علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

وصف الله بالحكيم ليس متوقفاً على نفي العبث

الحكيم هو مَن يضع الشيء في موضعه، فحين يقال إنَّ الله تعالى حكيم وإنَّ حكمته مطلقة، فمعناه أنَّه تعالى يضعُ الأشياءَ في مواضعها فليس من فعل يفعله الله تعالى إلا وهو المناسبُ لموضعِه.

 

ووضعُ الشيءٍ في موضعه يتوقَّف أولاً على العلم بالشيء والعلم بموضعِه المناسبِ له، وحيثُ ثبت أنَّ علمَ الله تعالى مطلق، وأنَّه عالمٌ بكلِّ شيء فهو إذن يعلمُ بالأشياء وبمواضعِها.

 

ووضع الشيء في موضعه يتوقَّف ثانياً على أنَّه لا يذهل ولا يغفل ولا ينسى، لأنَّه قد يعلم أحدُنا بالشيء وبموضعِه المناسب له ولكنَّه يذهل أو ينسى أو يغفل فيضعُه في غير موضعه، وحيث ثبت أنَّ الله تعالى حفيظٌ لذلك فهو لا ينسى ولا يذهل عن وضع الشيء في موضعه.

 

ووضع الشيء في موضعه يتوقَّف ثالثاً على القدرة، فالعلم وحده غير كافٍ لوضع الشيء في موضعه، فقد يعلم أحدُنا بالشيء وبموضعه المناسب له ولكنَّه عاجزٌ عن أن يضعه في موضعه، وحيث ثبت أنَّ الله قادرٌ على كلِّ شيء فهو قادرٌ على أنْ يضع كلَّ شيءٍ في موضعه.

 

وهكذا هو لو كان عالماً وقادراً ولكنَّه ينسى أو يذهل فإنَّه قد يضع الشيء في غير موضعه نسياناً أو ذهولاً وحيث ثبت أنَّه حفيظ لذلك فإنَّه لن يذهل عن أن يضع الشيء في موضعه.

 

ووضعُ الشيءِ في موضعه يتوقَّف رابعاً على استغناء الفاعل عن أنْ يضع الشيء في غير موضعه، فقد يعلم أحدُنا بالشيء وموضعه المناسب له وهو في ذات الوقت حفيظ، ويقدرُ على ذلك ولكنَّ مصلحته وحاجته تقتضي أنْ لا يضعه في موضعه لذلك يتوقَّف وضع الشيء في موضعه على استغناء الفاعل عن وضع الشيءِ في غير موضعه، وقد ثبت أنَّ الله تعالى مستغنٍ عن كلِّ شيء فهو غير محتاج لشيءٍ وليست له مصلحة في شيءٍ دون شيء.

 

فوصفُ الله تعالى بالحكيم وأنَّه يضع الأشياء في مواضعها يتوقَّف على علمه المطلق، وحفظه المطلق، وقدرته المطلقة، واستغنائه المطلق، وقد ثبت أنَّه واجد جلَّ وعلا لكلِّ ذلك، ولهذا فهو تعالى حكيم، فكونه حكيماً لا يتوقَّف على كونه غير عابث حتى يقال بلزوم الدور بل يتوقَّف على العلم والحفظ والقدرة والغنى، فلأنه عالمٌ حفيظٌ قادرٌ غنيٌّ لذلك فهو حكيم، فلو وضع شيئاً في غير موضعه فذلك إمَّا لأنَّه جاهلٌ وهو ليس كذلك بل هو عالم، وإمَّا أنَّه ينسى ويغفل وهو ليس كذلك لأنَّه حفيظ، وإما أن يكون ذلك ناشئاً عن عجزه وضعفه وهو ليس كذلك، فهو قادر على كلِّ شيء، وقد يكون وضعه للشيء في غير موضعه ناشئاً عن حاجته، وهو ليس كذلك لاستغنائه عن الحاجة فهو غنيٌ مطلق.

 

فإثبات كون الله تعالى حكيماً يتوقَّف على إثبات أنَّه تعالى عالمٌ حفيظٌ قادرٌ غنيٌّ وهو جلَّ وعلا كذلك، فإذا ثبت أنَّه حكيم ثبت أنَّه لا يعبث، وبتعبيرٍ أدق إنَّ إثبات كونه حكيماً مساوقٌ لإثبات أنَّه تعالى لا يعبث لأنَّ العبث معناه وضع الشيء في غير موضعه وذلك لا يصدر من الحكيم.

 

وعليه فيقال إنَّ واحداً من مناشئ صدور القبيح من الفاعل هو العبث والله تعالى منزَّه عن العبث لأنَّه حكيم وقد ثبت أنَّه حكيم لأنَّه عليمٌ وحفيظٌ وقادرٌ ومستغنٍ عن كلِّ شيء.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد