مقالات

مقام الرضا الأعظم

الخواجة نصير الدين الطوسي

 

قال الله تعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ} (الحديد: 23).

 

الرضا هو ثمرة المحبّة، ومقتضى عدم الإنكار، سواءً في الظاهر أم الباطن أم القلب، وسواء في القول أم العمل.

 

ومطلوبُ أهلِ الظاهر هو أن يرضى الله تعالى عنهم، ليأمنوا من سخطه وعقابه.

 

ومطلوب أهل الحقيقة هو أن يرضوا عن الله تعالى (إشارة لقوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ})، وإنّما يحصل لهم ذلك إذا لم يختلف عندهم شيءٌ من الأحوال المتقابلة كالموت والحياة والبقاء والفناء والصحّة والمرض والسعادة والشقاوة والغنى والفقر..

 

ولا يُخالف شيءٌ من ذلك طباعهم، ولا يترجّح شيءٌ منها على الآخر عندهم؛ لأنهم عرفوا أن صدور الجميع عن الباري تعالى، وترسّخت محبّته في طباعهم، فلا يطلبون على إرادته تعالى مزيداً البتّة فيرضون بالحاضر كيف كان.

 

وبعض المشايخ الكبار في هذه المرتبة عاش سبعين سنةً "ولم يقلْ لشيءٍ كان ليته لم يكن، ولا لشيءٍ لم يكن ليته كان".

 

وسُئل بعض المشايخ: ما وجدتَ من أثر الرضا؟ قال: "ما وصلني من الرضا إلا رائحته، ومع ذلك لو جُعِلْتُ صراطاً على جهنم، والخلائق من الأوّلين والآخرين يجوزون عليه ويدخلون الجنّة، وأُدخَل أنا النار، لم يخطر ببالي لم صار حظّي من دون الخلائق ذلك"...

 

وإذا تحقق رضا الله سبحانه وتعالى عن العبد فإنّ رضا العبد عن الله يكون حاصلاً أيضاً، قال تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} (المائدة: 119) ...

 

وصاحب مرتبة الرضا لم يزل مستريحاً، لأنّه لم يوجد منه أريدُ ولا أريد، لأنّ كليهما عنده واحدٌ... وقيل: "الرضا بالقضاء باب الله الأعظم" إذ كلّ من وصل إلى الرضا وصل إلى الجنّة..

 

وفي كلّ ما ينظر ينظر بنور الرحمة الإلهية و"اَلْمُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اَللَّهِ تَعَالَى" فإنَّ الباري تعالى هو موجدُ جميع الموجودات، لو كان له (تعالى) إنكارٌ على بعضها، لاستحال وجود ذلك الشيء، ولأنه لم ينكر أيّ أمر فهو راضٍ عن كل شيءٍ..

 

فلا يتأسف (العبد) على أمرٍ فائت، ولا يفرح بأمرٍ حادثٍ، {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد