علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

نقد هرمنيوطيقا العقل الأدنى (1)

لا شيء في عالم المفاهيم إلا وله حجَّةٌ وغاية. والذين يساجلون في تبرئةِ المفهوم من التحيُّز، ربما يغفلون، بدراية أو من دون دراية، عن النتائج المترتِّبة على آليات استخدامه. ففي حقل الاستخدام يَبينُ على نحو لا يقبل الرَّيْب، ما إذا كان هذا المفهوم أو ذاك محايداً، أو أنه مجرد ذريعة لإضفاء المشروعية على هوية المتحيِّز ونظامه القيمَي. حال الهرمنيوطيقا كطريقة للفهم لا ينأى من هذه الفَرَضية. فإنها كَسِواها من مفاهيمَ بَدَت حرةً في علياءِ تجرُّدها، إلاّ أنها لمّا دخلت مجال الاختبار تمَّ إخضاعها لمعايير المستخدم وتأويلاته.

 

في الحقل المعرفي الغربي، جرى التعاملُ مع الهرمنيوطيقا مجرى هذه الحكاية. فهي فضلاً عن أنها كمفهوم محلُ تأويل، فإنها لم تتحرَّر من سجايا العقل الذي أنتجها، وظلَّ حاكماً عليها منذ تأسيساته اليونانية الأولى حتىى أزمنة الحداثة. لقد أورثها هذا الصنف من العقل صِبغتَه الأصلية، وألزَمَها طرائقه في فهم الوجود وإدراك الموجودات. ولمّا كانت الهرمنيوطيقا فعالية تأويلية تستمد تفسير كل شيء من العقل الذي أنتجها، فمن البديهي أن يجيء عملُها على شاكلته. ربما لهذا استوى القول، أن معثرة الهرمنيوطيقا الحديثة تكمن في انها سليلة المعثرة الكبرى التي عصفت بالتأويل اليوناني للعالم.

 

دارت الهرمنيوطيقا الحديثة مدار العقل المقيَّد حتّى وهي تتطلَّع نحو اللاَّمرئي، أو تبحثُ عن سرِّ “الشيءِ في ذاته”. لهذا استعصى عليها النفاذ إلى “أفقٍ تأويلي ما بَعديٍ” ينفسحُ فيه نشاط الفكر، ويكتشفُ العقلُ قدرته على مجاوزة ذاته المسكونة بعالم الممكنات. داخل المدار الهرمنيوطيقي للحداثة سينمو ضربٌ من التشاؤم من إمكان الفوز بمعرفة ما هو محتجبٌ وراء عالم الحواس. والسبب كامنٌ في “الخلط المنهجي” الذي اقترفه الحداثيون لمّا قاربوا الدين بأبعاده الغيبية بأدوات المنطق الأرسطي، والمنهج العقلاني الصارم للفلسفة.. وعليه سيكون من أمرِ هذا الخلط أن تشيعَ سياقات وخطوطٌ تأويليةٌ غَلَبَ عليها الغموض والاضطراب وسوء الفهم.

 

تلقاء هذه المعضلة، سيخرج من بين اللاّهوتيين لينبِّه إلى الأثر الخطير المترتّب على استشرائها. ولنا في ما فعله القديس توما الأكويني في مبتدأ القرن الثالث عشر الميلادي شاهدٌ على ذلك: طلب الأكويني من أساتذة اللاّهوت أن لا يبرهنوا على أصلٍ إيمانيٍ بالبرهان المنطقي أبداً، لأن الايمان لا يرتكز على المنطق بل على كلمة الله. وكذلك طلب من أساتذة الفلسفة أن لا يبرهنوا على حقيقة فلسفية من خلال اللجوء إلى كلمة الله، لأن الفلسفة لا ترتكز على الوحي بل على العقل.

 

ورغم أنه كان أرسطياً متشدداً فقد عمد إلى التمييز بين الفلسفة والوحي من باب حفظ موقعية كل منهما في إنتاج المعرفة الصحيحة. رأى أن اللاَّهوت هو العلم بالأشياء التي يتم تلقٍّيه بالإيمان من الوحي الإلهي، ورأى نظير ذلك، أن الفلسفةَ هي المعرفة بالأشياء التي تفيض من مبادئ العقل الطبيعي. ولأن المصدر المشترك للفلسفة واللاَّهوت هو الله خالق العقل والوحي، فإن هذين العلمين يسيران في النهاية الى التوافق. ولكن إذا كان لا بد من توافقهما فعلاً، فلا بد من الحذر من نسيان الفوارق الأساسية بينهما، لأن الأشياء المتمايزة فقط يمكن أن تتوحّد. أما لو جرى دمجهما معاً كما فعل فلاسفة العقلانية في عهده، فستكون الخسارة محتومة للعلمين معاً. عندئذٍ وبسبب هذا الخسران ستحلُّ الخيبة، ويتضاعف التشاؤم من إمكان الوصول إلى الفهوم الصائبة.

 

المفارقة أن الممارسة الهرمنيوطيقيّة ذات النزعة التشاؤميّة ستتمدد إلى القلعة التي ابتنى عليها العقل الغربي أمجاد حداثته وأنوارها. ومع أن مؤوِّلة عصر النهضة بذلوا من الجهود ما صيَّر الهرمينوطيقا علمًا مستحدثًا، إلا أنّهم لم يجاوزوا الأرض الأولى لأسلافهم.

 

كلُّ ما استحدثوه أنْ حوَّلوا الهرمنيوطيقا الشفاهيّة التي مارسها حكماء الإغريق إلى تنظير مدوَّن في خزائن الكتب. ربّما لهذا الداعي سيزعم الوَرَثة والمحدثون من فلاسفة التنوير أن أجدادهم لم يكونوا من الهرمنيوطيقا على شيء، لأنهم أهل شفاهة لا أهل نصٍ يستدل عليه بالوثائق.

 

وعلى رغم هذا الزعم جاءت النتيجة لتقول، إن القول الفلسفي المستأنف للحداثة لم يقدر على القطع مع ماضيه، ولو كان دأبُه المستدام الانقلاب عليه، أو الجحود بفضائله. من أجل ذلك لم يكن التاريخ الغربي – كما يلاحظ أهله – مسيرةً مظفرةً نحو النور والسعادة. فلقد تخلّل ذلك التاريخ انحدار عميق نحو هواجس العقل الأدنى ومشاغله منذ ما قبل سقراط إلى زماننا الحاضر.

 

والحاصل، أنه أنْ كلّما ازدادت محاولة الإنسان فهم دنياه، واستغرق في تأويل إنجازاته التقنيّة، ازداد نسيانه ما هو جوهري.

 

النّظّار الذين قالوا بهذا، لا يحصرون أحكامهم بتاريخ الحداثة، بل يُرجعِونها إلى مؤثِّرات الإغريق، حيث وُلِدتَ الإرهاصاتُ الأولى للهرمنيوطيقا الدنيويّة. كان أفلاطون على علوِّ مُثُلِهِ، العلامةَ الأولى الدالّةَ على ذلك. فقد وضع موجودات العالم ضمن معايير عقلية شديدة الإتقان من أجل أن يُحكم من خلالها على صدق القضايا أو بطلانها. ثمّ جاءت الفلسفة الحديثة والعلم النظري لكي يعزِّزا هذا المَيْل، لتصبح العقلانية العلمية حَكَماً لا ينازِعُه منازعٌ في فهم الوجود وحقائقه المستترة. من بعد ذلك ستأخذ الثورة التقنية صورتها الجليِّة، لِتَفْتتِحَ أفقًا هرمنيوطيقيًّا تعذَّر معه النظر إلى الإنسان والكون بوصفهما كينونة موصولة بحقيقة التكوين. وهكذا صار لزامًا على كل من يبتغي الصواب، أن يضع كلَّ شيءٍ تحت سيطرة العقل الحسَّاب وعقلانيَّته الانتفاعية الحادة.

 

من هذا النحو ستحذو الهرمنيوطيقا الحديثة حَذْوَ السلفِ في إجراءات القطيعة بين الله والعالم، ثمّ أنزلت عليها من تأويلاتها المستجدة جرعاتٍ زائدةٍ اهتزَّت معها مفاهيمُ التنوير من أساسها. غدت الآلة محوراً للكون بدلاً من محورية الإنسان ومكانته المتعالية. وحين استطاب لها سحر التأويل استبدَّت التقنيةُ بأمرِها، وراحت تلقي بأثقالها على الإنسان الحديث، لتطيح بمجمل قِيَمِهِ ومعارفه ورؤاه حيال نفسه وحيال الكون. وسنرى كيف آلت الأفهام بدءًا من تأويلات ديكارت وكانط فضلًا عن فلاسفة العلم إلى كهف المقولات الأرسطيّة ولمَّا تفارقها قط.

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد