علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
عدنان الحاجي
عن الكاتب :
من المترجمين المتمرسين بالأحساء بدأ الترجمة عام ٢٠١١، مطّلعٌ على ما ينشر بشكل يومي في الدوريات العلمية ومحاضر المؤتمرات العلمية التي تعقد دوريًّا في غير مكان، وهو يعمل دائمًا على ترجمة المفيد منها.

الدماغ البشري فريد من نوعه

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

 

لقد حاول الباحثون منذ فترة طويلة فهم الدماغ البشري من خلال مقارنته بأدمغة الرئيسيات الأخرى (1). وما زالوا يحاولون فهم سبب ما يجعل دماغنا مختلفًا عن أقرب أقاربنا من هذه الرئيسيات. ربما تكون دراستنا الأخيرة (2) قد قرّبتنا خطوة أكثر إلى هذا الفهم وذلك من خلال مقاربة جديدة وذلك بمقارنة طريقة اتصال مناطق الدماغ بعضها ببعض.

 

باحث علم الأحافير ريتشارد أوين غالط (3) قال بأن الدماغ البشري كان الدماغ الوحيد الذي يحتوي على منطقة صغيرة يطلق عليها الحصين الصغير (أو قرين آمون). وادعى أن هذا ما جعل الإنسان فريدًا من نوعه بين مملكة الحيوانات الأخرى، وادّعى أن الدماغ البشري ليس له علاقة بأدمغة الأنواع الحيّة الأخرى (4). لقد تعلمنا الكثير منذ ذلك الحين عن تنظيم ووظيفة الدماغ البشري [التنظيم الهيكلي والوظيفي للدماغ]، ولكن ما زلنا نجهل الكثير عنه ونحتاج إلى تعلمه.

 

معظم الدراسات (5) التي تقارن الدماغ البشري بأدمغة الأنواع الحيّة الأخرى تركز على حجم الدماغ (6). يمكن أن يكون هذا هو حجم الدماغ، أو حجم الدماغ بالنسبة لحجم الجسم (البدن)، أو حجم أجزاء (مناطق) الدماغ نسبةً إلى بقية مناطقه. ولكن لا تخبرنا مقاييس الحجم أي شيء عن التنظيم الداخلي للدماغ. على سبيل المثال، بالرغم من أن دماغ الفيل هائل الحجم يحتوي على ثلاثة أضعاف عدد الخلايا العصبية الموجودة في الدماغ البشري (7)، ألّا أنها تتركز في الغالب في منطقة المخيخ (8)، وليس في القشرة المخيّة الحديثة (أو الجديدة) (9) التي ترتبط عادة بالقدرات الإدراكية (10) البشرية.

 

حتى فترة قريبة، كانت دراسة التنظيم الداخلي [الهيكلي والوظيفي (11)] للدماغ عملًا مضنيًا. إلّا أن تقدم تقنيّات التصوير الطبي (12) قد فتح إمكانيات جديدة لدراسة أدمغة الحيوانات من الداخل بسرعة، وبتفصيل كبير، بدون إيذاء الحيوان.

 

استخدمنا بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي للمادة البيضاء، والأنسجة التي تربط أجزاء من قشرة الدماغ. التواصل بين خلايا الدماغ يمتد على طول هذه الأنسجة. وهذا من شأنه أن يستهلك طاقة، لذا فإن التواصل بين مناطق دماغ الثدييات خفيف، ما يحصر التواصل فقط في بعض المسارات العصبية (13) المركزية.

 

الروابط العصبية لكل منطقة دماغية بالأخرى تخبرنا الكثير عن وظائفها. مجموعة الروابط العصبية لأي منطقة دماغيّة هي روابط محددة إلى درجة أن مناطق الدماغ لديها بصمة اتصالية فريدة من نوعها [البصمة هي العلاقة بين النشاط العصبي لكل منطقة وبين النشاط العصبي التكاملي بين مناطق الدماغ للقيام بوظيفة أو سلوك ما] (14، 15).

 

في دراستنا، قمنا بمقارنة البصمات التوصيلية هذه في جميع مناطق الدماغ البشري ومناطق دماغ قرد الشمبانزي وقرد المكاك. قرد الشمبانزي وقرد البونوبو هنا أقرب الرئيسات الأخرى للبشر. قرد المكاك هو من الرئيسيات غير البشرية الأكثر شهرة في الأبحاث العلمية. مقارنة الدماغ البشري بدماغي كلا النوعين (المكاك والبونوبو) تعني أننا لا نستطيع فقط تقييم أي مناطق دماغنا تعتبر فريدة من نوعها بالنسبة لنا، ولكن أيضًا المناطق التي من المحتمل أن تكون لها اتصالية مماثلة في هذه الرئيسيات غير البشرية.

 

الكثير من الأبحاث السابقة على تفرد الدماغ البشري ركزت على قشرة الفص ما قبل الجبهي، وهي مجموعة من المناطق في مقدمة دماغنا لها علاقة بالتفكير المعقد واتخاذ القرارات. لقد وجدنا بالفعل أن جوانب من قشرة الفص ما قبل الجبهي لها بصمة اتصالية في الإنسان لم نتمكن من أن نجدها في الحيوانات الأخرى، خاصة عندما قارنا دماغ الإنسان بدماغ قرد المكاك.

 

لكن الاختلافات الرئيسة التي وجدناها لم تكن في قشرة الفص ما قبل الجبهي. بل في الفص الصدغي (16)، وهو جزء كبير من القشرة الدماغية يقع خلف الأذن تقريبًا. في دماغ الرئيسيات (17)، هذه المنطقة مخصصة لمعالجة المعلومات الداخلة من حاستينا الرئيسيتين: البصر والسمع معالجة عميقة. واحدة من أكثر النتائج دراماتيكية كانت في الجزء الأوسط من القشرة الصدغية.

 

الميزة التي وراء هذا الفرق المميز بين دماغي الإنسان والرئيسيات الأخرى تتمثل في الحزمة المقوسة (18)، وهي حزمة (سبيل) المادة البيضاء التي تربط القشرة الأمامية والصدغية وترتبط تقليديًّا بمعالجة اللغة عند البشر (19). معظم الرئيسيات، إن لم يكن كلها، فيها الحزمة المقوسة، ولكن هذه الحزمة هي أكبر بكثير في دماغ الإنسان مما هي في أدمغة الرئيسيات الأخرى.

 

ولكننا وجدنا أن التركيز فقط على اللّغة قد يكون تركيزًا محدودًا جدًّا. حيث إن مناطق الدماغ التي ترتبط فيما بينها بالحزمة المقوسة منخرطة أيضًا في وظائف إدراكية أخرى، مثل دمج المعلومات الحسية [الدمج أو التكامل الحسي، والمعروف أيضًا باسم المعالجة الحسية، وهي العملية التي يتعرف بها الدماغ على المعلومات الداخلة عبر الحواس ويستجيب لها (20)] ومعالجة السلوك الاجتماعي المعقد [دمج الاستجابات الغريزية والانعكاسية مع السلوك المكتسب داخل البيئة في اتخاذ القرارات والأفعال (21)]. كانت دراستنا أول دراسة وجدت أن الحزمة المقوسة منخرطة في هذه الوظائف. تؤكد هذه الفكرة على التعقيد الذي ينطوي عليه تطور الدماغ البشري، مما يوحي بأن قدراتنا الإدراكية المتقدمة لم تنشأ من تغيير واحد، كما اعتقد الباحثون، ولكن من خلال الكثير من التغييرات المتعلقة ببعضها في اتصالية مناطق الدماغ.

 

بالرغم من أن الحزمة المقوسة الصدغية المتوسطة هي لاعب رئيس في معالجة اللغة، فقد وجدنا أيضًا اختلافات بين الأنواع الحية في منطقة واقعة نحو الجزء الخلفي من القشرة الصدغية. تعد المنطقة الصدغية الجدارية هذه حاسمة في معالجة المعلومات المتعلقة بآخرين (22)، مثل فهم معتقدات أو قناعات الآخرين ومقاصدهم، وهو ما يعتبر حجر الزاوية في التفاعل الاجتماعي بين البشر.

 

في البشر ، تحتوي منطقة الدماغ هذه على روابط بمناطق أخرى كثيرة تقوم بمعالجة المعلومات المرئية (البصرية) المعقدة، مثل معالجة تعبيرات الوجه والأمارات السلوكية. هذا يشير إلى أن دماغنا مصمم للتعامل مع معالجة اجتماعية أكثر تعقيدًا من تلك المعالجة التي تقوم بها أدمغة الرئيسيات الأخرى القريبة منا من ناحية تعقيد أدمغتها. دماغنا مصمم ليكون دماغًا اجتماعيًّا.

 

هذه النتائج تطعن في فكرة وجود حدث تطوري واحد سبّب انبثاق الذكاء البشري. لكن، نتائج دراستنا توحي بأن تطور الدماغ حدث في خطوات.

 

كان ريتشارد أوين على حق في شيء واحد. أدمغتنا مختلفة عن أدمغة الأنواع الحية الأخرى - إلى حد ما.  لدينا دماغ كدماغ الرئيسيات الأخرى، لكنه مصمم ليجعلنا اجتماعيين أكثر من الرئيسيات الأخرى، مما يسمح لنا بالتواصل من خلال اللغة المنطوقة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- https://ar.wikipedia.org/wiki/رئيسيات

2- https://www.jneurosci.org/content/early/2025/02/23/JNEUROSCI.2017-24.2025

3- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/016622369390190W?via=ihub

4- https://ar.wikipedia.org/wiki/نوع_(تصنيف)

5- http://https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.1215723110

6- http://https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/25248097/

7- https://www.frontiersin.org/journals/neuroanatomy/articles/10.3389/fnana.2014.00046/full

8- https://ar.wikipedia.org/wiki/مخيخ

9- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/قشرة_جديدة

10- "المهارات الإدراكية cognitive skills، والتي تسمى أيضًا الوظائف الإدراكية cognitive functions أو القدرات الإدراكية cognetive capacity، هي مهارات دماغية وهي ضرورية لاكتساب المعرفة واستخدام المعلومات والتفكير.  ولها علاقة بآليات كيف يتعلم الناس ويتذكرون ويحلون مشكلاتهم وكيف يولون انتباههم، ولكن ليس لها علاقة بالمعرفة الفعلية. تشمل المهارات أو الوظائف المعرفية مجالات الإدراك الحسي والانتباه والذاكرة والتعلم واتخاذ القرار والقدرات اللغوية".  ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان:

https://en.wikipedia.org/wiki/Cognitive_skill

11- https://www.nature.com/articles/s41593-020-00726-z

12- https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1053811920311708?via=ihub

13- https://ar.wikipedia.org/wiki/مسار_عصبي

14-  "الاتصالية الوظيفية functional connectivity" هي مقياس لدرجة النشاط المتزامن بين مناطق الدماغ المختلفة". ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان:

http://https://www.spectrumnews.org/news/connectivity-theory-autism-explaine

15- http://https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1364661318302092

16- https://www.webteb.com/questions/اسباب-محتملة-لتغلظ-القشرة-قشرة-الدماغ_2524

17- https://link.springer.com/chapter/10.1007/978-4-431-56582-6_16

18- https://ar.wikipedia.org/wiki/الحزمة_المقوسة

19- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/معالجة_اللغة_في_الدماغ

20- https://www.healthline.com/health/autism/sensory-integration

21- https://study.com/academy/lesson/complex-behavior-definition-learning-quiz.html

22- http://https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0959438806000262?via=ihub

المصدر الرئيس

https://theconversation.com/what-makes-the-human-brain-unique-we-compared-it-with-monkeys-and-apes-to-find-out-252331

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد