويمتهن صيد السّمك وسقاية الزّرع ترفّعًا واستغناءً عمّا في أيدي النّاس.

 

 

حكي أنّه سافر إلى العراق، فلمّا وصل إلى النّجف الأشرف رأى ذات ليلة في المنام أمير المؤمنين عليه السّلام، فقال له اقرأ عليّ قصيدتك العينيّة – وهي قصيدة بديعة خالدة – فقرأ حتّى وصل إلى قوله:

 

إذا قعد الشّمر في صدره

فما لقعودك من موضع

 

فبكى أمير المؤمنين عليه السّلام وقال: يعزّ علي، ماذا أصنع وقد شاء اللّه ذلك؟

 

وفي قصيدته الخالدة تلك، الّتي مطلعها: (اللّرّاعبيّة بالأجرع.. صبابة وجد فلم تهجع).. يوجّه الشّيخ التّاروتيّ خطاب أساه فيها إلى حمامة الدّوح والنّوح، قبل أن يصل بالخطاب إلى كلّ قاصد لأرض الغري، أرض أمير المؤمنين عليه السّلام، كي يستنهضه بما فيه من حميّة وشجاعة وإقدام، خلّدها سيفه وصمصامه:

 

فيا راكبًا ظهر مجدولة

شأت أربع الرّيح في أربع

تجافي الأباطح عزم الحروم

وجرّعها حزم الأجرع

إذا لمعت نار طور الغري

فأنت بوادي طوى فاخلع

وصلّ وسلّم وصل واستلم

لقدس أبي الحسن الأنزع

وناد وقل يا زعيم الصّفوف

ويا قطب دائرة الأجمع

وأقوى ذراعًا بصمصامة

على هامة البطل الأنزع

 

 

وبعد المناشدة والاستنهاض، يوجّه التّاروتيّ دعوة إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، كي يثير غبار أرض الطّفوف، خوضًا في لججها، فالحسين عليه السّلام قضى فيها عطشانًا، ولمّا تبلّ أحشاؤه، وقد نالت منه الأعادي ثأرًا وذحولًا، ممطرة إيّاه بسهام بعيدة المرمى، فأين عليّ عليه السّلام من قعود الشّمر على صدر الحسين عليه السّلام، وأينه من بناته وقد نزعت براقعهن.

 

أثر نقعها فحسين قضى

وغلّة أحشاه لم تنقع

وقد وترته أكفّ التّرات

فأغرقت الرّمي بالمنزع

إذا قعد الشّمر في صدره

فما لقعودك من موضع

إلام وأهلك في مهلك

وشمل بناتك لم يجمع

أقام القطيع على رأسها

مقام الملاءة والملفع

وأقمار أوجههنّ الذّراع

منازلها عوض البرقع

 

 

وفي ختام قصيدته، يؤكّد الشّيخ حسن التّاروتيّ تمسّكه واعتصامه بآل البيت عليهم السّلام، فهم ملجؤه ومنجاه من كلّ خطب ونائبة، محسنًا للظّنّ في صنائع فضلهم الواسعة أبدًا:

 

فيا صفوة اللّه آل الرّسول

وأسبابه اللّائي لم تقطع

جعلتكم سادتي وجهتي

إذا قلت يا خير مولى دعي

فعبدكم حسن الظّنّ في

صنائع فضلكم الأوسع

رضاكم أماني وإن أصبحت

ذنوبي كرضوى فلم أجزع

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد