مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الأستاذ عبد الوهاب حسين
عن الكاتب :
من مواليد ١٩٥٤م، مفكر إسلامي، ترأس جمعية التوعية الاسلامية، وساهم في كتابة النظام الداخلي لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية والمجلس الإسلامي العلمائي في البحرين، ثم أسس تيار الوفاء الإسلامي.rnله عدة مؤلفات ومقالات منشورة، منها:rn- الإنسان رؤية قرآنيةrn- في رحاب أهل البيتrn- الدولة والحكومةrn- تفسير سورة الضحى

الشهادة فلسفة وعطاء (1)

قال الله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَـاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} ( آل عمران : 169 ـ 171 ).

 

النقطة الأولى ـ تعريف الشهادة والشهيد لغويًّا

 

سوف أذكر المعاني اللغوية لخمسة ألفاظ تتعلق بالشهادة وليس للفظين، وذلك في سبيل اكتمال الصورة اللغوية لمعاني الشهادة والشهيد ونرى آفاقهما البعيدة..

 

اللفظ الأول ـ الشهادة:

 

وهي في اللغة تعني الحضور والمعاينة فيقال شهد الحادث: أي حضره وعاينه وشهد الصلاة أي أدركها، وهي الخبر عن يقين والإقرار القاطع على النفس، ويطلق لفظ الشهادة على فعل الشاهد فيقال: أدى الشاهد الشهادة، وهي البيّنة والدليل الذي يستشهد به لإثبات أمر من الأمور، وهي الموت في سبيل الله عز وجل، والشهادة في القضاء: هي أقوال الشهود أمام جهة قضائية، وعالم الشهادة: هو عالم الحس في مقابل عالم الغيب.

 

اللفظ الثاني ـ المشهد:

 

وهو في اللغة ما يشاهد، ويطلق على منظر في فصل من مسرحية أو فيلم تمثيلي، وهو المحضر أو المجتمع من الناس والمواطن التي يجتمعون فيها، ويطلق أيضًا على المكان الذي تقام فيه قبور الشهداء ويجتمع فيها الناس لزيارتهم مثل مشهـد الإمام الحسين (عليه السلام).

 

اللفظ الثالث ـ اليوم المشهود:

 

وهو في اللغة اليوم الذي يجتمع فيه الناس لأمر هام، وهو يوم الجمعة، وهو يوم القيامة الذي يرى فيه الناس حقيقة أعمالهم وما يجري فيه من الأهوال العظيمة.

 

اللفظ الرابع ـ الشاهد:

 

وهو في اللغة الذي يؤدي الشهادة وجمعه شهود وأشهاد، وهو اللسان والملك، ويطلق لفظ الشاهد على الدليل الذي يستشهد به لإثبات أمر من الأمور، وعلى الجزئي الذي تثبت به القاعدة العامة.

 

اللفظ الخامس ـ الشهيد:

 

وهو في اللغة الأمين في شهادته، وهو القتيل في سبيل الله عز وجل، والشهيد اسم من أسماء الله الحسنى ومعناه: الحاضر الذي لا يغيب أبدا فهو مع كل مخلوق من مخلوقاته في كل زمان ومكان وهو الذي يعلم بكل شيء فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو الذي يشهد على الخلق في يوم القيامة بما علم وشاهد منهم.

 

والخلاصة: أن الشهادة تتضمن خمسة عناصر رئيسة..

 

العنصر الأول: الحضور والمعاينة

العنصر الثاني: العلم اليقين

العنصر الثالث: الأداء أو إظهار الشاهد ما تحمله من علم

العنصر الرابع: الأمانة في أداء الشهادة من أجل حفظ الحق من الضياع والواقع من التزوير

العنصر الخامس: المكان أو مسرح الأحداث

 

وقد أدركنا من خلال العرض السابق لمعاني الألفاظ المكانة العالية والمنزلة الرفيعة والسمو في المعنى لتلك الألفاظ الرائعة الجميلة التي تتعلق بالشهادة والشهيد ومدى ملامستها للقلوب والمشاعر الإنسانية، ويكفينا لمعرفة المكانة العالية والمنزلة الرفيعة للشهيد، أن نعلم بأن لفظ الشهيد هو وصف لمن يقتل في سبيل الله عز وجل، وهو صفة من الصفات الكريمة للرسول الأعظم الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو اسم من أسماء الله الحسنى، وهذا كاف لحمل الإنسان المؤمن خاصة على التوقف مليًّا أمام عظمة الشهيد وقيمة الشهادة وإدراك مكانتهما الدينية والإنسانية العالية.

 

النقطة الثانية ـ صفات الشهيد:

 

إن من أعظم الأعمال وأجلها الجهاد في سبيل الله ذي الجلال والإكرام، وفي سبيل الحق والقضايا الإنسانية الكبرى، وفي سبيل المقدسات والحرمات الدينية والإنسانية والدفاع عنها، وأروع ما يستوقفنا في الجهاد والدفاع عن المقدسات هو الشهيد، لأنه يمثل القمة في العطاء من أجل دينه ووطنه ومن أجل القضايا والمبادئ والقيم التي يؤمن بها ويعمل من أجلها، ولأنه يمثل السمو في الأخلاق والقدوة الحسنة في الصفات.

 

قال الرسول الأعظم الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): ”فوق كل برّ برّ حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله عز وجل فليس فوقه برّ” (البحار . ج100 . ص10).

 

فإننا حينما نتكلم عن صفات الشهيد، فإننا نتكلم عن وعي في الفكر، ويقين في الانتماء، وبصيرة في رؤية الأمور، وعن شعور عميق بالمسؤولية الدينية والقومية والوطنية، وعن المسؤولية في تحديد المصير، وعن حضور في الساحة وفاعلية في المشاهد، وعن أمانة وصدق وشجاعة وإقدام ومبادرة في المواقف، وعن انتصار الروح على التراب والملائكة على الشيطان في نفس الشهيد وقلبه، وعن توهج الروح بنار العشق الإلهي حتى أصبحت طاقة نورانية تتلألأ بأنوار أجمل الصفات الأخلاقية وأحلاها وأعطرها ـ وفي مقدمتها صفتي الإيثار على النفس والانتصار على الذات ـ فروح الشهيد تنشر أنوار الحق والخير والعدل والفضيلة والحرية والاستقلال، وتنشر الأريج الملكوتي لهذه القيم في أنحاء الأرض المعمورة.

 

إن الشهيد يؤمن بالله ذي الجلال والإكرام وبالآخرة عن يقين، ويعرف حقيقة الدنيا ويعرف تكليفه الشرعي والإنساني فيها، فهو لا يعطيها أكثر من حجمها الحقيقي، ولا يعطيها أكثر مما تستحق من الاهتمام، وهو يعرف أولوياته ورسالته في الحياة بدقة، فهو لا يقدم أحدًا على الله ذي الجلال والإكرام أيًّا كان، ولا يقدم الدنيا على الآخرة بأي حال من الأحوال، وهو لا يخاف من الألم، ولا يخاف من القتل، ولا يخاف من السجن، ولا يخاف من إرهاب المستبدين والمستكبرين والطواغيت، ولا يخضع لإغراءاتهم الشيطانية، وذلك لرسوخ يقينه في الله عز وجل وفي الآخرة، ولمعرفته بحقيقة الدنيا وبالطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله ذي الجلال والإكرام وإلى الآخرة، ولعمق حالته الشعورية واستقرارها، فهو يأنس بذكر الله ذي الجلال والإكرام في الشدة والرخاء، ولا يطغى لديه شعور على شعور المحبة لله ذي الجلال والإكرام والخوف من عقابه، فهو يعيش حالة من الاستقرار النفسي والاطمئنان الروحي رغم تقلبات الدهر وتغيرات الأوضاع.

 

ومما سبق نتوصل إلى النتائج المهمة التالية..

 

النتيجة الأولى:

 

أن الشهادة الحقيقية ليست وليدة صدفة كأن يخر الشهيد صريعا بغير إرادته ضحية لموقف غادر لأحد المجرمين هنا أو هناك، وإنما هي اختيار أكيد ومنهج حياة مبنيين على فلسفة ويقين ورؤية محددة للأمور، فالشهيد قبل أن يُصرع هو مشروع شهادة حي يتحرك نحو مصرعه بصبر ومثابرة وحيوية وقوة وفاعلية وهو يحمل معه ناره ونوره وعطره وعبقه، ويسير نحو الشهادة بإرادة كاملة وبتنظيم دقيق وبخطى ثابتة لا تزحزحه الإغراءات ولا التهديدات، ولذلك فهو شهيد وإن مات على فراشه حتف أنفه.

 

قال الرسول الأعظم الكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): ”من طلب الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم تصبه” (ميزان الحكمة . ج5 . ص195).

 

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ”من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه” (نفس المصدر) إلا أن القتل في سبيل الله عز وجل هو الموت الأكثر روعة والأكثر جمالاً وبهاء ونورًا وهو الوسام الرفيع الذي يوضع على كتف الإنسان في سلك العابدين. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ”إن أكرم الموت القتل، والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش في غير طاعة الله” (البحار . ج100 . ص40) وطبعًا المراد بالقتل هو القتل في سبيل الله عز وجل، وهو اصطفاء إلهي عظيم ودليل حب الله تبارك وتعالى لعبده المؤمن الذي نال شرف الشهادة، ذلك الشرف الذي لا يناله إلا خاصة أوليائه، فليس كل من يخوض المعارك ويواجه الأخطار يستشهد، وليس كل من يقتل في المعارك يكون شهيدًا، لأن ليس كل واحد يستحق هذا الوسام الرفيع. قال الرسول الأعظم الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): ”كم ممن أصابه السلاح ليس بشهيد ولا حميد، وكم ممن مات على فراشه حتف أنفه عند الله صديق شهيد” (كنز العمال . ج . ص . الحديث : 11200).

 

النتيجة الثانية:

 

أول ما يعطيه الله تبارك وتعالى من الكرامة لعبده الشهيد: أن يغفر له ذنوبه كلها، وينجيه من سؤال منكر ونكير، ويدخله إلى أعلى درجات الجنة بغير حساب، وتكون الجراح التي أصابته مضيئة حمراء كالدم، ورائحتها طيبة كالمسك، ولأن الشهادة تطهر الشهيد وتغسله من الذنوب، فإن الشهداء وحدهم لا يغسلون بعد الموت.

 

النتيجة الثالثة:

 

كل من لا يسير في خط الشهادة فهو لا يمتلك حقيقة الإيمان، ولم يشتعل قلبه بنار العشق الإلهي، فهو كيان مظلم لم تمسه نار العشق والمحبة، وهو معرض للانهيار الروحي والأخلاقي والتراجع في المواقف في أي وقت من الأوقات كلما تجدد الترهيب والترغيب وقوت سطوتهما على الإنسان، ومن الصعب على من لا يسير في خط الشهادة أن ينال شرف الدنو من الله العلي الأعلى والزلفى لديه، وذلك لضعف الجاذبية بينهما.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد