
الحاصل أنّ شيئاً جوهرياً في مقاصد العقلانيّة لم يحدث لأجل التمييز بين موقف الحداثة وما بعدها، تجاه الأمر الديني. لقد ورثت ما بعد الحداثة عن الحداثة عقلانيّتها لتكون إحدى أهمّ مرتكزاتها الأيديولوجيّة. استظلّت بها لتمضي بعيداً في تقديس العلم، ثم لتحوّل العالم النيو-ليبرالي المعاصر إلى كينونةٍ تقنيّةٍ خرساء تدير ذاتها بذاتها. لقد أعلنت جهاراً أنّ الكون يعمل على نحو ما يعمل العقل حين يفكّر بصورةٍ منطقيّةٍ وموضوعيّةٍ؛ في حين أنّ الإنسان يمكنه في نهاية الأمر أن يفهم كلّ ما يدخل خبرته، تماماً كما يفهم مشكلةً رياضيّةً أو ميكانيكيّةً بسيطة. وبالتالي فإنّ القدرات العقليّة التي كشفت للإنسان سبيل صنع واستخدام وتشغيل وإصلاح أيّ آلةٍ منزليّة، سوف تكشف له في نهاية المطاف، السبيل إلى فهم كلّ شيء عن الموجودات الأخرى. لهذا يميل المفكر العقلاني إلى الموقف القائل بأنّ المعقول هو الطبيعي، ولا وجود لشيءٍ خارقٍ للطبيعة، وأقصى ما يُعرف به هو المجهول الذي قد يصبح يوماً ما معلوماً، ولا مكان في مخططه الفكري لقوى خارقة. وتبعاً لهذه السمات تنزع العقلانيّة إلى عدم الإقرار بكلّ ما هو غيبي، حيث تكتفي بالطبيعي، الذي يؤمن المفكر العقلاني أنّه قابلٌ للفهم، وأن السبيل إلى فهمه في الغالب الأعم يتم عبر ما سمي بـ "مناهج ووسائل البحث العلمي"...
دأبت العقلانيّة الجائرة على الاكتفاء بخطابها الأحادي، وأعرضت في الغالب الأعم عن الإصغاء لما يغاير "هندستها الايديولوجية". حتى متاخمتها للعلم لم تكن إلا على سبيل الاستعمال الوظائفي. الأمر الذي زاد من مساحة الضلال المعرفي لجهة الغفلة عن التمييز المنهجي بين منطق عمل العلم ومنطق عمل العقلانيّة. كان للنظَّار في هذا المضمار حجّةٌ منطقيّةٌ أوردوها على النحو التالي: بينما تدخل أسئلة الوجود الكبرى في اهتمامات العقلاني، تتوارى هذه الأسئلة أو قد تصل حدّ التبدّد لدى علماء الرياضيات وفيزياء الطبيعة. ربما هذا هو الفارق الجوهري بين المشتغلين في كلّ من هذين الحقلين.
ولو أخذنا العلم بمعنى نسق المعارف العلميّة المتراكمة (أي المنهج العلمي) فإنّنا لن نجد له رابطة اعتناء بالميتافيزيقا أو بـ "ما بعد الطبيعة". وما ذلك إلا لأنّ العلم من حيث هو علم، لا يقدّم لنا مذهباً في الكونيات (كوزمولوجيا) أو في الوجود في ذاته (الأنطولوجيا) فضلاً عن الغاية من وجود الموجودات. العلم بما هو علم لا يسعى إلى الإجابة، ولا حتى التساؤل، عن القضايا الكبرى المتعلّقة بمصير الإنسان في الحياة والموت أو الخير والشر.
بعض العلماء لا تجد عندهم أي فضولٍ ميتافيزيقي. وشأنهم في هذا شأن كثير من البشر، ولكن ما أن يسأل أحدٌ منهم أياً من الأسئلة الكبرى ويحاول الإجابة عنها، فإنّه يكفُّ بهذا السلوك عن أن يكون عالماً، بل إنّه يفعل شيئاً آخر مغايراً لطبيعة عمله كعالِم. أمّا المفكر العقلاني فإنّ لديه مجموعةً كاملةً من الإجابات عن القضايا الكبرى، زاعماً أنّ الزمن والدأب كفيلان، إذا ما لازم الإنسان صواب التفكير، بتقديم الإجابات الصحيحة. وعليه عُدَّت النزعة العقلانيّة بالصورة التي ظهرت فيها خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر في الغرب نسقاً ميتافيزيقياً كاملاً. بل وأكثر من هذا، عوملت في كثير من الأحيان كبديل من الدين.
من مفارقات العقلانيّة أنّها ـ على رغم تمايزها عن العلم في الماهيّة والوظيفة ـ تعاطت مع الأخير كموضوعٍ من مواضيع نشاطها الفكري. وضمن هذا المنحى جرى ضربٌ من التكييف "العقلانوي" للثورة العلميّة. إلى حدٍّ أمست فيه العقلانيّة بنسختها الليبراليّة الانتفاعيّة مذهباً مناوئاً للإيمان الديني، وذريعةً أيديولوجيّةً لترسيخ العلمنة الشاملة.
ما مرَّ يدل على نحوٍ بيِّنٍ كيف استولت الحركة العقلانيّة على حضارة الغرب الحديث، ووضعت كلّ منجزاته في الفلسفة والفكر والتقانة تحت سطوة أجهزتها الأيديولوجيّة. ولقد كان من الطبيعي أن تسفر هذه الديناميّة الاستيلائيّة عن فرضيّتين أطلقهما التقدّم الاستثنائي للعلوم، ثم لتشكِّلا معاً أساساً لـ "نظريّة معرفة" للحداثة الغربية المعاصرة:
الفرضيّة الأولى: مبنيّة على الاعتقاد بأنّ العلم والتفكير العلمي قادران لوحدهما أن يحدِّدا ما علينا أن نتقبله على أنّه حقيقيٌّ، وأنّ كلّ شيءٍ يجب أن يخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا أو أيّ فرعٍ آخر من فروع العلم، أمّا أمور مثل النزعة الروحيّة بل وحتى الشعور بالجمال والحدس والعاطفة والأخلاقيّات فقد اختزلتها النظرة العقلانيّة إلى مجرّد متغيراتٍ في كيمياء الدماغ الذي يتفاعل مع مجموعةٍ من القوانين الميكرو ـ بيولوجيّة المرتبطة بتطوّر الإنسان.
أما الفرضيّة الثانية: فترى أنّ الهدف من تحصيل المعارف هو التحكُّم بالعالم الخارجي، أو الهيمنة على الطبيعة. وبذلك يصبح مركز اهتمام الغرب مركوزاً في العثور على الطريق الأمثل للوصول إلى هذه الهيمنة، ولو جاءت عواقبها تدميراً للبيئة، وعَبَثَاً ببديهيات النظام الطبيعي.
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
أسباب الحبّ
حبيب المعاتيق
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
حسين حسن آل جامع
حين ينبض القلب مسكا
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
وجهة
ناجي حرابة
الميتافيزيقا المثلومة
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
مقام الرضا الأعظم
معنى (لفت) في القرآن الكريم
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
أسباب الحبّ
آل ربح والسّيهاتي يوقّعان في القطيف إصدارَيهما الجديدين
اختتام النسخة الحادية عشرة من حملة التّبرّع بالدّم (عطاؤك حياة)
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
قراءة في كتاب: (نداء على حافة الأبدية) للشاعر هادي رسول