
بحلول القرن السابع عشر سيظهر لنا كيف ستبدأ رحلة معرفيّة جديدة في أوروبا قوامها هيمنة العلم وكشوفات العقل. سيظهر ذلك بقوّةٍ مع كتاب "تقدّم التعلم" (1605) لفرانسيس بيكون (1561 – 1626) الذي سيؤكد أنّ كلّ حقيقةٍ يجب إخضاعها للنّقد الصارم عبر العلم التجريبي حتى تلك المتعلّقة بأكثر الاعتقادات الدينيّة قداسة. وتلك كانت لحظة مفصليّة في التنظير الغربي للعِلمويّة سوف تؤسس لما يمكن اعتباره فصلاً وظيفياً بين الله والعالم. وكان ذلك في الحقيقة ضرباً من علمنةٍ تعترف بالخالق وتعطل في الوقت نفسه تأثير هذا الاعتراف على الاجتماع البشري.
مثل هذه الطريقة نجدها في فلسفة ديكارت الذي كان قادراً على التكّلم بلغةٍ عقلانيّة. لكنّه وهو الكاثوليكي الورع، أراد أن يقنع نفسه بوجود خالق للكون مع رفضه العودة إلى معتقدات الكنيسة. ورأى أنّ الشيء الوحيد الذي يمكننا التأكّد منه هو تجربة الشك العقلي في إطار بديهيّته المعروفة "أنا أفكر إذاً أنا موجود".
بالتزامن مع ديكارت اعتقد الفيلسوف البريطاني توماس هوبس -وربما لتأثره بمنبته التوراتي- أنّ العالم المادي خالٍ من الإلهي، وأنّ الله قد كشف ذاته في فجر التاريخ البشري وسوف يكشف نفسه في نهايته. وحتى ذلك الوقت ـ يقول هوبس ـ علينا الاستمرار في العيش من دونه، وكأنّنا ننتظر في الظلام.
أما جون لوك (1632 – 1704) الذي كان أول الفلاسفة من الذين أدخلوا التنوير الفلسفي في القرن الثامن عشر، فلسوف يُدخل العلمنة إلى الحيّز السياسي الاجتماعي. فكان عليه أن يسيِّلها كفلسفةٍ وعقيدةٍ في حركة الواقع، فمن أجل الوصول إلى دين صحيح- حسب لوك- ينبغي على الدولة أن تتسامح تجاه جميع أشكال الاعتقاد، ويجب أن تنشغل بالإدارة العلميّة وحكم المجتمع فقط. وينبغي أن تكون الدولة منفصلةً عن الكنيسة وألا يتدخل أيٌّ منهما في شؤون الآخر، بذلك سيكون الناس لأول مرةٍ في التاريخ البشري أحراراً، بالتالي قادرين على إدراك الحقيقة.
مع وفود العلم الحديث، فرضت الرياضيات ـ وليس الميتافيزيقيا ـ نفسها باعتبارها الأسلوب المناسب لتشكيل فهمٍ علميٍّ وتجريبيٍّ للعالم. لم يستمدّ العلم الجديد في تطوّره الناضج قوانينه من اعتباراتٍ ميتافيزيقيّةٍ ولم يُقدّم نفسه كتابعٍ جوهري أو كطالبٍ للاندماج والاكتمال ضمن منظومة الميتافيزيقيا واللاهوت الطبيعي. ولقد مضى بعض الوقت قبل ظهور الطابع الإلحادي للمفهوم الجديد للعالم والمنهج العلمي الذي يُسنده.
بالتدريج، أصبحت أيُّ إشارةٍ إلى الله في التفسير العلمي للعالم بعيدةً وعرضيّةً بشكلٍ متزايد. ومع الوقت، أصبح الله خارجاً عن الموضوع حتى حين يجري الحديث عن مصدر النظام الشمسي وصيانته، وأصبح ضائعاً في تخمينات نظريّةٍ مبهمةٍ حول أصل السديم السابق للوجود الشمسي. كما أضحى التفسير الطبيعي الحصري لكلّ الظواهر الماديّة هو محور الاهتمام المسيطر. في الأحقاب المتأخّرة للحداثة (القرنان التاسع عشر والعشرين) سيأخذ الانفصال القطعي بين العلم والدين مداه الفعلي. ومع هذا الانفصال توسّعت البيئات المتأثّرة بالنظرة الكونيّة العلميّة الجديدة على نحوٍ لم تعد تقبل فيه الإيمان الديني. ذلك بأنّ المنهجيّة الإلحاديّة للنظرة العلميّة المعاصرة قامت ببساطةٍ على إقصاء السؤال عن وجود الله. تلقاء ذلك، ولَّدت إطاراً ذهنياً يميل نحو تعميم لامبالاتها المنهجيّة تجاه ما هو إلهيّ وتحويله إلى نزعةٍ إنسانيةٍ علميّةٍ مُطلقة.
لم تستمد "العِلمويّة" شرعيّتها فقط من العقلانيّة التي أخرجها عصر التنوير العلماني، بل هي وجدت الحاضنة الدينيّة لنموّها، حيث استغلَّت الندوب العميقة التي تركها الأثر العميق للحداثة على بنية الكنيسة. وتدلّ اختبارات الإصلاح البروتستانتي في القرن الخامس عشر على رسوخ قاعدةٍ لاهوتيّةٍ قوامها الجمع بين الإيمان بالله والإيمان بالعلم مع إسقاط العصمة عن سلطة الكنيسة. تبلورت هذه النظريّة مع مارتن لوثر (1483 – 1546) وجون كالفن (1509-1564) وهولدريش زفينغلي (1484 – 1531م) الذين عادوا إلى منابع التراث المسيحي لتدعيم محاجّاتهم اللاَّهوتيّة في وجه الكنيسة الكاثوليكيّة.
شدّد لوثر على أهميّة الإيمان، لكنّه رفض العقل بشدّةٍ لأنّه يؤدي إلى الإلحاد. حسب تأويليّته أنّ معرفة الله عن طريق التفكير في نظام الكون العجيب -كما فعل اللاهوتيون المدرسيون ـ لم يكن أمراً مسموحاً. في مؤلفات لوثر كان الإيمان بالله قد بدأ ينسحب من العالم المادي الذي لم يعد له أهميّة اطلاقاً. وهذا ما دفعه إلى علمنة السياسة. أمّا كالفن وزفينغلي فذهبا أبعد مما ذهب إليه "المعلم" في التأسيس اللاهوتي للدنيويّة العلميّة، حيث آمنا بضرورة الجمع بين وحيانيّة الكتاب المقدس وواقعيّة الحياة البشريّة.
لقد وجدا أنّ على المسيحيين أن يعبّروا عن إيمانهم بالمشاركة في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة بدلاً من الانسحاب إلى داخل الدير. وأنّ عليهم أن يقدّسوا العمل من خلال تعميد أخلاق رأس المال الصاعد. ذلك بأنّ العمل هو سعي مقدّس نحو الألوهة وليس عقاباً إلهيًّا على الخطيئة الآدميّة الأولى. لقد اعتقد كالفن أنّ رؤية الله في خلقه أمرٌ ممكن، فلم ير تعارضاً بين العلم والكتاب المقدس. فالإنجيل لم يقدّم معلومات حرفيّة حول الجغرافيا ونشأة الكون، بل إنّه عبّر عن حقيقةٍ عصِيّةٍ على الوصف من خلال كلمات ليس في وسع البشر المحدودين فهمها وإدراك أسرارها الخفيِّة.
تضيء لنا هذه المقدمات على حقيقة أنّ العلمنة ومعها النزعة العلميّة، كانت تنمو بقوّةٍ في أوروبا ولم يكن نموها خارج المسيحيّة. في مثل هذه الحال، بدت الصورة وكأنّ البروتستانتيّة المحتجّة لاهوتياً على إكراهات الكنيسة الكاثوليكيّة الرومانيّة، هي التي فتحت الباب العالي لنظريّة العلمنة ولثورتها العلميّة الشاملة فيما بعد. وسيأتي من روّاد حركة الحداثة -ممن تأثروا بالتأويل البروتستانتي- مَن يُضفي على هذه الصورة مشروعيّتها العلميّة:
عند مستهل الحداثة سيشارك العالم الفلكي الهولندي كوبرنيكوس (1473 – 1543م) كالفن رؤيته اللاهوتيّة المعلمنة، لمّا قال إنّ ما أنجزتُه حول مركزيّة الشمس، هو أكثر إلهيّةً مما هو بشري. أمّا غاليلي الذي اختبر فرضيّة كوبرنيكوس عملياً فقد كان مقتنعاً بأنّ ما أنجزه كان نعمةً إلهيّة. كذلك سيحذو إسحاق نيوتن (1642 – 1727) حذو نظيريه حين تحدث عن فكرة الجاذبيّة كقوّةٍ كونيّةٍ تجعل الكون كلّه متماسكاً وتمنع الأجرام السماويّة من الاصطدام بعضها ببعض. فقد أعرب يومها عن اعتقاده بأنّ ما توصّل إليه يثبت وجود الله العظيم ميكانيكياً. على النحو إيّاه سنستمع إلى اينشتاين (1879-1955) وهو يعلن في خريف عمره أنّ الله لم يكن يمارس لعبة الحظ، وهو يهندس الكون الأعظم.
في أحقابٍ تاليةٍ سيشهد الجدل الفلسفي على مساءلاتٍ غير مسبوقةٍ طاولت الأسس الأنطولوجيّة والمعرفيّة التي قامت عليها ميتافيزيقا العقل المحض. من بين أبرز هذه المساءلات ولادة بيئةٍ فلسفيّةٍ لاهوتيّةٍ قصدت إثبات التكامل بين حقائق الإيمان والحقائق العلميّة. لعلّ من أظهر الفرضيّات المطروحة القول بعدم وجود صراعٍ بين الإيمان في طبيعته الحقيقيّة والعقل العملي في طبيعته الحقيقيّة.
نشير هنا إلى ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني لايبنتز في كتابه المعروف "مقالة في الميتافيزيقا" من أنّ تعريفه لله يختلف جوهريًّا عن تعريف الفلاسفة المحدثين أمثال ديكارت وسبينوزا. فقد صرَّح بأنه أبعد ما يكون عن رأي مَن يزعمون أنّه ليس ثمّة قواعد خير وكمال طبيعة الأشياء أو في أفكار الله عنها، وأنّ أعمال الله ليست خيّرة إلّا من جهة العلّة الصوريّة [المتمثّلة] في أنّ الله قد قام بها". فالله ـ كما يقول ـ كائنٌ ضروريٌّ، وملكة فهمه مصدر الجواهر وإرادته أصل الموجودات، وهو التناغم الأسمى وعلّة الأشياء القصوى"...
أعظم شهور الله وعيد أحبابه (2)
الشيخ محمد مصباح يزدي
العلم العائد الى وحيه (3)
محمود حيدر
معنى قوله تعالى: {طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ}
الشيخ محمد صنقور
غرف من فوقها غرف
الشيخ مرتضى الباشا
أساليب للوالدين لمساعدة أطفالهم على السيطرة على انفعالاتهم وتنظيمها
عدنان الحاجي
ما الفرق بين الرحمانية والرحيمية؟
السيد عادل العلوي
في معنى مرض القلب وسلامته وتفاقمه وعلاجه
السيد محمد حسين الطبطبائي
القوّة الحقيقيّة للإيمان
السيد عباس نور الدين
معنى سلام ليلة القدر
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (نكل) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
أعظم شهور الله وعيد أحبابه (2)
العلم العائد الى وحيه (3)
(الكوثر وما يسطرون) كتّاب نقديّ حول تجارب عدد من شعراء منتدى الكوثر الأدبيّ في القطيف
ينبوع الوحدة
معنى قوله تعالى: {طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ}
غرف من فوقها غرف
شرح دعاء اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان
أساليب للوالدين لمساعدة أطفالهم على السيطرة على انفعالاتهم وتنظيمها
العلم العائد الى وحيه (2)
أعظم شهور الله وعيد أحبابه (1)