{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا﴾(1).
معنى الجِبت وموارد استعماله:
أمَّا الجبت فهي كلمة قيل إنَّها من أصلٍ غير عربي مقتبسة من لغة الحبشة، لذلك فهي لا تتصرَّف وليس لها اشتقاق، وقيل إنَّ الجِبت هو الجِبْس أُبدلت السين تاءً تنبيهاً على المبالغة، يطلق -أي الجبس- على الرذْل من الرجال الذي لا مروءة له، والرَّديءُ والدَّنِيءُ الذي لا يُجيب إِلى خير، ويُطلق كذلك على الضعيف واللئيم والخبيث وعلى الثّقيل وذي الخسَّة من الناس. وكذلك تطلق كلمة الجبت على الأفعال الباطلة كالسّحر والكهانة والطيرة والأفعال المتناهية في الفساد.
وأيًّا كان أصل كلمة الجبت فإنَّها استُعملت في كلام العرب وصفاً لمثل الساحر والكاهن والعرَّاف، وتطلق كذلك على كلِّ ما يعبد من دون الله من صنمٍ أو نصُبٍ أو شيطان أو داعية ضلال. وتطلق كذلك على مثل السحر والكهانة والطيرة، فكلمة الجبت تُستعمل وصفًا للذوات كالساحر والكاهن والشيطان والصنم وتستعمل وصفًا للأفعال كالسحر والشيطنة.
معنى الطاغوت وموارد استعماله:
وأمَّا الطاغوت فهو مشتق من طغى بمعنى تجاوز الحدِّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماء﴾(2) لتجاوزه المقدار المتعارف، ومنه قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّه طَغى﴾(3) أي تجاوز قدره بادِّعائه الرّبوبيَّة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾(4) أي أنَّه يتعدَّى طوره ويتجاوز مقداره فيستكبر ويتجبَّر ويعصي ربَّه، ولهذا يوصف العاصي لربِّه بالطاغي لتجاوزه حدود العبوديَّة لله تعالى وكذلك يُوصف المستكبِر والجائر الظالم بالطاغي لتجاوز الأول حدوده وتجاوز الجائر للحق، قال تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ﴾(5) ومصدر طغى هو الطغيان، يقال طغَوْتُ وطغيتُ طغياناً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾(6) وقوله تعالى: ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾(7) وأطغاه وأطغيته أي أغراه وأغريتُه وحمله وحملتُه على الطغيان والتعدِّي بمثل المعصية أو الجور، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾(8).
ومن ذلك يتَّضح أنَّ الطاغوت وصفٌ لكلِّ متعدٍّ لحدِّه أو متجاوزٍ للحقِّ، لذلك فهو يُطلق على مثل الـمُستكبِر المتعالي، والسلطان الجائر، والقاضي بغير الحق أو المتقمِّص لمنصب القضاء دون أهليَّة، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾(9) أي قضاة الجور أو الكُهَّان، وكذلك يُطلق الطاغوت على المعبودات المصطنعة كالأصنام والأوثان، وعلى الـمُطاع بغير وجه حقٍّ كالشيطان والأحبار والرهبان والكهَّان والسحرة ومردة الجنِّ وكلِّ داع إلى ضلال، فكلُّ هؤلاء يوصفون بالطاغوت تعبيراً عن التجاوز بهم قدرهم الذي هم عليه واقعاً، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾(10) وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾(11) يعني بالمعبودات المصطنعة كالأصنام، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾(12) أي أولياؤهم الشياطين ومردة الجن والأحبار والرهبان ورؤوس الضلال.
وكلمة الطاغوت تُستعمل للمفرد والجمع والمذكَّر والمؤنَّث، فيُقال: رجلٌ طاغوت، وامرأةٌ طاغوت، وهذا طاغوت، وهؤلاءِ طاغوت، وقد استَعمل القرآنُ المجيد كلمة الطاغوت في المفرد كما في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾(13) ففهنا استعمل كلمة الطاغوت في المفرد بقرينة ضمير الغائب المفرد في كلمة (به) العائد على الطاغوت، وكذلك استعملها في الجمع كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾(14) بقرينة ضمير الجمع في: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ العائد على الطاغوت. ثم إنَّ كلمة الطاغوت وإنْ كانت تستعمل للجمع ولكن يصحُّ جمعها أيضاً على طواغيت مثل حانوت وحوانيت وكذلك تجمع على طواغٍ.
وقيل إنَّ أصل طاغوت طغَووت فقُلبت لام الفعل إلى موضع عين الفعل، فصارت طَوَغوت، فالواو صارت في موضع الغين وصارت الغين في موضع الواو، وحيثُ إنَّ الواو مفتوحة والحرف الذي قبلها وهو الطاء متحرِّك لذلك قُلبت الواو ألفاً فصارت طاغوت.
المراد من الجبت والطاغوت في الآية:
وأمَّا المراد من الجِبت والطاغوت في الآية المباركة فيتَّضح من ملاحظة مدلول تمام الآية المباركة فإنَّها -ظاهراً -بصدد التشنيع على أهل الكتاب الذين وصفتهم الآية بأنَّهم أوتوا نصيباً من الكتاب فرغم أنَّهم قد أوتوا نصيباً من الكتاب إلا أنَّهم مالئوا المشركين في عدائهم للمؤمنين فزعموا أنَّ المشركين أهدى من الذين آمنوا سبيلًا والحال أنَّه ليس للمؤمنين من سبيلٍ سوى دين التوحيد الذي نزل به القرآن وجاءت به الرسالات السابقة التي يزعمون الإيمان بها، وأمَّا ما عليه المشركون من سبيل فهو الإيمان بالجِبت والطاغوت، فحكمُ أهل الكتاب بأنَّ المشركين أهدى سبيلاً يعني إيمانهم بالجبت والطاغوت اللذَيْن يؤمن بهما المشركون فيكونون بذلك قد انسلخوا عمَّا يزعمون الإيمان به وآمنوا بما يُؤمن به المشركون من الجِبت والطاغوت.
ما قيل في سبب نزول الآية:
ويُؤيِّد هذا الفهم للآية ما ورد في سبب نزولها فقد رُوي -كما في تفسير القمي- أنَّها نزلت في اليهود حين سألهم مشركوا العرب، فقالوا دينُنا أفضل أم دينُ محمد؟ قالوا: بل دينٌكم أفضل"(15).
وقيل: وهو قول أكثر المفسِّرين -كما في مجمع البيان- إنَّ كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكبًا من اليهود إلى مكة، بعد وقعة أحد، ليحالفوا قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وينقضوا العهد الذي كان بينهم، وبين رسول الله، فنزل كعب على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب، فلا نأمن أنْ يكون هذا مكراً منكم، فإنْ أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين، وآمن بهما. ففعل. فذلك قوله ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ثم قال كعب: يا أهل مكة! ليجئ منكم ثلاثون، ومنا ثلاثون، فنلصق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد ربَّ البيت، لنجهدنَّ على قتال محمد! ففعلوا ذلك، فلمَّا فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنَّك أمرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميُّون لا نعلم، فأيُّنا أهدى طريقاً، وأقرب إلى الحق؟ نحن أم محمد؟ قال كعب: اعرضوا علي دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصلُ الرحم، ونعمِّر بيتَ ربِّنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرمَ، ودينُنا القديم، ودين محمد الحديث. فقال: أنتم والله أهدى سبيلاً ممَّا عليه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ..﴾"(16).
وعليه فالمراد من الجِبت والطاغوت هما صنما قريش اللذان تعبدهما قريش من دون الله تعالى أو هما مطلق الأصنام والأوثان ومجمل ما يُؤمن به المشركون من سحرٍ وكهانة وطيرة وغيرها من العقائد الباطلة، وكذلك ما يسلكونه من إتباعٍ للشيطان وأوليائه، فالجِبت هو مثل السحر والكهانة والطيرة وكلُّ ما لا خير فيه، والطاغوت هي الأوثان والأصنام والشياطين وأولياؤهم من الجنِّ والإنس.
والمتحصَّل هو أنَّ المراد من قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ هو الإشارة إلى مجمل ما يؤمن به المشركون فهو لا يعدو الجبت والطاغوت بالمعنى الذي بيَّناه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة النساء / 51.
2- سورة الحاقة / 11.
3- سورة طه / 24.
4- سورة العلق / 6.
5- سورة ص / 55.
6- سورة البقرة / 15.
7- سورة الإسراء / 60.
8- سورة ق / 27.
9- سورة النساء / 60.
10- سورة الزمر / 17.
11- سورة البقرة / 256.
12- سورة البقرة / 257
13- سورة النساء / 60.
14- سورة البقرة / 257.
15- تفسير الفمي -علي بن إبراهيم القمي- ج1 / ص140.
16- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج3 / ص106.
الشيخ حسن المصطفوي
الشيخ محمد مصباح يزدي
الشيخ جعفر السبحاني
السيد عبد الحسين دستغيب
السيد محمد حسين الطبطبائي
الفيض الكاشاني
الشيخ محمد صنقور
السيد عادل العلوي
عدنان الحاجي
السيد محمد حسين الطهراني
عبد الوهّاب أبو زيد
فريد عبد الله النمر
جاسم الصحيح
حبيب المعاتيق
الشيخ علي الجشي
حسين حسن آل جامع
الشيخ عبد الحميد المرهون
ناجي حرابة
عبدالله طاهر المعيبد
جاسم بن محمد بن عساكر
الرُّشْد، الرَّشَد، الرَّشَاد
ملّا صدرا شارحاً (الأصول من الكافي) للكليني
﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾
التأسيس القرآني لقواعد سير الإنسان
ناصر الرّاشد: نحو تربية أسريّة إيجابيّة
الإيمان: كماله بالتّقوى، وثمَرتُه الطّاعات
أخوّة إلى الجنّة
زكي السّالم: حين تصدر كتابًا.. احذر هذا الخطأ القاتل
حرّيةُ الإنسان: لا حرّيّة أمام كلمة الحقّ
ألفاظ القرآن الكريم: وجوه المعاني وأنواعها